صاغ صنع الله إبراهيم هذه الرواية بأسلوب جديد مختلف عن بقية رواياته العديدة، وتعتبر من أهم أعماله التي تمزج بين السيرة الذاتية والواقع السياسي، إذ تداخلت الأفكار والأحداث والمواقف والأحاسيس والمنطلقات الثقافيّة والإيديولوجية بين مصر والولايات المتحدة الأميركية فتشابكت وتفاعلت وانصهرت ففعل ما لم يفعله غيره من الروائيين العرب إلا قلة منهم في مزج واقعين مختلفين.
حفلت الرواية التي تقع الرواية في 397 صفحة، صدرت الطبعة الأولى منها في العام 2003، بمواضيع العديدة وبمعلومات مهمة عن كلا البلدين، ما يؤهلها لأن تكون من الروايات المهمة لأمدٍ بعيد لكونها تعبر تعبيراً صادقاً عن الأدب الرفيع وفنّ السرد الحقيقيّ، والمؤكد أن صنع الله إبراهيم عندما كتب روايته هذه عكف على قراءة العديد من المصادر والبيانات والإحصائيات وعاش كما لو أنه مواطن أمريكي متنقلاً بين القاهرة وسان فرانسيسكو، المكانان التي تدور فيهما الأحداث.
وأنا أقرأ الرواية تذكرتً البرنامج الموضوع لنا أثناء زيارتنا للولايات المتحدة الأمريكية في شهر مايو 2004 (برنامج الزائر المتميز) وتحذيرات القائمين على الزيارة لنا، كما في الرواية “لا تفتح باب مسكنك لطارق قبل أن تتأكد من هويته”، إلى آخره من التحذيرات الواجب الإلتزام بها وإلا وقعت في محذور.
يفضح الراوي تفاصيل الحياة في أمريكا من واقع معايشته بصفته بروفيسوراً مُعاراً يدّرس في الجامعة الأمريكية بولاية فرانسيسكو، استطاع في فترةٍ بسيطة معرفة ما يدور في هذا البلد الذي أتاه وهو يجمل موروثات بلده مصر، وعليه كان يسرد لطلابه واقع الـحياة المزري في مصر وكيف استطاع الوصول إلى مرتبة الاستاذية رغم كل المعوقات والإخفاقات التي واجهته في طريقه للحصول على هذه المرتبة العلمية.
يندمج في المجتمع الأمريكي ليكتشف أمراض المجتمع؛ أعداد المشردين والفقراء (ثلث الأمريكيين يعيشون تحت خط الفقر) ونا فيها من بطالة ودعارة واغتصاب وتمييز: “هناك ثلاثين عرقاً رئيسياً مرتبين هرمياً، الوظائف الأعلى للبيض، يليهم السود، ثم الهسبانيك، أبناء أمريكا اللاتينية، فالأسيويون وبقية الأعراق”.
صوّر لنا حياة هذا الخليط من البشر، المشرّدين أو ناس الشوارع، المفصولين من العمل “يقولون إنّ منصبك مأمون، ثم يتخلصون منك في لمح البصر، عندما يعثرون على من يؤديه بنصف الراتب”، الفقراء غير القادرين على إدخال أبنائهم المدارس، مدمني المخدرات، الجريمة، حالات الاغتصاب اليومية، السطو المسلح، السرقات.
وهناك أيضاً الأنماط الجاهزة للإتهامات لمختلف الأعراق “الأسود مجرم ومغتصب، والمكسيكي تاجر مخدرات، والعربي إرهابي”.
استطاع صنع الله أن يبعث للقارئ رسائل عديدة تتمثل في مقدرته على إيصال أفكاره وأفكار المفكرين والعلماء والباحثين الآخرين بسهولة، حيث استعان بهم في إيصال هذه المعرفة لطلابه أيضاً، فطلب منهم تحضير ما يناسب الدرس، خاصة وأنهم طلّاب ماجستير ودكتوراه، فأوصل بهذه الطريقة فحوى تلك المعارف للقارئ، من خلال تأسيس الراوي محاضراته على أطاريح مفكرين وعلماء وأدباء مثل جورجي زيدان عميد الرواية التاريخية الكلاسيكية العربية، الكسندر دوماس مؤلف رواية “الفرسان الثلاثة”، رفائيل ساباتيني الروائي الإنجليزي، جمال حمدان أستاذ الجغرافيا البشرية المصري المعروف صاحب الموسوعة الشهيرة “شخصية مصر، دراسةً في عبقرية المكان”، هيغل وفوكوياما ونظرية نهاية التاريخ، ابن خلدون، هُنبل المؤرخ من رواد التاريخ المقارن، كاثلين وينسون صاحبة رواية “عنبر إلى الأبد، أحمد صادق سعد، فرناند بروديل المؤرخ الفرنسي، المؤرخ الأميركي بول كنيدي، أرنولد توينبي، رشدي سعيد أستاذ الجيولوجيا المصري المعروف، الكاتب الأمريكي المور ليونارد وغيرهم العديد، حيث لخص لنا الكاتب أفكار هؤلاء في الرواية، فأجاد فن الدمج بين ما هو خاص بالعام، ونجح في إيصال هذا الكم من المعلومات إلى القارئ بإسلوب بسيط وواضح.
لم يهمل صنع الله إبراهيم أيضاً التاريخ المصري القديم، فأفرد له حيزاً من خلال بحوثه كراوٍ متقمصاً شخصية البروفيسور، عن الملكة حتشبسوت، التي حكمت مصر من 1479إلى 1458ق.م، والتي أغرم برسم وجهها، الجبهة العريضة، والعينين الواسعتين، والأنف المستقيمة، والشفاه الحسية الرقيقة فكانت المقارنات بين الحقب التاريخية من مختلف النواحي عنوان أيضاً لتلك المحاضرات.
كان للقضية الفلسطينية حضورها أيضاً في الرواية، من خلال (المؤرخين الجدد) في إسرائيل مثل (يني موريس) و(إيلان بابي) الذي يرى “أن الحركة الصهيونية تحولت إلى حركة كولونيالية استعمارية. كما أن (يني موريس) في كتابه “تصحيح خطأ” يقول: “لقد كذب زعماؤنا علينا عندما أخبرونا أن عرب (اللد) و(الرملة) طلبوا مغادرة بيوتهم بمحض إرادتهم … كذبوا علينا عندما أبلغونا بأن المتسللين الفلسطينيين إرهابيون متعطشون للدماء، وأن الدول العربية أرادت تدميرنا … أما كذبة الأكاذيب التي أسموها (الاستقلال) فهي “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.
(يوسف تحماني) أحد قادة الحركة الصهيونية المولود في أوكرانيا السوفييتية أكد أن “الترويع كان جزءاً من عملية إرغام العرب على مغادرة أراضيهم”، وكتب يقول: “إن الأعمال التي ارتكبها جنودنا في قرية (الصفصاف) كانت في منتهى البشاعة، فمثلاً بعد أن استولى الجنود على القرية، ورفع سكّانها الأعلام البيضاء جمعوهم وفرّقوا بين الرجال والنساء ثم قيّدوا أيدي الرجال بعد أن أوقفوهم في صف واحد وأطلقوا النار عليهم وقتلوهم جميعاً وعددهم نـحو 60 رجلاً ثم القوا بهم في حفرة واحدة. وبعد ذلك أغتصبوا النساء ثمّ نقلوهن إلى غابةٍ مجاورة وقتلوهن، وقد رأيت امرأة مقتولة، وبين ذراعيها طفلها المقتول هو الآخر.”
وعلى هذا نجد على الحائط ملصق يحوي وجوهاً لكل من (بيجن) و(نتنياهو) و(شارون) وأسفل كل وجه قائمة بالمذابح التي ارتكبها صاحبه في حق الفلسطينيين، ثم عبارة تختصر ما يجري في إسرائيل (الدولة اليهودية هي المكان الوحيد في العالم الذي تعمل فيه فرق قتل قانونية، وتجاز فيه سياسة الاغتيال.)
صعود الإمبراطوريات وإنهيارها جانب آخر تطرق إليه المحاضر (فارس، روما، الأزتيك والإنكا) ومقارنة كل ذلك مع الفراعنة، فصعود الدول وسقوطها يبدأ بما تحققه من رخاء ورخاوة وتبذير كما يقول (ابن خلدون) وهذا ينطبق على الإمبراطورية الإسبانية والرومانية وغيرها من الإمبراطوريات.
لا تخلو الرواية من توصيفات جميلة لكل ما شاهده وعاشه الرواي سواء في مصر أو أمريكا حيث تصادفنا مشاهد إغراء وخفة وأحاسيس مرهفة للعشاق والمتحولين جنسياً، وفضائح سياسية وصلت لرأس الدولة، كفضيحة الرئيس بيل كلينتون في العام 1998 مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي (كانت بعمر 22 سنة)، والضجة التي أثيرت حولها وإشغال العالم بالتقرير الذي وضعه المدعي المستقل (كينث ستار) الذي عينه الكونغرس للتحقيق في سلسلة قضايا مرتبطة بالرئيس، والواقع في 445 صفحة، وصف فيه تفاصيل العلاقة وخلفيتها، كاشفاً كذب كلينتون على هيئة المحلفين عندما قال “إن (مونيكا) أتت فعلاً جنسياً معه، أما هو فلم يرتكب فعلاً معها.”
كلينتون هو نقسه من أمر بقصف مصنع في السودان مدعياً بأنه لغازات الأعصاب ليتضح لاحقاً بأنه مصنع أدوية، في سياق الحروب والتدخلات العسكرية الأمريكية من فيتنام إلى العراق الذي تعرض لعقوبات اقتصادية توفى بسببها خمسة آلاف طفل كل شهر.


