في العام 1977 كنا في مدرسة المنامة الثانوية في الصف الثاني ثانوي، وكانت مادة الاقتصاد والاجتماع أحد مقرراتنا الدراسية، وكان مدرسنا لهذه المادة من المدرسين العرب. كان شخصاً ضخم البنية، دائم التجهم، وتنبىء ملامح وجهه عن كونه شخصاًُ شرس الطباع، ولم يشاهد ولا حتى مرة واحدة وهو يبتسم أو يضحك.
في أحد الايام كان لدينا حصة في الاقتصاد، دخل المعلم علينا الفصل. كنا حوالي ثلاثين طالب فيه، كان منشغلاً في ترتيب أوراقه على الطاولة عندما قام أحد الطلبة واسمه (وليد) ببعض المشاغبات البسيطة ظناً منه بأن المدرس لن يتمكن من ملاحظته. كان شاباً صغير السن ضعيف البنية لم يكن معروفاً عنه أنه من المشاغبين، بل كان أحد الطلبة المؤدبين المرحين والمجتهدين في دراستهم.
طلب المدرس من (وليد) بكل هدوء الخروج إلى السبورة واستمرّ هو في ترتيب أوراقه على الطاولة في هدوء تام. لم تنبىء ملامحه عن أنّه كان غاضباً أو أنه ينوي معاقبة الطالب أو يتخذ ضده أي إجراء قاسٍ او غير طبيعي، وإنما كان يتصرف في هدوء تام وكأنّ ما حدث ليس بالأمر الذي يستدعي منه أن يغضب أو يبالغ في ردّة فعله مع الطالب.
بعد أن انتهى من ترتيب أوراقه تقدّم إلى الطالب في هدوء، وبدون أي مقدمات أو كلام، أخذ ينهال عليه بالصفع والضرب، وعندما سقط على الأرض أخذ ينهال عليه بالركل دون توقف، كأنه يفرغ شحنة من الغضب في داخله. لم يكن ما كان يقوم به من عقاب يشبه البتة معاقبة أي طالب في مدرسة وإنما كان أشبه بالتعذيب الذي يحدث عادة في الزنازين والمعتقلات .
كان الطالب يصرخ وهو في حالة صدمة شديدة مما يتعرض له من ضرب وركل، أما باقي الطلبة في الصف فقد انعقد لسانهم، فلم ينبس أحد منهم ببنت شفه اعتراضاً على ما يقوم به هذا المدرس من ضرب وركل بحق زميلهم .
لم يكن ما كان يقوم به هذا المدرس من عقاب والمبالغة فيه هو فقط عقاب لهذا الطالب على ما قام به من خطأ وإنما أراد من وراءه زرع الخوف والرعب في قلوب وعقول جميع الطلبة حتى لا يفكر أحد منهم في يوم من الخروج على النظام .
لقد كانت مدارسنا مراكز لزرع الخوف والرعب في قلوب وعقول طلبتنا، ولترسيخ قيم الفردية في نفوسهم، وإن ما يحصل لغيرك لا يهمك، فلست مسؤولاً عنه وإنما عليك الاهتمام فقط بشؤونك ومصالحك الفردية الخصة، وعدم الزج بأنفك في أي شيئ لا يعنيك.