لا ضرائب بلا مساءلة

0
46

غالباً ما يُختزل النقاش حول الضرائب في أرقامه الاقتصادية: نسب، عجز، وإيرادات. غير أن القضية في جوهرها سياسية قبل أن تكون مالية، إذ تكشف طريقة تعامل الدولة مع الضرائب عن شكلها الحقيقي: هل هي دولة جباية تبحث عن موارد إضافية، أم دولة مؤسسات تقوم على الشراكة السياسية مع المجتمع وتعتبر المواطن شريكاً في القرار لا مجرد ممولٍ؟

في الدولة الحديثة لا تُقدَّم الضرائب باعتبارها الحل الاقتصادي أو الركيزة الأساسية للاقتصاد، بل رافداً من روافد الميزانية ضمن اقتصاد يقوم على الإنتاج والاستثمار وتوليد القيمة. فالاقتصاد القوي لا يُبنى على الجباية، بل على نشاط اقتصادي حيّ يخلق الفرص ويعزز الاستقرار، بينما تأتي الضرائب لتنظيم توزيع الأعباء والمساهمة في تمويل الخدمات العامة دون أن تتحول إلى عبء يثقل المجتمع أو بديل عن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي.

الضريبة ليست مجرد اقتطاع مالي، بل مدخل لعلاقة جديدة بين المجتمع والدولة. حين يساهم المواطن في تمويل الدولة، يصبح من حقه الطبيعي أن يسأل، وهنا تتبلور قاعدة سياسية واضحة: لا ضرائب دون تمثيل ومساءلة، ولا مساءلة حقيقية دون مشاركة سياسية فاعلة.

لذلك تصبح الضرائب جزءاً من منظومة إصلاح سياسي ومؤسسي تعزز الشفافية، وتفعّل الرقابة، وتوسّع المشاركة في القرار، عبر مؤسسات دستورية فاعلة، وأجهزة رقابية مستقلة، وإعلام مسؤول، ومجتمع مدني قادر على النقاش والمساءلة. كما أن وضوح السياسات المالية واستقرارها يرسخان الثقة داخلياً وخارجياً، ويعززان شعور المواطن بأن الدولة تعمل معه لا فوقه.

ولا تكون الضريبة عادلة إلا عندما تقترن بعدالة اجتماعية، بحيث يُوزَّع العبء وفق القدرة، فلا تتحول الجباية إلى أداة تزيد الفجوة بين فئات المجتمع، بل وسيلة تعزز تماسكه واستقراره، وتحفظ للفئات الأضعف قدرتها على العيش الكريم والمشاركة في الحياة العامة دون شعور بالإقصاء أو الضغط المعيشي.

النقاش حول الضرائب هو في حقيقته نقاش حول شكل الدولة التي نريدها: دولة تقوم على المشاركة والشفافية والمؤسسات، حيث تتحول الضريبة من عبء مالي إلى تعبير عن عقد ثقة متبادل، يساهم فيه المواطن بوصفه شريكاً في بناء الدولة، وتلتزم فيه الدولة بإدارة الموارد بعدالة ومسؤولية، ليشعر المجتمع أن ما يقدمه يعود إليه في شكل خدمات أفضل، وعدالة أوسع، وفرص أكثر تكافؤاً. ففي الدولة الحديثة، لا تُقاس قوة الدولة بما تجمعه من ضرائب، بل بقدرتها على تحويل مساهمة مواطنيها إلى ثقة واستقرار ومستقبل مشترك.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا