مُقدّمة كتاب: “الرِبح على حساب الناس” للكاتب والمفكر نعوم تشومسكي (2 – 2)

0
4

كتبها: Robert W. McChesney

ترجمة : غريب عوض

طوال هذهِ السنوات، كان تشومسكي، الذي يمكن وصفهُ بالفوضوي anarchist بالمفهوم السياسي، أو بتعبير أدق، بالإشتراكي الليبرالي، مُعارِضاً وناقِداً ديمقراطياً صريحاً ومبدئياً وثابتاً للدول والأحزاب السياسية الشيوعية اللينينية. لقد دَرَس عدداً لايُحصى من الناس، بمن فيهم أنا Robert W. McChesney، أن الديمقراطية رُكنٌ أساسي لا غِنى عنهُ لأي مُجتمع ما بعد رأسمالي يستحق العيش فيه أو النِضال من أجله. في الوقت نفسه، أثبت عبثية مساواة الرأسمالية بالديمقراطية، أو الأعتقاد بأن المجتمعات الرأسمالية، حتى في أفضل الظروف ستُتيح الوصول إلى المعلومات أو صنع القرار بما يتجاوز أضيق الأحتمالات وأكثرها تحكماً. أشك في أن أي كاتب، ربما بإستثناء جورج أورول George Orwell، قد أقترب من تشومسكي في إنتقادهِ المنهجي لِنفاق الحُكام الأيديولوجيين في كل المجتمعات الشيوعية والرأسمالية، إذ يدّعون أن ديمقراطيتهم هي الشكل الوحيد للديمقراطية الحقيقية المُتاحة للبشرية.

في تسعينيات القرن الماضي، تضافرت كل هذهِ التوجهات في عمل تشومسكي السياسي – من مُناهضة الإمبريالية والتحليل النقدي لوسائل الأعلام إلى كِتاباتهِ عن الديمقراطية والحركة العُمالية – لِتُتوج أعمالاً مثل هذا الكتاب عن الديمقراطية وتهديد الليبرالية الجديدة. لقد بذل تشومسكي جهوداً كبيرة لإنعاش فهم المُتطلبات الإجتماعية للديمقراطية، مُستفيداً من الإغريق القُدماء، فضلاً عن رواد الثورات الديمقراطية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكما يُوضح، من المستحيل أن تكون مُناصراً للديمقراطية التشاركية وفي الوقت نفسهِ مُناصراً للرأسمالية، أو أيُ مُجتمعٌ آخر مُقسماً طبقياً. في تقييمهِ للنِضالات التاريخية الحقيقية من أجل الديمقراطية، يكشفُ تشومسكي أيضاً كيف أن الليبرالية الجديدة ليست أمراً جديداً، بل هي مُجرد النسخة الحالية من معركة القِلة الغنية لتقييد الحقوق السياسية والسُلطات المدنية للأغلبية.

قد يكون تشومسكي أيضاً الناقد الرئيس لأسطورة السوق “الحُر” الطبيعية، تلك النشيدة المبهجة التي تغرس في أذهاننا حول كون الأقتصاد تنافسياً وعقلانياً وفعالاً وعادلاً. وكما يُشير تشومسكي، فإن الأسواق نادِراً ما تكون تنافسية. فمُعظم الأقتصاد تُهيمن عليه شركات ضخمة ذات سيطرة هائلة على أسواقها، وبالتالي لا تواجه سوى مُنافسة ضئيلةٌ جداً من النوع الموصوف في كُتُب الأقتصاد وخُطَب السياسيين. علاوةٌ على ذلك، فإن الشركات نفسها هي في الواقع مُنظمات استبدادية تعمل وفق أُسُس غير ديمقراطية. إن تمركز أقتصادنا حول هذهِ المؤسسات يُضعِف بِشدة قُدرتنا على بِناء مجتمعٌ ديمقراطي.

كما تعترف أسطورة السوق الحُرة أن الحكومات مؤسسات غير فعالة ويجب تقييدها حتى لا تضر بسحر سوق عدم التدخل “عدم التدخل” الطبيعي. في الواقع، كما يُؤكد تشومسكي، فإن الحكومات محور النظام الرأسمالي الحديث، فهي تدعم الشركات بِسخاء وتعمل على تعزيز مصالحها على جبهات عديدة. إن الشرِكات نفسها التي تبتهج بايديولوجية الليبرالية الجديدة هي في الواقع غالباً ما تكون مُنافِقة: فهي تُريد وتتوقع من الحكومات أن تحول دولارات الضرائب إليها، وأن تحمي أسواقها من المُنافسة، لكنها تُريد التأكُد من أن الحكومات لن تفرض عليها ضرائب أو تعمل بشكل داعم نيابةً عن المصالح غير التِجارية، وخاصةً نيابةً عن الفُقراء والطبقة العاملة. إن الحكومات أكبرُ من أي وقت مضى، ولكن في ظل الليبرالية الجديدة لديها تظاهر أقل بكثير بأنها مُهتمة بمُعالجة المصالح غير التجارية.

وما من مكان تتجلى فيهِ مركزية الحكومات وصنع السياسات أكثر من بروز اقتصاد السوق العالمي. فما يُصوّرهُ أصحاب الأيديولوجيات المؤيدة للأعمال التجارية على أنهُ توسع طبيعي للأسواق الحُرة عبر الحدود، هو في الواقع عكس ذلك تماماً. فالعولمة globalization هي نتيجة حكومات قوية، وخاصة حكومة الولايات المتحدة، تَفرضُ صفقات تجارية واتفاقيات أُخرى على شعوب العالم، لتسهيل سيطرة الشركات والأثرياء على اقتصادات الدول دون أي التزامات تجاهها. وما من مكان تتجلى فيه هذهِ العملية أكثر من إنشاء منظمة التجارة العالمية WTO في أوائل التسعينيات، والآن في المُداولات السرية بشأن اتفاقية الأستثمار المُتعدد الأطراف Multilateral Agreement on Investment.

في الواقع، يُعد عدم القدرة على إجراء نِقاشات ومُناظرات صادقة وصريحة حول الليبرالية الجديدة من أبرز سِماتها. يُعدّ نقد تشومسكي لنظام الليبرالية الجديدة محظوراً عملياً على التحليلات السائدة، على الرغم من قوته التجريبية والتزامهِ بالقيم الديمقراطية. وهُنا، تأتي فائدة تحليل تشومسكي للنظام العقائدي في الديمقراطيات الرأسمالية. تلعب وسائل الإعلام الإخبارية التابعة للشركات، وصناعة العلاقات العامة، والأيديولوجيون الأكاديميون، والثقافة الفكرية عموماً، دوراً مِحورياً في خلق “الأوهام الضرورية” لجعل هذا الوضع غيرَ المُستساغ يبدو عقلانياً وخَيّراً وضروري، إن لم يكُن بالضرورة مرغوباً فيه. كما يُسارع تشومسكي إلى الإشارة، إن هذا ليس مؤامرة رسمية من قِبل مصالح قوية: ليس بالضرورة أن يكون كذلك. فمن خلال مجموعة مُتنوعة من الآليات المؤسسية، ترسَلُ إشارات إلى المثقفين والخُبراء والصَحفيين، تدفعهم إلى اعتبار الوضع الراهن أفضل العوالم المُمكنة، بعيداً عن تحدي المُستفيدين منه. يُعدّ عمل تشومسكي دعوة مُباشرة للنُشطاء الديمقراطيين لإعادة صياغة نظامنا الإعلامي بِحيثُ يُصبح مفتوحاً أمام وجهات نظرٍ وتساؤلات مُناهِضة للشرِكات ولليبرالية الجديدة. هو أيضاً تحدٍ لجميع المُثقفين، أو على الأقل أُولئك الذين يُعبِرون عن إلتزامهم بالديمقراطية، ليلقوا بنظرة عميقة في المِرآة، ويسألوا انفُسِهِم لمصلحة من، ولأية قيم، يؤدون عملهم.

إن وصف تشومسكي لسيطرة الليبرالية الجديدة والشركات على أقتصادنا، ونظامنا السياسي، وصحافتنا، وثقافتنا، بالغ القوة والجبروت، لدرجة أنهُ قد يُثير لدى بعض القُراء شعوراً بالأستسلام. في عصرنا السياسي المُحبِط ، قد يمضي البعض خِطوةٌ أبعد، ويستنتجون أننا مُتورِطون في هذا النظام الرجعي، لأن البشرية، للأسف، عاجزة ببساطة عن إقامة نِظامٌ إجتماعي أكثر إنسانية ومُساواة وديمقراطية.

في الواقع، قد يكون أفضل إسهام لِتشومسكي هو إصرارهِ على الميول الديمقراطية الأساسية لشعوب العالم، والإمكانيات الثورية الكامنة في تلك الدوافع. وخيرُ دليل على هذهِ الإمكانية هو المدى الذي تصل إليه قوى الشرِكات في منع قيام ديمقراطية سياسية حقيقية. يُدرِكُ حُكام العالم ضمنياً أن أنظمتهم قائمة لتلبية إحتياجات القِلة، وليس الأغلبية، إنهُ لا يمكن السماح أبداً للأغلبية بِمُساءلة حُكم الشرِكات وتغييره. وحتى في الديمقراطيات المُتعثِرة القائمة، يعمل مُجتمع الشرِكات بلا كلل لضمان عدم طرح قضايا مُهِمة للنِقاش العام، مثل إتفاقية الأستثمار مُتعدد الأطراف MAI. وينفق مجتمع الأعمال ثروة طائلة على تمويل أجهزة العلاقات العامة لإقناع الأمريكيين بأن هذا هو أفضل العوالم المُمكنة. وبهذا المنطق، سيأتي وقت القلق بِشأن إمكانية التغيير الإجتماعي نحو الأفضل عندما يتخلى مجتمع الشركات عن العِلاقات العامة وشِراء الإنتخابات، ويسمح بِوسائل إعلام تمثيلية، ويشعر بالأرتياح لإقامة ديمقراطية تشاركية حقيقية قائمة على المُساواة لأنهُ لم يَعُد يخشى سُلطة الأغلبية. لكن ليس هناك ما يدعو للأعتقاد بِأن هذا اليوم سيأتي على الأطلاق.

إن الرسالة الأبرز لليبرالية الجديدة هي أنهُ لا بديل عن الوضع الراهن، وأن البشرية قد بلغت أسمى مُستوياتها. يُشيرُ تشومسكي إلى وجود فترات أُخرى عديدة وُصِفت بـ “نهاية التاريخ” في الماضي. ففي عشرينيات وخمسينيات القرن الماضي، على سبيل المِثال، زَعَمَت النُخب الأمريكية أن النظام يعمل، وأن الهُدوء الجماهيري يعكس رضاً واسع النِطاق عن الوضع الراهن. إلا أن الأحداث التي أعقبت ذلك بوقت قصير أبرزت حماقة هذهِ الإعتقادات. أظِنُ أنهُ بِمُجرد أن تُحقق القوى الديمقراطية انتصارات ملموسة، سيعود الدم إلى عُروقها، وسيسلك الحديث عن انعدام الأمل في التغيير نفس مسار جميع أوهام النُخَب السابقة حول ترسيخ حكمها المجيد لِألف عام.

إن فكرة إستحالة وجود بديل أفضل للوضع الراهن أصبحت أبعد من أي وقت مضى، في عصرنا الذي تتوافر فيه تقنيات مُذهِلة لتحسين أحوال البشر. صحيح أن كيفية إرساء نِظام ما بعد رأسمالي قابل للأستمرار، حُر وإنساني، لا تزال غامِضة، بل إن هذهِ الفكرة في حد ذاتها تحملُ في طياتها مسحة طوباوية. لكن كلُ تقدمٌ في التاريخ، من إنهاء العبودية وإرساء الديمقراطية إلى إنهاء الأستعمار الرسمي، كان عليه في مرحلة ما أن يتغلب على فكرة إستحالة تحقيق ذلك لأنهُ لم يحدث من قبل. وكما يُسارع تشومسكي إلى الإشارة، إن النشاط السياسي المُنظم مسؤول عن مُستوى الديمقراطية الذي نتمتع بهِ اليوم، وعن حق الأقتراع العام للبالغين، وحقوق المرأة، والنقابات العمالية، والحقوق المدنية، والحُريات التي نتمتع بِها. وحتى لو بدأ مفهوم مجتمع ما بعد الرأسمالية بعيد المنال، فإننا نعلم أن النشاط السياسي البشري قادر على جعل العالم الذي نعيشُ فيه أكثر إنسانية بكثير. وعندما نصل إلى هذهِ النقطة، ربما نتمكن مرةٌ أُخرى من التفكير في بِناء اقتصاد سياسي قائم على مبادئ التعاون والمساواة والحُكم الذاتي والحُرية الفردية.

وحتى ذلك الحين، ليس النِضال من أجل التغيير الإجتماعي مسألة افتراضية. لقد ولّد نظام الليبرالية الجديدة الحالي أزمات سياسية واقتصادية هائلة من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. إن جودة الحياة في الدول المُتقدمة في أوروبا واليابان وأمريكا الشمالية هشة. والمجتمعات هُناك في حالة اضطراب شديد. إضطرابات هائلة تلوحُ في الأفق في السنوات والعقود القادمة. ومع ذلك، هناك شك كبير حول نتائج تلك الأضطرابات، ولا يوجد ما يدعو للأعتقاد بأنها ستؤدي تلقائياً إلى حل ديمقراطي وإنساني. سيُحدد ذلك كيفية تنظيمنا، نحنُ الشعب، وردود أفعالنا، وتصرُفُنا. وكما يقول تشومسكي، إذا تصرفت كما لو أنه لا توجد إمكانية للتغيير نحو الأفضل، فإنك تضمن أنهُ سوف لن يكون هناك تغيير للأفضل. الخيارُ لنا، الخيارُ لكم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا