أوجه الشبه  بين عجز التقاعد وتصاعد الدين العام في البحرين

0
29

لا تقتصر أوجه الشبه بين عجز نظام التقاعد وتنامي الدين العام في البحرين على كونهما يسيران في منحنى تصاعدي فحسب؛ إذ بلغ الأول مرحلة العجز الفعلي مع تحذيرات رسمية من احتمال عدم القدرة على صرف المعاشات خلال سنوات قليلة، كما برزت مؤشرات على صعوبة تأمين الدولة لرواتب موظفي القطاع العام. وتمتد أوجه التشابه إلى جوانب جوهرية أخرى تتجاوز مجرد الارتفاع في الأرقام.

أولاً: الانتقائية في تنفيذ توصيات الخبراء

يتجلى أحد أبرز هذه الجوانب في النهج الانتقائي الذي تتبعه الحكومة في التعامل مع توصيات الخبراء في كلا الملفين، حيث يتم الأخذ ببعض التوصيات وتجاهل أخرى.

فعلى الرغم من اعتماد البحرين على توصيات صندوق النقد الدولي في رسم سياساتها المالية والاقتصادية بشكل عام، إلا أن التعاطي معها يتم بانتقائية واضحة. كما يحذر البنك الدولي باستمرار من مخاطر الصرف خارج الميزانية، في حين أن معظم الاقتراض ضمن الدين العام لا ينعكس أثره بصورة واضحة في الميزانية أو الحساب الختامي، بل يُنفق بقرارات فوقية خارج الأطر المعتمدة. ويُضاف إلى ذلك تضخم الجهاز الإداري للدولة نتيجة تعدد الجهات والهيئات المعنية بالشأن الواحد، ما يثقل كاهل الميزانية بمزيد من الهدر المالي ويعمّق العجز، في مخالفة صريحة لتوصيات الصندوق.

وبالمنطق ذاته، تواجه صناديق التقاعد تجاهلاً مماثلاً لتوصيات الخبراء الاكتواريين، ولا سيما فيما يتعلق بالتقاعد المبكر. إذ تمضي الجهات التنفيذية في تحميل نظام التقاعد تبعات برامج التقاعد المبكر في الوزارات والشركات الحكومية، سواء عبر برامج التقاعد الاختياري أو عمليات إعادة الهيكلة. وتؤدي هذه السياسات إلى إحالة الغالبية العظمى من الموظفين إلى التقاعد قبل بلوغهم السن القانوني المحدد له، ما يكبد ميزانية التقاعد مئات الملايين من الدنانير سنوياً ويضاعف أعباء التأمينات. فضلاً عن ذلك، تتحمل هيئة التأمين الاجتماعي تكاليف تقاعد أعضاء المجالس التشريعية والبلدية السابقين، في وقت يبدو فيه أن الجهات التنفيذية ماضية في تنفيذ برامج التقاعد المبكر دون مراعاة كلفتها الباهظة على الميزانية.

ثانياً: التأثير المتبادل بين العجزين

تسهم برامج «الإصلاح الإداري» والخصخصة في إخراج عشرات الآلاف من العاملين في الحكومة والشركات الحكومية من دائرة الإنتاج، ما يحرم صناديق التقاعد من اشتراكاتهم ويحمّلها أعباء تقاعدهم المبكر، الأمر الذي يفاقم تدهور أوضاعها المالية. وفي المقابل، تؤدي القرارات المتعلقة بتجميد معاشات المتقاعدين أو منح معاشات متدنية إلى زيادة أعداد المستفيدين من برامج المساعدات الاجتماعية، خصوصاً الضمان الاجتماعي ودعم الأسر، بما يشكل عبئاً إضافياً على الميزانية العامة.

ثالثاً: المواطن.. ضحية الأزمات الدائم

في مواجهة العجوزات، تتجه الحكومة إلى فرض مزيد من الضرائب على المواطنين، ورفع الدعم عن الخدمات الأساسية، وزيادة أسعار المحروقات والكهرباء. وفي مسعى للحد من تدهور أوضاع صناديق التقاعد، يتم الاتجاه نحو تقليص مزايا وحقوق المتقاعدين، مثل إلغاء أو تقليص الزيادة السنوية، وزيادة الاشتراكات، ورفع سن التقاعد.

رابعاً: فتح سوق العمل على مصراعيه

إن ما يترتب على الآلية المتبعة في الترخيص للوافدين بالعمل دون ضوابط يؤدي إلى تدفق مزيد من العمالة الوافدة إلى البلاد، وهو ما يكلف الميزانية أعباء إضافية نتيجة الخدمات المقدمة لهم، فضلاً عن تأثيره الأكبر على فرص توظيف المواطنين، بما يسهم في عدم مشاركتهم في تمويل التقاعد عبر اشتراكات تعزز وضعه المالي إيجابياً.

إن العجز الاكتواري في صناديق التقاعد وتصاعد الدين العام في البحرين يمثلان وجهين لعملة واحدة، ويعكسان أزمة مالية هيكلية ناتجة عن خلل في الإدارة وإخفاق في نهج السياسات الاقتصادية والاجتماعية. ويستدعي هذا الواقع إجراء مراجعة شاملة لهذه السياسات، والبحث عن حلول جادة وواقعية تُعتمد بشفافية ومن خلال آليات ديمقراطية تشاركية

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا