الكتب.. آكِلةُ عقولِ البشر

0
10
بروين حبيب

تستهويني الواقعية السحرية منذ أن قرأت لماركيز وبورخيس، ويستهويني أكثر استحضار شخصيات تاريخية أو أسطورية ومنحها حيّزا في واقعنا القاسي الكئيب وجعلها تتفاعل في بيئة غريبة عنها مثل بيئتنا المعاصرة، وهذا ما حاولت فعله في روايتي للفتيان “فريقي الذي لا يخسر” حيث شكّل بطل الرواية فريقا كرويا مكوّنا من الأمير الصغير وعلاء الدين وسندباد وأليس فتحولت هذه الكائنات الورقية أو السينمائية عند كثير من الفتيان إلى أصدقاء من لحم ودم يشاركونهم واقعهم ويتفاعلون معهم، وهناك روايات وأفلام كثيرة اعتمدت هذا الأسلوب فلهذه الخلطة سحرها. ومن ذلك رواية قليلة الصفحات (112 صفحة من القطع الصغير مقسّمة على 27 فصلا قصيرا) هي في أصلها موجّهة للشباب، ولكن ولع الكبار بها -مثلما حدث مع قصة الأمير الصغير- كتبَ لها نجاحا كبيرا تُوّج بنيلِها عدّة جوائز، وجعلِها جزءا من مقرّرات القراءة في البلدان الناطقة بالبرتغالية.

يعد مؤلّف رواية “الكتب التي التهمت والدي” الروائي البرتغالي أفونسو كروش كاتبا متعدد المواهب، فهو كاتب قصص وموسيقي وشاعر ومصوّر، أصدر أكثر من ثلاثين كتابا تُرجم العديد منها إلى اللغة العربية مثل “هيّا نشترِ شاعرا” و”الرسام تحت المجلى” و”دمية كوكوشكا” وهذه الكتب ذات العناوين الطريفة الغريبة جميعها صدرت في ترجمتها العربية عن دار مسكيلياني تماما مثل رواية “الكتب التي التهمت والدي”، وهذا الأسلوب المختلف في صياغة العناوين وفي الكتابة القائم على إزالة الجدار الوهمي بين الواقع والخيال جعل من كروش واحدا من أهم الأصوات الروائية المعاصرة، التي اختطت لنفسها طريقة غير تقليدية في الكتابة شكلا ومضمونا.

عنوان الرواية مفتاح أساسي لدخول عوالمها، لا مجاز فيه فوالد شخصيتها الأساسية التهمته الكتب حقيقة، حيث كان فيفالدو بونفين “يشتغل في مكتب بإدارة الضرائب، ويعيش في عالم مضجر ثقيل مسطّح ومملّ، يعجّ بالأوراق والوثائق وكلّ التعقيدات البيروقراطية” وللهروب من هذا الجو الخانق وجد في الروايات بابا سحريا يلج منه إلى عالم موازٍ أفضل من واقعه المزري، فكان يقرأ خلسة مخبِّئا رواياته تحت ملفات عمله. وفي إحدى الأمسيات “ولفرط انغماسه في القراءة وقوة تركيزه، ولج إلى داخل الكتاب، تاه في القراءة، وعندما حلّ رئيس المصلحة بمكتبه، لم يكن موجوداً فيه، كانت هناك فوق المكتب نسخة من جزيرة الدكتور مورو مفتوحة عند الصفحات الأخيرة”. هذه الحادثة الغريبة يرويها إلياس ابن فيفالدو الذي ولد بعد أن “لم يعد والده من أهل هذه الدنيا” وقد روتها لها جدته في عيد ميلاده الثاني عشر ويومها سلّمته مفتاحا لعلّية تحوي مكتبة والده وروت له قصة اختفائه. فبدأ إلياس رحلة فكرية وأدبية عبر الكتب الكلاسيكية التي كان والده يقرأها، في محاولة لمعرفة ما حدث لأبيه وتتبع أثره فيها بدءا من “جزيرة الدكتور مورو” آخر رواية كان والده يقرأها. ولكن إلياس لا يكتفي بالقراءة السطحية، بل يدخل تماما مثل أبيه في أعماق الكتب التي يقرأها فيتحول أبطالها إلى شخصيات حقيقية يتواصل معها في متاهة كتب يتلاشى فيها الحد الفاصل بين الواقع والخيال، تلخّص هذا التماهي جملة وردت على لسان إلياس جاء فيها “إن المكتبة متاهة، وهذه ليست أول مرة أتوه في واحدة من المكتبات، أنا وأبي نشترك في هذا الأمر”.

أربعة كتب كلاسيكية رحل عبرها الفتى إلياس في رحلة البحث عن والده هي: “جزيرة الدكتور مورو” للبريطاني هربرت جورج ويلز بما تحمله من فكرة تشويه الإنسان والعبث بهويته، و”دكتور جيكل ومستر هايد” للأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون التي تمثل صراع الخير والشر داخل النفس الواحدة، و”الجريمة والعقاب” للروسي دوستويفسكي حيث تواجه البطل معضلة العدالة والذنب والضمير، و”فهرنهايت 451″ للأمريكي راي برادبري المبنية على قمع الفكر وتدمير المعرفة. وقد لخص كروش ببراعة وذكاء هذه الكتب الأربعة وأذابها في بناء روائي أبعد تلخيصَه عن الجفاف الأكاديمي، بل جعل الشخصيات الروائية واقعية حية تتحاور مع إلياس وتتفق معه وتختلف مثلما حدث مع راسكولنيكوف بطل “الجريمة والعقاب” الذي أصبح مجرما يبرر لنفسه جرائمه لأنه “من المشروع تجاوز القانون إذا كان القصد نبيلا”، ولم يكن نقل كروش من الروايات الأربعة حرفيا بل كان يعدّل ويتمّم أحيانا فبرينديك في النص الأصلي لرواية جزيرة الدكتور مورو يفضل في النهاية أن يعيش معتزلا الناس، لكنه في “الكتب التي التهمت والدي” يتحول إلى كلب أسود كبير يدعى “آرغوس” يرافق إلياس في بعض جولاته. وفي الفصل الأخير من الرواية نجد إلياس في الثانية والسبعين من عمره أي بعد ستين سنة من اختفاء والده في قلب رواية، وقد تحوّل إلى ما يشبه والده – ألا يذكرنا هذا بعنوان الرواية السيرية “أصبحت أنت” لأحلام مستغانمي عن والدها- فيقول إلياس عن نفسه “تابعت القراءة بشكل قسري وأظن أنني وجدت والدي في نهاية الأمر، ليس لأني قرأت العليّة بكاملها، بل لأنني أصبحت أنا هو والدي نفسه”.

بما أن أبطال رواية “الكتب التي ابتلعت والدي” شخصيات من ورق هاربة من سجون رواياتها بعد أن حررتها القراءة، نجد في الرواية أفكارا كثيرة عن القراءة نثرها أفونسو كروش بين سطور روايته، منها أن الكلمات لا حياة لها إلا بفعل القراءة فالكتاب “يعج بالحروف المتظاهرة بالموت، مع يقيني من أنه يكفي أن نمرّر فوقها عيوننا كي تقفز مفعمة بالحياة” كما كتب، والقراءة نفسها ليست مسطحة ذات بعدين فلها مستويات متراكبة تبدأ بقراءة سطحية ولا تنتهي بقراءات أخرى أكثر عمقا هي القراءات الرمزية، فكل تأويل قراءة جديدة و”يكفي أن نعرف أن كتابا جيدا له بالضرورة أكثر من قشرة واحدة” كما كتب كروش، وحين تتجاوز القراءة القشور يصل القارئ إلى القدرة على “قراءة الحكايات المختبئة في المساحات البيضاء من الصفحات وبين حروف الكتب وفي الفضاءات بين الكلمات” إلى أن يتماهى الإنسان مع ما يقرأ، وهذا تفسير لاختفاء والد إلياس في رواية، بل وما أراده لابنه من توريث هذا الشغف حين أوصى الوالدُ الجدّةَ  “سلّميه المفتاح حين ترين أنه أصبح قادرا على قراءة كتب علّيّتي”. وبإمكاننا تلخيص أفكار الكتاب المركزية في ثلاث: أولها أن القراءة مغامرة حقيقية يمكنها أن تصبح عالما واقعيا يتوازى أو يتقاطع مع عالمنا الفعلي، وثانيها هذه العلاقة الوجودية بين الأب والابن فهي ليست مقتصرة على الحضور الجسدي (إلياس لم ير والده في الواقع أبدا) بل هي بحث متواصل عن الهوية والثقافة والمعرفة، واستمرارية فكرية بالدرجة الأولى، وثالثها هذا التداخل بين الأدب والحياة، وامتزاج الواقع بالخيال حتى تنشأ بيننا وبين الشخصيات الروائية ما ينشأ بيننا وبين البشر الحقيقيين من أُلفة ونفور وتعاطف وكره. وهذا ما يدفعنا إلى التفكير في أثر القصص على وعينا وواقعنا.

في الرواية مقاطع صيغت بحِرَفية بالغة تصلح كثيرا للاقتباس وتحمل أفكارا عميقة مثل الحديث عن الوحدة وإعادة تفسيرها، كهذا الحوار بين إلياس وصديقه عن زميلة لهما حين علق الصديق قائلا ” تبدو لي شخصا وحيدا”، فأجاب إلياس: “لا تقل حماقات إنها دائما محاطة بالناس”، رد صديقه “هذه أحسن طريقة للشعور بالوحدة”، أو الملاحظة خارج الصندوق عن الأشجار “يرى البعض أن الجذور هي الجزء الخفي الذي يسمح للشجرة بالنمو أمّا أنا فأرى أنّ الجذور هي الجزء الخفي الذي يمنع الشجرة من التحليق مثل الطيور. ففي الحقيقة، ما الشجرة إلا طائر فاشل”. وهذا العمق الفكري في رواية للشباب خفّف من تعقيده أسلوب كروش الجميل الذي تراوح بين الجمل العادية والمباشرة والجمل الشاعرية أو التشبيهات الطريفة والغريبة المستمدة في غالبها من عالم الكتب، كأن يصف حركات شبه خافتة بأنها فقرات قرأتها عند تولستوي، أو يصف شخصا بأنه “ثقيل إلى درجة توحي بأن كل أجزاء رواية بروست اجتمعت في ذلك الشاب المراهق”، وفي وصف آخر لكتاب الجريمة والعقاب “كان ثقيلا مثل طبخة فاصوليا”.

حين ننتهي من قراءة رواية أفونسو كروش “الكتب التي ابتلعت والدي” في جلسة خفيفة نخرج بانطباعين أولهما أن نهتف مع فيفالدو بونفين والد إلياس “نريد كتبا! مزيدا من الكتب!” وثانيهما أننا نجد أنفسنا متلبسين بموافقة كروش على فكرة “إن الإنسان مشكّل من حكايات وليس من الجينات والعظام”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا