بفعل  الإذعان لوصايا صندوق النقد الدولي المتكررة

0
41

طبقتنا الوسطى.. غموض يشبه الخديعة

في علم الاقتصاد السياسي، تصنف الطبقة الوسطى في المجتمع على أنها  عمود الهرم الاجتماعي، ومقوم أساسي لقوة المجتمع وتماسكه،  ومحرك  لا غنى عنه للنمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي برمته، وتعتبر صمام أمان للاستقرار السياسي والاجتماعي في اي بلد سواء كان البلد فقيراً أم غنياً  وهي في الغالب الأكثر عدداً وإنتاجية، واستقرارها يساهم   في تعزيز القوة الشرائية والاستقرار الاجتماعي والسياسي، وعلى العكس فإن تراجعها أو ضعفها  هو  عامل خطر حقيقي، ربما  يساهم  في ضعف القيم وانتشار ظواهر مثل الفساد ومعدلات الجريمة والقلاقل السياسية، بالإضافة إلى تراجع عوامل الاستقرار والتنمية والإنتاجية بشكل عام.

  بهذه الروحية دارت السجالات الأخيرة تحت قبة البرلمان لدينا في البحرين بوتيرة متباينة، اتخذت لنفسها مؤشرات صعود وهبوط، تبعا  لطبيعة السجال الدائر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ممثلة بمجلس النواب على وجه التحديد.  وبالمثل كان التعاطي البرلماني وعلى مدار عامين تقريبا، مع ملف مراجعة الدعوم المعيشية التي تقدمها الدولة لمختلف الشرائح المجتمعية، حيث كان الإصرار واضحاً من النواب على ضرورة الاصغاء لصوت الناس بشيء من بعد النظر وقراءة المستقبل  لوضع معالجات عاجلة، تحاشياً لأي تراجعات لم يعد المواطن قادراً على تحملها، تحت وطأة الظروف المعيشية الضاغطة التي نعايشها منذ سنوات، على خلفية الاضطراب الحاصل عالميا واقليميا في معدلات التضخم غير المسبوقة، وتراجع القوة الشرائية، والتي زادت من وطأتها السياسات التقشفية المرهقة التي اجترحتها الحكومة ومن بينها ما عرف بالتوازن المالي.

ويندرج هذا “التوازن المالي” في  معالجات استدعتها الحكومة طيلة السنوات العشر الأخيرة على الأقل، في محاولة منها لإطفاء جانب من العجوزات التي ابتليت بها موازنتنا العامة، نتيجة العديد من السياسات الخاطئة طيلة السنوات الماضية، والتي من بينها بطبيعة الحال تعاظم فاتورة الدين العام  الذي تجاوز أكثر من 22 مليار دينار على أقل تقدير، بالإضافة  إلى فوائد هذا الدين التي جاوزت، لوحدها، المليار دينار!

أضف إلى ذلك ما افرزته التحولات الحاصلة على طبيعة ومنهجية اقتصادنا الوطني، الذي انتقل بفعل  الإذعان لوصايا صندوق النقد الدولي المتكررة والتي بدورها حوّلت اقتصادنا الذي كان منذ السبعينات متجها نحو الإنتاجية بخطى معقولة، حيث المشاريع الكبيرة مثل الاولومنيوم والبتروكيماويات، وإصلاح السفن وتطور القطاع المالي، والصناعات التحويلية المختلفة وغيرها، ما نتج عنه قيم مضافة للاقتصاد الوطني من وظائف واجور وقوة شرائية جيده حينها، ساهمت تلقائيا في ازدهار ملحوظ لا تخطئه العين، رغم مرور المنطقة  بأسرها بأكثر من أربعة حروب مهلكة إلا ان الوضع بقي مستقراً إلى حد كبير.

غير أن ما جرى بعدها من تراجعات كبيرة نتيجة الإفراط غير المدروس في استحضار ما اصطلح على تسميته بالاقتصاد المعولم، والتخلي التدريجي عن تعزيز الاقتصاد الوطني القائم على الإنتاج والعمالة الوطنية بصورة كبيرة، إلى التحول المتسارع نحو استقطاب العمالة المهاجرة الرخيصة، وانتشار ما عرف بشركات “الأوت سورس” والمضي في عمليات التخصيص غير المدروسة لقطاعات إنتاجية واسعة من اقتصادنا الوطني وغير ذلك من العوامل الاقتصادية والسياسية، كل ذلك أدى لتحولات سلبية كبرى نعيش الآن فصولها البشعة، حيث تغوّل البطالة في أوساط ابناء وبنات البلد، وتراجع الشركات القائمة على الإنتاجية  الفاعلة كمقوّم لا غنى عنه لدخول آلاف من الشباب  البحريني لسوق العمل، لتختنق بعدها هذه السوق بمئات الألاف من العمالة الأجنبية غير الماهرة في الأغلب، والتي بلغت تحويلاتها المالية السنوية قرابة المليار دينار تستفيد منها  في الغالب مدن وقرى آسيوية عديدة على حساب تراجع معدلات النمو لدينا وزيادة رقعة الفقر وانحدار طبقتنا الوسطى، مع تراجع  قطاعات إنتاجية بأكملها، بفعل كل ما حصل من تشوهات خطيرة ومقلقة، وبالتالي تراجع مستويات المعيشة بالنسبة لشرائح واسعة من مجتمعنا البحريني، وفي القلب منها تراجع طبقتنا الوسطى بشكل مخيف فعلاً.

 لا تفلح التطمينات الرسمية  في الصمود  أمام كل ما نعايشه من مؤشرات وتراجعات باعثة، في جوهرها،على القلق والخوف من المجهول إذا ما استمّرت دون معالجات حصيفة تستند لبعد النظر والاستباقية في طرح الحلول الناجعة، بدلاً من الاستغراق إلى ما لا نهاية في غموض يشبه الخديعة لازدهار اقتصادي وتنموي حقيقي طال انتظاره!

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا