حول “منفضة” سميح القاسم (3)

0
68

“ما يجمعنا أكثر بكثير مما يُفرقنا!”

محمد ديتو

نقرأ في سيرة سميح القاسم “إنها مجرد منفضة” العديد من الشواهد التي تذكرنا بسمات “المثقف العضوي” التي أشار لها غرامشي في دفاتر السجن، ونقصد بالتحديد ذلك المثقف الذي يناضل ضد الهيمنة الثقافية والسياسية للسلطات المستبدة، ويسعى إلى منح المجموعة الاجتماعية التي ينتمي لها “التجانس والوعي بوظيفتها الخاصة”. استعار غرامشي تعبير “عضوي” من علم البيولوجيا، للتأكيد على أن علاقة هؤلاء المثقفين العضويين بالمجموعة التي يمثلونها، ليست عرضية أو شكلية، بل علاقة بنيوية ووظيفية، ويصبح دورهم شبيه بدور الدماغ بالنسبة لأعضاء الجسد، يضمن تماسكها ويقودها. بالطبع لا يولد الانسان مثقفاً عضوياً بحكم جيناته الوراثية، بل يصبح كذلك بفعل خياراته الواعية، في مرحلة معينة من حياته، وضمن سياق اجتماعي وسياسي محدد، كما أنه لا يبقى دائما مثقفا عضويا طيلة حياته.

 هناك شعراء وأدباء ومفكرين كانوا مثقفين عضويين في مرحلة من حياتهم، ولكنهم أصبحوا مثقفين تقليديين في مرحلة أخرى بعد أن تغيّرت قناعاتهم. وهناك من بقي مثقفاً عضويا حتى آخر لحظة من حياته، يمارس دوره “الوظيفي” بلا كلل، ومنهم سميح القاسم، الذي جسّد باعتقادي نموذجاً فريداً للمثقف العضوي الفلسطيني، في فكره وقصائده وسلوكه، منذ بواكير وعيه السياسي مطلع الخمسينات من القرن الماضي حتى وفاته في عام 2014.

ربما يمكن تلخيص أهم المحطات في تطور وعيه ونشاطه السياسي بأربع  محطات أساسية من القرن الماضي؛ الأولى بدأت في حقبة الخمسينات التي شهدت بواكير وعيه القومي وأولى معاركه مع الخصم الصهيوني، وكان يُعرِفُ نفسه بأنه “قومي تقدمي”، والثانية في الستينات حين عمل في صحافة الحزب الشيوعي (بدون أن يكون عضواً في الحزب)، حتى دفعته نكسة 1967، لمراجعة نفسه وانضم للحزب الشيوعي، والثالثة امتدت من السبعينات حتى أواخر الثمانينات، حيث ارتبط الالتزام الحزبي لديه بنشاط أدبي غزير، والرابعة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقالته من الحزب الشيوعي إثر خلافات بينهم حول  سياسات غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي آنذاك (كانت قيادة الحزب معارضة بشدة لتلك السياسات).

في الكتاب يحكي سميح عن درسه الأول في السياسة: حين كان تلميذاً في المرحلة الثانوية شارك مع زملائه في تظاهرة باتجاه البلدية احتجاجاً على زجاج نوافذ المدرسة المكسور، وظروف الخدمة الدراسية المتدنية آنذاك. يقول سميح: “يومها تعلّمت الدرس الأول في “أسرار السياسة” ومعاني “النضال”. فقد بدأت التظاهرة بمعظم الطلاب لكنها انتهت إلى البلدية بعددٍ قليل منهم!” (ص 72). في الثانوية تعلّم أيضاً درساً هاماً في التعددية: ” فقد صادقت طلاباً يونانيين وإيطاليين وشراكسة إلى جانب أصدقائك ومعلميك من عرب على اختلاف مذاهبهم، وأجانب على تنوع لغاتهم وأقطارهم.” (ص 73). بعد تخرجه من الثانوية التحق سميح بوزارة المعارف وعمل معلماً إلى أن تمّ فصله من سلك التدريس لأسباب سياسية ووجد نفسه عاطلاً عن العمل مقيماً في شقة صهره حسين الخطيب في حيفا، وهناك كتب قصيدته الشهيرة “خطاب من سوق البطالة” والتي اشتهرت لاحقاً باسم “سأقاوم”، ونقرأ في نصها: “ربما أفقد ما شئت معاشي .. ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي .. ربما أعمل حجاراً.. وعتالاً.. وكنّاس شوارع .. ربما أخمد.. عرياناً.. وجائع .. يا عدّو الشمس.. لكن.. لن أساوم.. وإلى آخر نبضٍ في عروقي.. سأقاوم.”

حين كاد سميح القاسم أن يغتال بن غورين ولكنه لم يفعل!

على الرغم من عنفوانه وحماسه النضالي المتقد، كان سميح واعياً لمخاطر التهور والاندفاع في خطوات غير محمودة العواقب، ويذكر في كتابه حادثة مثيرة للاهتمام، يبوح بها لأول مرة، تلخص وقائعها رؤيته لجدوى العنف كوسيلة نضالية في داخل اسرائيل. كان شاباً لم يكمل دراسته الثانوية حين استلم خطاباً يبلغه بضرورة الالتحاق بالجيش وفق قانون التجنيد الإلزامي. رمى الخطاب غاضباً في سلة القمامة تعبيراً عن رفضه. توالت الخطابات، واستمر رفضه، إلى أن نصحه أحد أقربائه بكتابة رسالة الى رئيس الحكومة ووزير الدفاع آنذاك، دافيد بن غوريون، وكان من ضمن ما كتبه عبارة تقول: “لن تفلحوا في تحويلي إلى مجرم” .. وجائه الرد: “بأن وزير الدفاع يستطيع تجنيد كل مواطن وكل مقيم في الدولة، ومن حقه استثناء من يشاء، لكنه يرفض استثناءك ويُصر على تجنيدك”.

عاند سميح وأصرّ على رفضه، وقال لقريبه: “إذا استمروا في مضايقتي بهذا الشكل فلن يكون أمامي سوى البحث عن طريقة لقتل بن غوريون هذا!”، فما كان من قريبه إلا أن نصحه بعدم التهور “لأنّ التصرف المتهور سيبعد عنك حتى الناس المتعاطفين مع أفكارك وهم قلّة الآن، لكنهم سيصبحون كثرة كثيرة إذا أنت تصرفت بحكمة وبحنكة”. بعد مضي ثلاثة أعوام تمّ اعتقال سميح، وفرضت عليه الخدمة ضمن فرقة “المجندين الجدد” في معسكر “فران” الصحراوي بجوار بئر السبع (ص 188). هناك التقى بمجموعة من الضباط بعضهم يعرفه وأحسن معاملته، والبعض الآخر كان قاسياً معه. شاءت الصدف بأن يكون المعسكر المذكور بالقرب من إحدى المستوطنات التي اختارها بن غوريون مكاناً لإقامته مع زوجته بعد تقاعده وخروجه من جميع وظائفه الرسمية، وحيث اعتاد أن ينهض كل صباح لممارسة رياضة المشي المحببة إليه، ترافقه وحدة من “فرقة الأقليات” من المعسكر لحمايته. فكر سميح مع نفسه بأنّ الفرصة قد حانت لتنفيذ وعيده بقتل بن غوريون، واستطاع اقناع الضابط المناوب بأن يضمّه إلى تلك الوحدة. تمكن سميح من سرقة أحد المسدسات من أحد زملائه، وصعد الى سيارة الجيب المكلفة بمهمة الحماية. وصف سميح ما حدث: “كانت صبيحة شديدة البرودة.. بعد ما يقارب الثلث ساعة ظهر الرجل أمامكم .. إنه هو.. دافيد بن غوريون نفسه.. ببنطال يتدلى إلى ما دون ركبتيه وقميص ذي كميين قصيرين ..قامته أقصر مما كنت تتوقع.. وظهره أشدّ إنحناءً .. يتطاير شعره الرمادي الأشعث حول صلعته الشهيرة .. أمتار قصيرة تفصل بينك وبينه ..”. لامست أصابع سميح السلاح المخبأ بجيبه وتزاحمت الأفكار برأسه وتذكّر أبيه وحكمته في أهمية التبصر بعواقب الأمور، ونصائح قريبه بعدم التهور. “وجاء صوتك أنت. صوتك الداخلي الصامت الجهوري: هذا الرجل أصبح حطام إنسان .. إنه عجوز على حافة قبره ..لست إزاء مسألة ثأرية.. إنها مسألة أيدولوجية سياسية فكرية إعلامية..لا تتهور فقد تخسر في نهاية المطاف…فكَّر بما سيلحق بكلّ من هم حولك من أقرباء وأصدقاء وأنصار ورفاق درب.. اذهب إلى طريق آخر أكثر جدوى..إعقل ياولد..إعقل ولا تتهور ..” (ص 191).  نظر سميح الى بن غوريون ثم أزاح عينيه عنه ولم يعاود النظر إليه، وحين عاد الى المعسكر أعاد السلاح المسروق إلى صاحبه.

أدرك سميح خصوصية وضع العرب بداخل اسرائيل، “فقضايا العرب هنا، ليست نسخة حرفية عن قضايا الوطن العربي. ولا ينبغي أن تكون صراعات العالم العربي نموذجاً يحتذى عند الجماهير العربية تحت الحكم الاسرائيلي…كنت شديد التشبث بمقولة: الشعار المناسب في الزمان المناسب وفي المكان المناسب.” (ص 85).  لذلك إخطار درب المقاومة المدنية في معارضته لقانون التجنيد الاجباري عبر تأسيسه “منظمة الشبان الدروز الأحرار” التي استمدّت اسمها من وهج الضباط الأحرار في مصر” (ص 73)، وتحوّلت لاحقا إلى “لجنة المبادرة الدرزية”.

 أما حكاية علاقته مع الحزب الشيوعي فقد كانت وليدة المصادفة في مطلع الستينات: “ساعة صباحية متأخرة، تتناول إفطارك في مطعم اسكندر. وكعادتك فقد اخترت الجلوس إلى مائدة ملاصقة لواجهة المطعم المطلة على شارع الجبل في حيفا. مرّ جورج طوبي (من قادة الشبيبة الشيوعية ومحرر مجلة “الغد”) بجانب الواجهة. حيّاك رافعاً يده. مضى بضع خطوات ثم توقف والتفت إليك ثانية. أشرت له بالدخول فسحب الغليون من فمه ودخل. أصرّ جورج على أنه أفطر منذ ساعات لكنه سيشرب القهوة. وقبل حضور القهوة قال جورج: لماذا لا تأتي للعمل معنا؟ قلت: لأنني لستُ حزبياً. قال: لكنك صديق قريب جداً وما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا. وبعد فنجان القهوة كنتما قد اتفقتما على العمل. وباشرت في الغداة مهمة التحرير في “الغد” (ص 77).

وهكذا بدئت علاقة طويلة بين سميح والحزب الشيوعي استمرّت طيلة العقود اللاحقة على الرغم مما صاحبها من إشكاليات في بعض المراحل، وحسب تعبير سميح في الكتاب: “..لم تكن أيامك في الحزب كلها أيام عسل..كان هناك شيء من البصل أيضاً!” (ص 89).

على الرغم من ذلك فإن سميح يختلف، ولكنه لا يعادي: “صحيح. أنت اختلفت مع أفراد من قيادة الحزب، لكنك رفضت جميع الإغراءات لتحويلك عدواً لهذا الحزب الذي كان أول إطار سياسي بعد النكبة يرفع شعار حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني..وحمى اللغة العربية والروح العربية من دعاوى مسح الذاكرة وإلغاء الهوية وطمس الوجود القومي والوطني والانساني. هذا الحزب الذي وضع وسائل إعلامه ومنابره تحت تصرف جميع الوطنيين الصادقين بغض النظر عن انتماءاتهم واجتهاداتهم..وأنت تعرف هذا الحزب الذي فتح أبواب العلم للشبان العرب للدراسة في جميع أرجاء الأقطار الاشتراكية وقاد معارك الأرض والمساواة والكرامة القومية والانسانية، وهيّأَ لك التنفس في الهواء الطلق، خارج السجون والمعتقلات وأوامر الإقامة الجبرية..وأنت تعرف هذا الحزب الذي دافع عن الأوقاف وخاضَ معارك السكن والعمل والكرامة لأبناء شعبك المقيمين على تراب الآباء والأجداد. وأنت تعرف هذا الحزب الذي أتاح لك توسيع آفاقك القومية وفتحها على الآفاق الأممية الانسانية النظيفة الشريفة.. وأنت تعرف هذا الحزب الذي وقف الى جانبك في مواجهة حملات التشهير الشخصي وتشويه السمعة التي شنتها عليك أكثر من مرة جهات فاسدة…لا. لست نادماً على الأعوام التي قضيتها في صفوف هذا الحزب والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (تحالف ضمّ الحزب الشيوعي وتيارات يسارية أخرى عام 1977). ولم تعدم جرأتك في رفض ما تريد رفضه وانتقاد ما تشاء انتقاده. ولم تتردد في القيام بواجبك على أكمل وجه. ومازالت تدوي صيحة توفيق زياد في أحد المؤتمرات رداً على المتطاولين عليك: “الحزب يحتاج سميح القاسم أكثر مما يحتاج هو الحزب. سميح القاسم أعطى الحزب أكثر بكثير مما أعطاه الحزب” (ص 91 – 93).

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا