“ظلُّ الريح” لكارلوس زافون .. قدرة الأدب على حفظ الذاكرة

0
44

رواية “ظلّ الريح”، هي الجزء الأول من رباعية “مقبرة الكتب المنسية”، لكارلوس زافون، والتي تضمّ: “ظلُّ الريح”، “لعبة الملاك”، “سجين السماء”، “متاهة الأرواح”، وتعدّ هذه الرباعية من أشهر أعمال الأدب الإسباني المعاصر، وقد قرأت الرباعية مرة أخرى ووجدت ما لم أجده في القراءة الأولى من متعة وخيال، وفن روائي وجوٍّ من الخوف المصاحب لتلك الأجواء المرعبة إبان حقبة الدكتاتور فرانسيس فرانكو بعد نهاية الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) وسيطرته على الحكم وإلغاءه النظام الجمهوري.

تقع رواية “ظلّ الريح” في 547 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت عن منشورات الجمل في عام 2001، ولا يمكن النظر إليها كرواية مستقلة عن باقي الأجزاء الثلاثة الأخرى، بل كبوابة سردية تؤسس لعالم روائي متكامل تتقاطع فيه الشخصيات والأحداث والموضوعات عبر الأزمنة، فالمكان واحد هو برشلونة.

يمكننا القول أيضاّ إنّ “ظلّ الريح” ترسم خارطة الطريق الأولى لبقية عالم الأجزاء الأخرى لتعميق هذا العالم وتوسيعه، والشخصيات لا تنتهي أدوارهم في هذا الجزء، بل تتطور وتتكشف أبعادها النفسية والتاريخية، كما تتشارك الأجزاء الأربعة في المحاور، القمع السياسي، الحب والخيانة، ثنائية النسيان والتذكر، وأخيراّ الكتب بوصفها ذاكرة إنسانية، وبالتالي يمكن اعتبار “ظلّ الريح” نقطة البداية الزمنية لتغلق رواية “متاهة الأرواح” الدائرة السردية.

وعليه لا يمكن قراءة “ظلّ الريح” دون بقية أجزاء الرباعية، نظراّ لترابط الموضوعات وتكاملها ووحدتها، ومع ذلك يمكن قراءتها كرواية مكتملة العناصر والأركان من حيث الحبكة الفنية والأسلوب، ولكن يظلّ الغموض هو المحرك الأساسي للأحداث في جميع رباعية الكتب المنسية انسجاماّ مع أجواء برشلونة المظلمة بعد الحرب، حيث الخوف والكتمان يسيطران على الناس، ونتيجة لذلك فإنّ بعض الأسرار تترك أثرها حتى بعد سنوات طويلة من تلك الأحداث حيث يخشى الناس الحديث عما حدث خلال الحرب الأهلية.

حظيت “ظلّ الريح” بصدى واسع لدى القراء والنقاد على حد سواء، فهي تمزج بيّن الغموض والتاريح والحب للأدب، حيث تمتزج الوقائع التاريخية بالخيال الأدبي في حبكةٍ مشوّقة تعكس أثر الماضي في تشكيل الحاضر، وتدور أحداث الرواية في برشلونة بعد الحرب الأهلية في إسبانيا، حيث يصطحب أب ابنه الصغير دانيال سمبيري إلى ما يشبه المكان السحري، يُدعى مقبرة الكتب المنسية وهي مكتبة سرية تضم كتباّ سرّية ومهجورة ونادرة: “قم يا دانيال وارتد ثيابك. أودّ أن أطلعك على شيء ما”.

أثناء وجوده في المكتبة، يختار دانيال كتاباّ غامض بعنوان “ظلّ الريح” ومؤلف هذا الكتاب مجهول الهوية نوعاً ما: “خوليان كاراكس”، دانيال يبدأ قراءة الكتاب ويفتن بأسلوبه وبغموض مؤلفه ويفاجئ بأن شخصاّ ما يحاول جاهداّ إحراق كل كتب ذلك الكاتب المجهول بأي شكل من الأشكال وبأي طريقة من الطرق وهنا يؤكد لنا الكاتب بأن: “كل كتاب له روح، روح من كتبه، وروح من قرأه”.

عندها تبدأ رحلة دانيال لاكتشاف سرّ الكاتب المجهول، وحقيقة خوليان كاراكس وكتبه المحروقة وعلاقته بالمدينة والشخصيات الأخرى لما لذلك من أخطار، ليبدأ بجمع المعلومات عن الكاتب من سجلات قديمة، أشخاص عايشوا كاراكس أو يعرفون عنه شيئاّ ما بهدف الكشف عن أسرار الماضي، وتبديد الغموض حول شخصية هذا الكاتب، ومن خلال البحث والتحري يكتشف دانيال أسرار خوليان كاراكس وماضيه المأساوي.

 يلتقي فيرمين روميو ليصبح صديقاّ له، ويساعده في التنقل في برشلونة وكشف الأسرار، يبدأ دانيال في ربط الأحداث الغامضة ببعضها: الحرق، الألغاز العائلية، الشخصيات الغامضة التي تحيط بالكاتب، ليتضح له بأن الكاتب خوليان كاراكس عاش حياة مأساوية بفقده والدته وأبويه بطريقة مأساوية، وبمساعدة فيرمين وبعض الشخصيات الأخرى يتمّ كشف هوية هذا الشخص وأسباب ما قام به من أفعال.

كان الهدف من حرق واخفاء تلك الكتب هو محاولة لإخفاء الحقيقة، حيث كانت تلك الكتب مرآة لمأساة الكاتب. “بعض الأسرار تولد لتبقى مخفية”، وكشف السر كان بهدف معرفة هوية الكاتب وما يحيط به من أسرار شخصية وتاريخية وأثارها على الآخرين.

إذن، يصبح الأدب هنا أداة لفهم الإنسان والقدر، “لكل كتاب روح” تتشكل من كاتبه ومن كل قارئ مرّ به. سرّ خوليان يُكشف عبر جمع المعلومات وربطها بالأحداث الغامضة ومن خلال فهم الماضي المأساوي للكاتب وليس فقط عبر فهم هويته، فالرواية، كما يتضح من قراءتها، تدور حول موضوع أدبي مهم هو قوة الكتب، والأدب خاصة،  في تشكيل حياة الإنسان وتغيير مصيره، فالكتب هي رمز للمعرفة والخلود مما يُوثر ذلك في الذاكرة والمصير، وهي ليست مجرد حكايات وروايات، بل جسور بين الماضي والحاضر، فالأدب قادر على تغيير حياة الإنسان وحفظ ذكرياته كما يظهر في علاقة دانيال سيمبيري بكتاب “ظل الريح” ومؤلفه الغامض خوليان كاراكس، حيث وظف الكاتب الخلفية التاريخية مستخدماّ المكان عنصراّ فاعلاّ في السرد، وجعل الحرب خلفية قاتمة للأحداث، تعكس الخوف والقمع والرقابة التي عاشها المجتمع.

تجمع الرواية بين المتعة الفكرية والجمالية، وهي تتناول موضوعات الذاكرة والنسيان، والفقد، إضافة إلى القمع السياسي وما خلفه من جراح نفسية واجتماعية، وتمّ اختيار الشخصيات في هذه الرواية بعناية فائقة. تمثل شخصية دانيال سيمبيري نموذجاّ للنضج حيث يصف لنا الكاتب كيفية انتقاله من براءة الطفولة إلى وعي التجربة الإنسانية القاسية، وإلى جانبه شخصية فيرمين روميرو دي توريس الذي يضفي عليه بعداّ انسانياّ وساخراّ، كل ذلك من أجل إدخال القارئ في تلك الأجواء القاتمة التي تحيط بالرواية من خلال تلك الشخصيتين الرئيسيتين.

يتميز أسلوب زافون بلغة شاعرية غنية بالصور البلاغية، وبوصف دقيق للأماكن والأجواء ما يجعل مدينة برشلونة عنصراّ اساسياً في الرواية، أظهرها ككائن حيّ يعكس تناقضات الشخصيات، ويجسد ذاكرة المكان المثقل بالألم والخسارة، ونجح في الجمع بين المتعة في السرد وعمق المضمون الفكري، وطرح تساؤلات جوهرية حول دور الأدب في حياة الإنسان وعلاقته بالماضي.

“ظلّ الريح” نموذج للرواية الحديثة التي تتجاوز حدود المتعة، لتطرح قضايا إنسانية وفلسفية عميقة، وعلى قدر من العواطف والمآسي والإثارة، ومن هذا المنطلق تستحق القراءة مرات عديدة، بوصفها وسيلة لحفظ الذاكرة والهوية، وتذكيراً بقوّة الكلمة في مواجهة النسيان، وعنها قال وزير خارجية ألمانيا الأسبق يوشكا فيشر،”ستقرأ الرواية في جلسة واحدة ولن تنام الليل وأنت تتعقّب ظل الريح. لن يسمح لك زافون بأن تترك الكتاب قبل أن تبلغ النهاية”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا