من كان منكم بلا خطيئة

0
61
زهراء المنصور

“فليَرمِها بحجر”! هكذا قالها السيد المسيح، وحينها لم يكن بصدد تبرئة الخطيئة، بقدر ما كان يعرِّي نزعة البشر إلى الإدانة السريعة. في لحظة واحدة، انقلب المشهد من محاكمة امرأة، إلى محاكمة ضمائر جمع بأكمله؛ إذ تحوّل السؤال من “ماذا اقترفت؟”، إلى “من يملك حق الحكم؟”. هذه الجملة لا تلغي معيار الأخلاق، لكنها تذكرِّنا بأن العدالة التي لا يسبقها وعي بالهشاشة الإنسانية، تتحول إلى قسوة. هي دعوة للتريُّث قبل رفع الحجر، والاعتراف بأننا شركاء في القابلية للخطأ. فعدم الحكم على الآخرين ليس تساهلاً، بل إدراك عميق بأن الإنسان كائن معرض -بطبيعته- للزلل.

يضعنا عرض مسرحية “باب الخطيئة”* أمام عتبة أخلاقية مماثلة أكثر منها مكانية: بابٌ عتيق/طفلٌ ملقى/ وعجوزان يتنازعان المعنى: أهي نعمة أم خطيئة؟ منذ المشهد الأول تتشكل بنية صراع لا تدور حول الفعل، بقدر ما تدور حول تأويله، ويكشف كيف تتحول الأخلاق، حين تُغلَق على ذاتها، إلى أداة قمع. هكذا يصبح الباب رمزاً لضميرٍ يخشى الانفتاح، ويخاف أن يرى في الآخر احتمال خلاصه.

يقف الباب في أول العرض ببقعة ضوء ككائنٍ بلا ملامح، يحتمل أن يكون باب بيت/ معبد/ أو ميتم، لكنه في العمق باب ضميرٍ معلّق بين الرحمة والقسوة، جدار يضغط على المتلقي منذ ظهوره من العتمة بإضاءة وحيدة من الأعلى، موجهة على الرضيع المجهول في مهده، وعلى الباب الذي يأخذ الحيز كله وحده، ويخطف الأنظار لتأمُّل أي علامة تدل على ماهيته. إنه ليس قطعة ديكور صامتة ودقيقة نفذها مهندس الديكور باتقان، بل باب سؤال يفتح أو يغلق حسب السائل. فلا يعود الصراع منذ تلك اللحظة حول الطفل المتنازع عليه، بل حول اللغة التي نسمي بها الأشياء ونعاملها به؛ ولا يعود المتلقي يفكر في الطفل المجهول، ولا في المبنى المهدد من الجرافات بالإزالة أو السقوط، بل في ذلك الإصرار العنيف على امتلاك المعنى. من يقرر أن هذه نعمة، وتلك خطيئة؟ ومن يمنح نفسه حقّ تحويل الخوف إلى قانون؟ هكذا بدا “باب الخطيئة” بالنسبة لي: ليس عملاً عن السقوط، بل عن الرغبة المحمومة في التحكّم بما يُسمح له أن يعيش.

هكذا يضعنا المؤلف والمخرج حسين العصفور، الذي يكتب بكثافة ورمزية عالية، شهدناها مسبقاً في عمله “عند الضفة الأخرى”، لا تحمل الشخصيات أسماء إلا في النصوص غالباً، لكنها على الخشبة تهيل التراب على المسمى، وتعمل على الفعل الذي يمكن تخمين اسم شخصيته؛ فهذا “رهيب” لا يُقدَّم بوصفه شخصية شريرة تقليدية، ولا طاغية مباشراً، بقدر ما يُبنى كخطاب أخلاقي متشدد يمارس سلطته غير المفهومة باسم الطهارة، يؤمن أن النجاة لا تتحقق إلا عبر العقاب، ويصرّ على أن الخطيئة يجب أن تُقتلع من الجسد. لكن حين يُجبر على لعب دور العاشق تنكشف هشاشته، ويفشل في تمثّل الحب؛ لأنه لا يستطيع خلع جلد السيطرة.

 في العرض، هو دائماً على وشك الانفجار؛ خطواته حادة – برغم تكوينه الجسدي الثقيل -، صوته يقطع الهواء، وحضوره يبتلع المساحة من حوله. لكن ما بدا لي أكثر خطورة من قسوته، هو يقينه، ذلك اليقين الصلب الذي لا يترك ثغرة للشك، ولا يسمح بوجود احتمالٍ آخر للحقيقة غير التي يعرفها ويُعرفها هو. وحين يجلد، لا يجلد فرداً فقط، بل يجلد فكرة الاختلاف. وحين يرفض الحب، لا يرفض علاقة عاطفية، بل يرفض أي تهديد لسلطته على تعريف الأشياء. هنا يتحوّل العنف من فعلٍ جسدي، إلى منظومة فكرية؛ يصبح الجلد ممارسة رمزية لحماية نظامٍ أخلاقي يرى في الرحمة ضعفاً، وفي الرغبة انحرافاً، وفي التغيير خطراً وجودياً. وهكذا نرى رهيب بأسماء متعددة في حياتنا، ولكن بأسماء عادية غير دالة، العصفور وضعها هنا للتمييز في النص فقط، وحتى يري المتلقي نموذجاً من المهووسين بادعاء الطهر إلى درجة الهوس بإقصاء الآخر.

مسرحية “باب الخطيئة” تستكشف صراعات الإنسان مع ذاته، والمجتمع، من خلال سرد جريء، وحوارات مشحونة بالرمزية. فالعمل يقوم على عدة ثيمات رئيسية، مكتوبة بعناية، مثل: الذنب والخطيئة في الرحلة الداخلية للشخصيات، بين الرغبة في التحرر والالتزام بالقيم الأخلاقية المفروضة اجتماعياً، والهوية والانكسار اللذين تعانيهما الشخصيات بين الذات الحقيقية والواجهة الاجتماعية، مما يخلق صراعاً نفسياً مستمراً، والسلطة والسيطرة، بين كيف تُفرض المعايير على الفرد، وكيف تتقاطع السلطة المجتمعية مع الضمير الشخصي.

وباب الخطيئة مبني درامياً على تقطيع لحظي للأحداث أكثر من التسلسل الزمني؛ لا يمكن ربط المشاهد إلا بالثيمات المشتركة في الشر والاستسلام له، وربما يعكس هذا حالة التشظِّي النفسي للشخصيات، بالإضافة إلى استخدام الرمزية المكثفة في اللغة وأسلوب الكتابة المميز جداً لدى المؤلف العصفور، في الحوارات المختصرة – والحادة أيضاً -، التي تمنح إحساساً بالتوتر النفسي المستمر، كما أنها تسهم في إبراز طبقات المعنى، وهذا ما ضاعف معناه الموسيقى الحية لآلة “التشيللو”، وإشراك العازف طرفاً ممثلاً في العرض أيضاً، وليس مؤثراً خلفياً؛ حيث ساهمت حدّة الآلة الوترية في تكثيف الحدث، والتأكيد عليه، خاصة في اللحظات الحاسمة، مثل: قطع الكفين/ والجلد/ والحب/ والاقتراب المباغت؛ دون الحاجة إلى المباشرة الفجة، بما يتناسب تماماً مع مفهوم العرض، وربما تكون هذه من محاسن أن يكون المؤلف هو المخرج، ولكن ليس طول الوقت. فمن المؤكد أن الرؤية ستتسع بوجود فكريْن مبدعيْن. لكن لا بد من الانتباه إلى أن هناك صعوبة في التلقي بالتقطيع الذي ذكرناه، كون الحدث غير ممتد، وقد يشعر المتلقي معه بالشتات حتى يصل إلى خيط أو فكرة مترابطين تجمعان بين الشخصيات التي لا يُعرف لها أسماء إلا بأفعالها، لذلك ننادي دائماً بضرورة وجود دراماتورج موجه للمؤلف المخرج في أي عمل.

أما التمثيلات الرمزية في “الخطيئة”، فكانت في كل موقع في العرض تحمل رمزية دينية أو اجتماعية. كان الباب مفتتحها رمز المعرفة والفضول، وكل مفردة قيلت في الحوارات أو الأفعال تدفع المتلقي للتساؤل عن حدود الحرية الفردية مقابل المعايير المجتمعية، لا جملة كُتبت عبثاً، ويكمن الفارق بين النص والعرض في مستوى التجريد؛ النص يميل إلى المجاز والرمز المفتوح على تأويلات متعددة، كذلك الحال في السينوغرافيا التي اقتصرت على وجود الباب وبضع قطع الديكور القليلة والمستخدمة كما يجب تماما، بالإضافة إلى دور الإضاءة الدقيق في تركيز الانتباه على ممثل أو أداء وحدث، كلها تصب في ترسيخ المعنى مرة بعد مرة.

والعرض بطبيعته الحسية يُجسد هذه الرموز ويمنحها لحماً وودما وصوتاً. هذا الانتقال من المجاز إلى الجسد يعمّق التأثير أحياناً، لكنه قد يحدّ من اتساع الدلالة أحياناً أخرى. في النص، قد تكون الجرافات استعارة للحداثة المفترسة/ الزمن/ أو للموت. في العرض، تصبح صوتاً محدداً – رغم عدم وجود صوتها الذي نعرف والاستعاضة بصوت مستعار آخر-، تهديداً ملموساً رهيباً في النص هو ذو خطاب أخلاقي متشدد، لكنه في العرض رجل عنيف يمكن الإشارة إليه. كلا المستويين مشروع، لكن المسافة بينهما تفتح باباً لقراءة مزدوجة: قراءة فكرية، وأخرى حسية.

والعلاقة بين الحبيبين تمثل نقيض عالم رهيب؛ حب وبراءة مقابل سلطة وشر. إنها مساحة احتمال، مساحة ولادة جديدة، لكن هذا الاحتمال يُقابل بالريبة، وكل لقاء يُختزل في شبهة، وكل اقتراب يُتهم بالدنس من وجهة نظر التزمُّت وادعاء الفضيلة، هنا يتكشف البُعد الأعمق لفكرة العمل: الخوف من الحب ليس خوفاً من الرغبة، بل خوف من فقدان السيطرة والسلطة. وحين تنتهي المواجهة بعنف فجّ، لا يكون الحدث صدمة درامية فقط، بل نتيجة منطقية ومتوقعة لمسار طويل من القمع. العنف لم يولد فجأة، بل تراكم عبر خطاب يجرّم كل اختلاف، لنسأل بعدها: كيف كبر فرعون بيننا؟

عندما تبدأ الشخصيات بتبديل الأدوار، يدخل العمل منطقة ميتامسرحية واضحة – مسرح داخل مسرح -، الحوار لم يعد بين شخصيات داخل الحكاية فقط، بل بين ممثلين يناقشون طبيعة الدور ذاته: من يكتب الحقيقة؟ من يختار زاوية السرد؟ ولماذا تُختزل الحياة في صورة القسوة فقط؟ هذا التحول يكشف هشاشة الثبات. يمكن لرهيب أن يكون عاشقاً، كما يمكن للعاشق أن يتحول إلى جلاد! لكن المشكلة ليست في إمكانية التبديل، بل في رفضه. رهيب يرفض أن يرى ذاته خارج قالب الصرامة. يرفض أن يعترف بأن الحب قد يكون سلاحاً أقوى من الجلد. والميتامسرح هنا ليس حيلة تقنية، بل أداة تفكيك. إنه يضع المتلقي أمام مرآة مزدوجة: ما يُعرض على الخشبة ليس إلا انعكاساً لخطابات لها جذور في الواقع. وحين تتجادل الشخصيات حول طبيعة الأدوار، فإنها في الحقيقة تناقش طبيعة المجتمع الذي ينتجها. لذلك فمثل رهيب لا يستطيع أن يستسلم لعاطفة دون أن يمارس قواعده الممنوحة له من مصدر سلطته، دينية كانت، أو اجتماعية، أو حتى سياسية.

وحين لا يستطيع تلبُّس الشخصية الجديدة، التي لا تليق بطبيعته القاسية، يغتال البراءة بدم بارد معتاد؛ والجرافات التي جاءت على شكل بشري آلي تأخذ في طريقها الحب بلا رحمة، في رمزية واضحة؛ وتأخذ النهاية المفتوحة شكلها الذي يعكس عدم اليقين في الحياة الواقعية، ويجعل العمل مفتوحاً لتأويلات متعددة، دون إجابة قاطعة. لكن السؤال يبقى معلّقاً: أين كانت الخطيئة حقاً؟ هل في السرقة الأولى؟ أم في الجلد؟ أم في رفض الحب؟ أم في ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة؟ ربما لا تكمن الخطيئة في الفعل ذاته، بل في ادّعاء الطهارة. حين يتحول الضمير إلى سلطة مغلقة، وحين يُختزل العالم في ثنائية الطاهر والمدنس، يصبح الباب، الذي يفترض أن يحمي الحياة، بوابة إلى العنف.

  • باب الخطيئة من تأليف واخراج حسين العصفور، تمثيل عقيل الماجد /صادق عبدالرضا (الكوريغراف)/ونورة عبدالعزيز/ وحامد سيف (العزف الحي) والمجاميع/ديكور حسن حمد/اضاءة عبدالله البكري. قدم هذا العمل في نوفمبر 2025 ضمن مهرجان البحرين المسرحي الرابع.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا