جوهر بلا ضجيج

0
15

ما أجمله أن يعرفك القدر على شخص دون أن تكون لك أدنى معرفة مسبقة عنه، فتقترب من جوهره بعيدا عن هيمنة الألقاب والصور النمطية، فتكتشفه كما هو، لا كما تقدمه للناس مكانته أو تاريخه. هكذا بدأت علاقتي بالراحل الأستاذ محمد حسين نصر الله. كان ذلك في مطلع التسعينيات، حين تعرفت إليه من خلال مكتب التصميم والطباعة الذي كنت أديره في قرية توبلي، وقد توثقت العلاقة بيننا عبر ما كنت أنجزه له من أعمال التصميم والطباعة.

ومن خلال تلك العلاقة، عرفته إنسانا متواضعا، دمث الأخلاق، ناكرا لذاته في تواصله مع الآخرين، برغم اختلاف أعمارهم ومكانتهم وخلفياتهم. ولعل ما منح ذلك الانطباع الأول رسوخه أن ما عرفته عنه لاحقا من مكانة وتاريخ نضالي لم يغير صورته في ذهني، بل زادها وضوحا؛ فقد ظل التواضع وإنكار الذات السمة الأبرز في حضوره وتعاطيه مع الآخرين، بوصفهما تعبيرا صادقا عن إيمانه العميق بالإنسان، وعن اختياره أن يهب الكثير من ذاته في سبيل ما كان يحلم به للناس، وأن يحتفظ بالأمل مهما تعاظمت الصعوبات أو ارتفعت التضحيات.

والمفارقة أنه لم يكن مجرد أحد طرفي تلك الذكرى، بل كان سببا في اكتمال طرفها الآخر أيضا. فعندما علم بعزمي على السفر في رحلة سياحية إلى سوريا ولبنان أواخر عام 1993، طلب مني إيصال مسودة كتاب إلى أحد أصدقائه في دمشق. وهناك بدأ تعرفي إلى المناضل عبدالرحمن النعيمي (أبو أمل)، قبل أن أدرك لاحقا أنني كنت أمام أحد أبرز الرموز الوطنية في البحرين. وكما وجدت فيه تواضعا ونكرانا للذات يسبقان مكانته، وجدت في النعيمي ذلك اليقين الهادئ بفكره وبقناعاته، وذلك الثبات الذي لم تنل منه المحن، مهما اشتدت الصعوبات وتعاظمت التضحيات.

وربما لذلك بقيت تلك المصادفة عالقة في ذاكرتي؛ إذ قادتني، في زمن متقارب، إلى التعرف على رجلين جمعتهما مكانة كبيرة، وسبقتهما إليها إنسانيتهما.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا