محمد نصر الله.. مناضل قلّ نظيره

0
16
محمد حسين نصر الله

يقع “فريق الحمَّام” في قلب المنامة عاصمة البحرين، يفصله عن “فريق المخارقة” شارع باب البحرين، ومن جهة الشمال “فريق الحطب”، ومن جهة الشرق مستشفى الإرسالية الأمريكية أول مستشفى في البحرين أُنشِئَ عام 1901، ومن جهة الغرب “فريق بيوت الحكومة” القريب من سينما الحمراء وسينما النصر، وكانت في الحي حديقة الباخشة، أول حديقة في البحرين تأسَّست في عام 1932، لم يبقَ لها أثر، غير مسجد الباخشة الذي يحمل اسمها.

 كما يوجد في الفريق ثلاث مدارس: مدرسة المنامة الثانوية للبنات التي تأسَّست في عام 1951، كأول مدرسة ثانوية للبنات في البحرين تخرجت منها شخصيات نسائية معروفة لهن إسهامات بارزة في المجتمع، ومدرسة الزهراء الابتدائية للبنات وتأسَّست في عام 1951، وسابقاً مدرسة الإمام علي الابتدائية للبنين، وأيضاً المدرسة الإيرانية التي أغلقت منذ سنوات، كما يوجد في الفريق العديد من المآتم الحسينية للرجال وللنساء، وبعض الأندية للجاليات الأجنبية سابقاً، وبالقرب من “الحي” توجد  كنيسة القلب المقدس، ولا زالت بعض بيوت المسؤولين الإنجليز موجودة في شارع الشيخ عيسى، شاهدة على حقبة الاستعمار البريطاني في البحرين، ويشتهر الفريق بوجود (إشارة نمرة خمسة)، التي يُقال بأنها أول إشارة ضوئية في البحرين، عندما كان تشارلز بلجريف  هو المستشار السياسي في البحرين.

شهد هذا الفريق أحداثاً سياسية كبيرة من خمسينيات القرن الماضي  (أحداث هيئة الاتحاد الوطني في أعوام (1954 – 1956)، وأحداث انتفاضة مارس 1965 المجيدة ، وفيه تفتَّحت عيوننا على  (فرسان التحرير) – مناضلي جبهة التحرير الوطني البحرانية،  حيث برزت شخصيات مناضلة بعضهم أحياء يرزقون وبعضهم رحلوا عن الدنيا، دون ان تتعرف أجيال عديدة على تضحياتهم من أجل الوطن والشعب، فقد عملوا بصمت ورحلوا بهدوء و بعضهم قضَوا سنوات في السجون والمعتقلات والمنافي، وكان من أبرزهم أستاذنا المناضل الكبير محمد حسين نصرالله الذي رحل عنا في صبيحة يوم الأحد 14يونيو 2026م جسداً ولكنَّه باقٍ في قلوبنا، في حيِّنا كان التعايش والتسامح يسودان فيه .

فعندما نتصفح السيرة الشخصية والنضالية لفقيدنا الأستاذ، فهي ناصعة البياض، مناضلٌ قلَّ نظيره في الوطن، في سنواته الأولى عندما التحق بصفوف جبهة التحرير الوطني البحرانية، نشط فيها بشكل سري للغاية وساهم في تأسيس المنظمات الجماهيرية الشبابية والطلابية وإصدار العديد من النشرات السرية، قبل الضربة البوليسية  ضد مناضلي الجبهة في عام 1968، وفي يناير من عام 1969 تمَّ اعتقاله، كان وقتها مساعد مدير في المدرسة الغربية الإعدادية للبنين (مدرسة أبوبكر الصديق الإعدادية للبنين حالياً)، وبعد ستة أشهر تمَّ إطلاق سراحه، وفي بداية سبعينيات القرن الماضي اُعتقِل أكثر من مرة، وحُرِمَ من الترشح للانتخابات في السابع من ديسمبر 1973، فقد كان معتقلاً حينها،  وتمّ إطلاق سراحه في يناير 1974 بعد بدء الحياة النيابية، حيث فازت في الانتخابات “كتلة الشعب “اليسارية المدعومة من جبهة التحرير الوطني،  بثمانية نواب من أصل ثلاثين نائباً هم مجموع أعضاء المجلس، وكان الأستاذ ينسق مابين الكتلة والجبهة إبَّان فترة المجلس الوطني.

وفي عام 1978م تمَّ اعتقاله مجدداً ومكث في السجن حتى نهاية عام 1983، وكان قبل الاعتقال رئيس قسم المناهج في وزارة التربية والتعليم، وبعد إطلاق سراحه فُصِلَ من الوزارة، في عام 1984 تزوج من الأستاذة الفاضلة فاطمة العريض ورزق منها بثلاث بنات وولد واحد، وبعدها عمل في المطبعة الشرقية لسنوات عدة وواجه تحديات كبيرة في حياته العملية. 

 اتسمت شخصيته بالطيبة والتواضع والبساطة وحسن الخلق والهدوء، وتقديم المساعدات للمحتاجين، ونذر نفسه لخدمة الناس، وبهذا الفعل جسّد مبادئ وقيم حزبه الذي ينشط في وسط الجماهير.

يصف المفكر الإيطالي الماركسي أنطونيو غرامشي المثقف العضوي بأنه “ذلك العنصر المفكر والمنظم في طبقة اجتماعية أساسية معينة. ولا يتميز هؤلاء المثقفون بمهنهم، التي قد تكون أية وظيفة تتميز بها الطبقة التي ينتمون إليها، بقدر ما يتميزون بوظيفتهم في توجيه أفكار وتطلعات الطبقة التي ينتمون إليها عضوياً.”

هكذا كان المناضل والمثقف العضوي الأستاذ أبو حسين، ينشر الأفكار والقيم الإنسانية التي يؤمن بها في صفوف الجماهير بغض النظر عن انتمائهم الطبقي والاجتماعي، وكان لنا نحن أبناء التحرير  في “فريق الحمَّام” بمثابة القدوة والمثل الأعلى، مناضلاً قدَّم تضحياتٍ كبيرةً، كان بالإمكان أن يختار طريقاً آخر ويحصل على مناصبَ كبيرةٍ ويتمتع بحياته مثل سائر  المواطنين، بدلاً عن كل هذه المعاناة والتضحية، لكنَّه اختار طريق النضال الوطني، الطريق الأصعب والمليء بالأشواك والصعاب، وكأننا به يردِّد نشيد جبهة التحرير الوطني الشهير: “طريقنا أنت تدري … شوكٌ ووعرٌ عسير …ولكننا سنسير سنسير ، سنمضي سنمضي إلى ما نريد وطنٌ حرٌ وشعبٌ سعيد”.

فالأخلاق العالية التي كان يتمتع بها يتحدث عنها حتى المختلفون معه في الرأي والفكر لهذا يكنَّون له الاحترام والتقدير، ويقولون بأننا لا نسمع صوته حتى يرتفع في أحاديثه الثنائية، مستمعٌ جيدٌ لمن يتحاور معه. أنا شخصياً كنتُ كثير التحاور معه عن نضالات جبهة التحرير الوطني البحرانية ونشاطها السري في الظروف الصعبة التي مرَّت بها، في كل سنوات النضال ضد الاستعمار البريطاني والرجعية، يقول كانت الجبهة في كل مرة تتلقى ضربة بوليسية موجعة تخرج منها وتعيد بناء نفسها من جديد. فالمناضل الراحل الكبير الأستاذ أبو حسين، واحدٌ من الذين ساهموا  في إعادة بناء الحزب من جديد في أكثر من مرة، كان يقول من المهم أن يستمر نشاط الحزب، حتى لو يبدأ من النواة الحزبية الصغيرة خطوة بخطوة يكبر الحزب، هذا المناضل الفذ عشق جبهة التحرير الوطني، لهذا كانت لديه خبرةٌ واسعةٌ في العمل الحزبي وكيفية المحافظة على الحزب وأعضائه، ونسج علاقاتٍ واسعةً مع الناس ومناضلي الحركة الوطنية الديمقراطية في البحرين والخليج، ويكنَّون له الاحترام والتقدير، كان واضحاً في الحضور الكبير يوم التشييع في مقبرة الحورة بالمنامة.

رحيله خسارة كبيرة للمنبر التقدمي والحركة الوطنية الديمقراطية البحرينية، وتعازينا ومواساتنا إلى عائلته زوجته وأولاده ورفاقه ومحبيه.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا