عويشة التي تحدّت السائد وأيقظت حسّ التعبير عن الرأي في المحرق
المجموعة القصصية الملهمة “كردم”، لمؤلفها محمد فاضل العبيدلي تجعلنا نفكر في حياة الناس البسطاء الذين يملكون عمقًا في شخصياتهم دون أن يدركوا ذلك بأنفسهم، ولهم اثر كبير في نفوس من يصاحبهم أو يسمع عنهم .. تركت هذه القصص اثرًا نقله لنا الكاتب من مذكراته وذكرياته وسيرة المكان ووصفه حياة الناس وتعايشهم، حيث علق على كتابه بهذه السطور: “لم أختر النص ولا أبطال النصوص بل هم الذين اختاروا اللحظة التي نكتبهم فيها. استحوذ ابطال هذه النصوص على سنوات طوال وهأنذا أكتبهم من ذاكرة الصغير واليافع من مسرح تلك المدينة الرائعة النائمة في أحضان البحر.. المحرق”. المحرق، المدينة التي يعيش فيها نسيج يتمثل بالحب والتعايش والألفة بين أهلها، فبيوتهم المفتوحة على بعضها، وصحونهم تخرج من بيت الى بيت تهنئ وتبارك، تشارك الأحزان قبل الأفراح.
بدأت المجموعة القصصية ب “بواربعه” حسن بن محمد النجار ولطيفة بنت سعد، بو أربعه الذي صرعه حسن بقبضته وشجاره الدامي مع بن خميس الذي باغته بعد سنين طوال في حلم توقف عنده ولم يكن عابرًا، حلمٌ فتح صفحات قديمة وذكريات .. بن خميس الذي رحل مع اهله بعيدًا .. رحلوا ولم يتركوا سوى الصمت في الحي، فوصل خبر وفاته، وكأن روحه زارت المكان وحلم النائم ليثير في قلب حسن الشجن والاشتياق..
في أغاني رقصة الليوة الشعبية يقولون: “وش هالونين يا عويشة في ذي الغرفة يمه عشقني المولع وشق ثوبه”. حكاية عويشة بنت علي مع النوخذة بن عمير وماذا قالت شمسة ومقولة: “الله يرحمج يا عويشة متي يومن عرفتي”.
اشتهرت عايشة بنت علي بن حمد بن عبيد وأمها منيرة بنت عبداللطيف بن راشد الونان، بجمالها وسحرها وسط حياة مليئة بالتعب والكفاح والصبر، فهي مثال للمرأة البحرينية القوية والرافضة للظلم ومثال يحتذى به للنساء اللاتي يكافحن بإصرار من اجل الحب والعائلة، ولعل قصة عويشة اثرت في نفسي انا شخصيًا لكونها تلامسني في جانب من شخصيتي في الواقع وفيها من رفض الأعراف التي تظلم الإنسان وبالأخص المرأة، والجرأة التي تحلت بها فكانت هذه من الشخصيات المؤثرة والتي تبقى في الذاكرة من هذه المجموعة القصصية، كونها المتفردة بين نساء الحي. تزوجت من تحبه وهو راشد بن محمد الحصبان في زمن يعتبر هذا الامر (منكراً)، ولم تكن عويشة تهاب التحدث امام الجميع رجالًا ونساء، ووصل الحال درجة كان الشرار يتطاير من أعين رجال الحي حين تقف لتجابههم، وهذا ما جعلها مميزة عن غيرها، بمساندة أبيها فهو الذي علمها الشجاعة والقوة ودعمها لتكون عويشة التي نتحدث عنها اليوم.
في موسم الغوص تعرض سالم زوج عويشة لهجوم قروش البحر وهو يعمل عند النوخذة بن عمير، مات سالم وصرخت عويشة: “هذا اللي بقى من بوعيالي، هذا اللي بقى من حبيبي من الاولي والتالي”. جَرت عويشة لتأخذ ابنها وتخبئه لكي لا يأخذه النوخذة بن عمير بديلًا لوالده، فكان العرف أن يأخذ النواخذه أبناء الغواصين حين يتوفون بدلاء عنهم، أيًا كانت أعامرهم سواء رضت والدته أم أَبَت. لم تقبل عايشة بذلك، وقالت لرجال بن عمير الذين جاءوا لأخذ الوالد عنوة: “ماتاخذون ولدي الا على جثتي”، ما فعلته عويشة لم يكن منكراً فقط في عرف النواخذه بل كان، بالنسبة إليهم، كفرًا.
اتجهت عويشة لمجلس بن عمير غاضبة ووقفت أمامه وأمام الجميع قائلة: “اترك لي ولدي، مالك حق في ولدي يا بن عمير، لا شرع(ن) قضى ولا نبي(ن) قال”. انعقدت ألسنة الجميع وهزت بن عمير نفسه.. ما حدث لم يحدث في المحرق قط، ما فعلته عويشة يشكل خطرًا عليهم وهو كسر للأعراف والقوانين التي وضعوها بأنفسهم وكفراً تستحق عليه العقاب، بينما هي أم تخاف على ابنها من تعب الغوص واستعباد النواخذة للفقراء.
أصبحت عويشة مصدر فخر للنساء في المحرق، لأنها أيقظت فيهن حسّ التعبير عن الرأي والمشاعر، حتى زوجة بن عمير نفسه أُعجبت بعويشة لكونها أماً تشعر بما تشعر به، لكنها في الوقت ذاته شعرت بأنها تشكل خطرًا على زوجها ومكانته وخطرًا عظيمًا على منظومة كاملة من الأعراف والتقاليد التي فرضها زوجها وغيره على المجتمع، لذلك اقترحت أن تأتي عويشة للعمل في بيت النوخذة بدلًا من عمل ابنها غواصًا، فوافقت عويشة ودخلت البيت تخدمهم وتعمل في الخياطة وتجهيز الأفراح لهم. كانوا معجبين بها جدًا لكنهم لم ينسوا ليلة المواجهة تلك.
آلفت عويشة امرأة عجوز من بلاد الحبشة، هي إحدى عبيد بن عمير اسمها شمسة التي اختطفها تجار الرقيق واشتراها النوخذة. هناك سببان خاف منهما النوحذة في علاقة عويشة وشمسة الوطيدة، الأول ان شمسة تعرف كل أسرار العائلة، والثاني اعتقاده بأن سبباً خفي جعل عويشة ترضى بالعمل في بيته فكانت صفقة في ظاهرها حب وباطنها اخضاع.
مرّت السنين. مرضت شمسة واقتربت نهاية حياتها وكانت عويشة تلازمها، وفي احدى الليالي المتعبة والثقيلة، تحدثت شمسه الى عويشه عما كانت تخفيه في صدرها منذ سبعين عاماً من حكايات وحقائق حتى أغمضت عينيها وفارقت الحياة، وبعد ثلاثة أيام على عزاء شمسة وُجِدَت عويشة ملقاة على وجهها على درج المسجد، وتلتف عباءتها على قدميها مخنوقة مقتولة مغدور بها منتقم منها.
عبد الله ذو العينين الواسعتين الجميلتين
عن بسالة نساء المحرق في وجه الجنود الانجليز الذين استدلوا على مكان اختباءه من خيط الدم على الأرض، إذ كان ملاحقا منهم حتى وصل إلى هؤلاء النسوة الشجاعات اللاتي رفضن تسليمه اليهم، وبعد الشدّ والجذب دفعوا النساء بعيدًا واخذوا عبدالله وعينه الواسعة تحدق حاملة رسائل ليفسرها كل منا بطريقته.
كردم وبومكتوم
“يقعد على الدجه، دجة المثقفين والأميين، دجة المزيج الثقافي وترابط المشاعر والقلوب النقية”. محمد أو بوحسن أو كردم، ملم بالشعر والتاريخ. كان حالة متفردة مشهورًا بالسِكر، سكيرًا بفعل الحب وقد يكون محبًا للشرب فقط، عَشَق العراقية وبحث عنها ولم يجدها، سرد الكاتب مجموعة مواقف مسرحية تراجيدية كوميدية بينه وبين كردم وبومكتوم ورفاقهم، أحد هذه المواقف كانت في شهر محرم، وكان المتحدث على منصة الدكة النجار المصري حميدة، وحديثه عن حرب أكتوبر وكيف تمكّن المصريون من تدمير كتائب من الدبابات الإسرائيلية بسلاح يحمل على الكتب وصاروخ صغير اسمه (ساغر) المربوط بسلك طوله ثلاثة كيلومترات، واثناء هذه القصة تناهت أصوات حناجر تحيي على العزاء “بوي يا زينب.. اه يا زينب”، في هذه اللحظة تداخل صوت كردم قادمًا من زقاق صغير يجر كلبًا بحبل طويل يلفه عدة لفات حول يده والمسافة بينهما مترًا واحدًا مما جعل الكلب يترنح سكرانًا مع بوحسن، حينها علق أحد الشبان للنجار حميدة بأن طول حبل كردم هو طول السلك المربوط بصاروخ ساغر.. فقال حميدة: “هو كده بالضبط”، وهنا نستذكر مشهد السكير الذي جسده الفنان أحمد مبارك في المسلسل البحريني “سعدون” وهو يرمي بكلماته هنا وهناك نابعة من إنسان واعٍ لما يحيطه من ظروف سياسية واجتماعية وكان الخمر ملجأه للهرب.
كما يستذكر الكاتب موقفاً مسرحياً يليه من مواقف الدكة لـ “أبو مكتوم” الذي كان يعشق نورة وهي إحدى جميلات الحي، ولكنه كان العشق المستحيل بالنسبة له ولها ولجميع أهل المحرق، فكيف لـ “ولد العبدة” أن يرتبط بـ” بنت الحمايل”؟. كان أبومكتوم متولعًا بها بصمت ولكن لا يجرؤ النظر في عينيها، كان الخمر هو الطريق الى العالم الذي يهرب إليه ويعيشه معها محاولًا بشتى الطرق تناسي الواقع.
وفي مشهدٍ لنساء أعجميات من المحرق يحملن أوراقًا في أيديهن ويرددن: “إسلام لازم ينتصر”، إزاء الثورة الإيرانية وتأثيرها على المنطقة، فكان أبومكتوم غارقًا في همه وحبيبته “الممنوعة منه” نورة، مر أحد الشبان وقال له: “بومكتوم يبيله بوحنش (تسمية شعبية لمشروب الجن)، فلم يرد، وأثناء ذلك وقف ابومكتوم منقلبًا على مشاعره يقلد النساء (إسلام لازم ينتسر) مما فجّر ذلك الدكة ضحكًا من انقلاب العاشق إلى مهرج..
في احدى الليالي كان ابومكتوم ذاهبًا إلى مطعمه المفضل (مطعم النجاح) بعد سهرته مع رفاقه قرب البحر، لكنه تعثّر بفعل السكر وانعطف الى وجهة أخرى، فبدلًا من دخول المطعم دخل الى مركز الشرطة، وأصدر أمراً للشرطي: “رفيق.. ديايه مشوية وكثّر خبز الليلة”، فعرف الشرطي بأنه “مزيد الجيلة” فأرشده إلى الجهة الأخرى ليتوجه للمطعم، لكن أبومكتوم ألحّ على الشرطي: “أقولك زيّد الخبز رفيق”، هنا رفع الشرطي صوته فأدرك أبومكتوم انه في ورطة فاعتدل في وقفته وأدى التحية وقال: “مشكور يا ولد الوطن .. سامحني يا ولد الوطن”.
اعتزل كردم السكر ومات على سجادة الصلاة، وتبقى ذكرى مواقفه ولسانه الثقيل على مسامع الجيران وفي ذاكرة أحباءه، وبعد العزاء تجمعوا على الدكه بحزن يتسائلون: “هو من بيت من؟ شنو اسمه الكامل؟”. الألفة والمحبة والصداقة أنستهم الأصول والعوائل، جمعتهم القصص وارواحهم الطيبة والمواقف. كان مقطوعًا من الأهل ولكنه لم يكن مقطوعًا من أحباء الدكه ولا من ذاكرتهم.. كل منهم في عالم لوحده، وتتداخل هذه العوالم ببعضها في هذا التجمع الصغير ليتخلصوا من مشاعر الحزن ويضحكوا على المأساة الكامنة بداخل كل منهم وتتحول مشاعرهم الجياشة إلى ضحكة مخدرِة اثناء هذه اللحظة.
قام الكاتب محمد فاضل بجولة في المحرق مع قرّاء الكتاب، والتقوا بجارة كردم التي سردت موقفًا له: “كان الجدار الفاصل بيننا وبين منزل كردم منخفضًا، فما أن نقف حتى نراه وما أن يقف حتى يرانا، وفي الليالي التي يزوره أصدقاؤه للسهر فكان يمنعهم من النظر إلى جانب منزلنا ويقول: “هذول بنات اختي لا تقربون منهم ولا تطالعونهم”.
موعدٌ واحدٌ وموتٌ مؤجل .. وبينهما طفلتان
من كان مع من؟ من ذهب؟ والى اين؟ ماذا كان يفعل؟ ماذا حصل في ليلة الانفجار؟. الكل يجري مندهشًا، قلق ورعب وتساؤلات، وصلوا الى البيت الصغير في الزقاق الضيق ملاصقًا لبيت البوبشيت، وصلوا إلى الحريق الكبير وأول سؤال يُطرح: “أمي سلامة؟.. وثاني سؤال: محمد؟
وهو الإسم الذي تردد كثيرًا، “محمد”، أين أبناء جمعة؟ وأين عائشة؟. الحمدالله بعد ارتجاج البيت ودوي الانفجار بان الجميع. لكن أين محمد؟ محمد بونفّور قُتِل في الانفجار، محمد اللاعب صاحب القميص البرتقالي يلعب في نادي الجزيرة، يرتدي بنطالًا كاكيًا للعمل، يحمل صحيفة أحيانًا.. للقصة تكملة، حدثٌ في تلك الليلة وحدث في ليلة بعد ستة وعشرين عاماَ، وبين الليلتين ألغاز وأحداث؟. ماذا حدث في تواريخ الموت والولادة والأسماء المكررة؟. هذا السر يمكن أن تكشفه لنا مقابر المحرق
طفل فاطمة
“يلا يا احمد بن فاطمة قوم قبل للصلاة قبل لا تناديك فاطمة بنت محمد فاضل”.. هيا لتسير بخطواتك إلى نخل خلفان ولا تنسَ الوصايا لتصبح رجلًا.. تذكّر يا احمد في طريقك عويشان جدتك عايشة بنت فاضل، اقطع المسافات مرورًا ببرك الماء الصافي، حاملًا قربتك المزينة بتطريز فاطمة. يعود أحمد محملًا بالهدايا وطلبات فاطمة.. وفي عمر الرابعة عشر، يدفن فاطمة، ثم التحق بأسطول البريطانيين، وطاف بالموانئ وحمل الكثير من القصص والغرائب، يشتري من هنا ويبيع هناك. ترك أحمد الشرطة وانخرط في الشركة كحال الكثيرين، وعايش الانجليز وتعلّم لغتهم.. كان يسير إلى النخل فصار ينتظر حافلة “بابكو” في سوق المحرق ليغادر إلى عمله، تغيّرت حياته ولكن لم تتغير عادته في جلب الهدايا الصغيرة.. أورثه والده يوسف اليتم، وكأنّه القدر واللعنة، فرحل يوسف الابن وأتعب أحمد فوق التعب والفقد مرات عدة، موجع رحيل يوسف، تشبث بعينيه الباقيتين وهما محمد ومحمود من بعد يوسف.. مات احمد بعد صراعه مع الحزن والفقد واليتم والمرض والوجع، رحل ابن فاطمة الوحيد، طفل فاطمة ونخل فاضل وحفيد محمد بن فاضل العبيدلي، عله التقى بفاطمة واليوسفين
حكايات عن “نخل خلفان، نخل جمال، نخل فاضل، هميران، بوطيور، العلوة، الرميلة، علفدان، العرمكي”، والهجرات والذين غابوا وتفرقوا في ارض الله الواسعة، والكثير في جعبة الكاتب.
مطوعة فاطمة
سر الابتسامة في تلك الليلة: “الحب يسري من أقاصي القلب وانت ترقبين صغارك فرحين، الآن عرفت لماذا هي دافئة يدك كلما لمستها”. مطوعة فاطمة تجلي العروس، تنشد للأعياد، “يا مولد في المحرق أو جلوة في سماهيج”. بابها مفتوح للزوّار وقلبها مشرع وصغارها حولها، ينهض قلبها بالبيت كعمود الرحى.. في المساء، تُخرج مخطوطاتها وكتبها العتيقة وتقرأ على الصغار والنسوة، ترتدي أفضل ثيابها وزينتها “عندنا مولد اليوم” فتنشد في حب المصطفى وتعيد القصائد بصوتها العذب، وحين يخترق صوتها الجدران رددت جاراتها: فاطمة تنشد، فاطمة تقرا، فاطمة تردد الأدعية
في الساعات المتأخرة من المساء تباغتها أسئلة وتعليقات الأطفال: “هذي نجوم محمد وهذي نجوم يوسف.. يوسف جوف هالنجمة.. أي قد النجوم بعيدة عنا؟
فاطمة: “اووش لا تعدون النجوم.. لا يطلع لكم ثالول.. سمعوا هالقصة“
فتروي لهم قصة المرأة وسوار الذهب، حيث كانت بالقرب من شاطئ البحر ولمحت بريقًا تحت الماء فسارت نحوه وكان سوارًا من الذهب بالقرب من كهف صغير للأسماك، مدّت يدها لتلتقطه لكن الماء حرّكه لداخل الكهف، فمدت يدها مرة ثانية وثالثة ورابعة والسوار يغوص أكثر، وبعد المحاولات “وماية الهلال ترتفع وظلمت السما لا قدرت تأخذ السوار ولا قدرت تطلع روحها، وغرقت”. فكان الدرس عن الطمع..
هكذا تأتي القصص، جيلًا بعد جيل يتوارثها، وكلّ إنسان يسردها بطريقته ويستذكر المشاعر والناس واللحظات التي عاشها حين سماعه للقصة أول مرة، وقد تتكرر على مسامعه وفي كل مرة تعود المشاعر ويختلف الزمان والمكان والناس..
حيث نخلة هيفاء
تطاول السماء غرورًا
يمكنكم إغلاق أعينكم لتخيّل هذا المشهد في وصف المكان. الباب الكبير المنقوش، المعبر الصغير المفتوح للسماء والريح، الحجارة المكوّمة، ضحكات تُسمع من بعيد، صنبور ماء وبركة صغيرة تشهد وجود بئر صغير كان هنا في فترةٍ ما، بالقرب منه هناك نخلة هيفاء الباسقة تتوسط الحوش، وهنا مصدر الضحكات، العائلة تفترش الأرض يشربون القهوة والشاي، الأطفال يلعبون بلا كلل ولا ملل، النساء كل منهم جاءت من زاوية ومن طريق لحضور هذا التجمع الصغير، الدفء والفرح يملآن المكان، الصراخ والضحك يزينان المكان، الريح تلعب بشعور الفتيات، وتتراقص سعفات نخلة هيفاء بألحان الرياح، هناك الغائب بجسده و روحه تحلق بالمكان، هناك الأمان بين هذه التفاصيل، هناك ولد سامية وولد فاطمة وولد شريفة، وهناك امهاتنا وخالاتنا وجداتنا جميعًا.
هذا المشهد عاشه بعضنا وسمع عنه البعض الآخر، الجيران، الحياة والقلوب، كلها تتنفس محبة وتماسكاً، هناك الحنين لتلك الأيام، وحنين للشخصيات وحنين للحظات، الوفاء والذكرى هي التي تبقى معنا، مشهد الحوش كان مكرراً في كل بيت في المحرق والبحرين، كانت النخلة تجمع العائلة، تجمع الفرح والحزن معًا..