في يوم الجمعة 14مارس2025 انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي رسالة حزينة مقتضبة: “إنّا لله وإنا إليه راجعون.. بوحسين في ذمة الله”. لكن التساؤل الذي قفز للذهن عن هذا الخبر الحزين: هل المعني بالأمر هو الرفيق عبدالله حسين؟. لم يتأخر الرد: نعم، الرفيق عبد الله حسين في ذمة الله..
رغم وطأة الخبر الشديدة الحزن، لم يكن مفاجئا لنا، نعرف أن أبا حسين يعاني من مرض عضال.
في اليوم التالي، يوم التشييع، غصّت مقبرة المنامة بحشود الرفاق والأصدقاء والأحبّة، من كافة شرائح المجتمع البحريني، قيادات سياسية ونقابية واجتماعية، جاءت لتوديع المناضل النقابي عبدالله حسين وتُقدم التعازي وتتقبلها، وكان عبدالله، أبو حسين، الحاضر الغائب..
عبد الله، أبو حسين، هكذا يحلوا لنا تسميته، هو قائد عمالي شجاع وجسور، جُبل على العمل النضالي منذ كان شابا يافعا. فحين نقرأ صفحة من سيرته النضالية، نكون أمام قامة نقابية وطنية وقومية وأممية قلما زخرت بها الساحة البحرينية، بدءاً من مرحلة الدراسة الجامعية، حيث التحق بجامعة بنغلور في الهند لينخرط في الحركة الطلابية بالإنتماء للإتحاد الوطني لطلبة البحرين فرع بنغلور، وفي مطلع الثمانينيات عاد إلى الوطن والتحق بالعمل في شركة خدمات مطار البحرين “باس”، مناضلا في صفوف اللجنة التأسيسية لاتحاد العمال وأصحاب المهن الحرة، التي كانت تنشط سراً.
في عام 1982 طرحت الحكومة “اللجان العمالية المشتركة”، فدار جدل وسط الحركة العمالية والسياسية وتباينت الرؤى، من مسألة المشاركة، بين الرفاق، وأُثيرت مخاوف من أن الحكومة ترمي من خلال طرح مشروع “اللجان المشتركة” إلى الإلتفاف على مطلب الحركة العمالية المتمثل في حرية العمل النقابي، الذي يعتبر مطلباً رئيسياً للحركة العمالية والسياسية في البحرين، فقد كان على رأس المطالب إبان حركة هيئة الاتحاد الوطني (1954 – 1956)، وانتفاضة مارس 1965، والحراك العمالي عام 1972تحت مظلة اللجنة التأسيسية لاتحاد العمال وأصحاب المهن الحرة.
ارتأى المناضل عبدالله حسين وثلّة من الكوادر العمالية ضرورة المشاركة في المشروع الجديد “اللجان العمالية المشتركة” باعتبارها خطوة للوصول إلى تشريع حرية العمل النقابي الحقيقي.
تشكلت اللجان العمالية في الشركات والمصانع عبر انتخابات العمال ممثليهم في اللجان المشتركة وتوسعت هذه اللجان تدريجياً، وتأسست اللجنة العامة لعمال البحرين في عام 1983 وضمّت ما يقارب 18 لجنة عمالية، وكان الرفيق الراحل عبدالله حسين من مؤسسي اللجنة العمالية في شركة “باس” وترأس اللجنة لعدة دورات، وقياديا في اللجنة العامة لعمال البحرين.
لعبت اللجنة العامة لعمال البحرين دوراً محورياً في مسيرة العمل النقابي والتمهيد له، من خلال العمل على ترسيخ انتخابات دورية للجان، وقد تمكنت من تحقيق العديد من المطالب العمالية وحلّ النزاعات مع إدارات الشركات بالرغم من المعوقات، كما طالبت باستقلالية العمل النقابي. ومن المكاسب التي حققتها اللجنة العامة لعمال البحرين نيل العضوية المراقبة في الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب.
مع الانفراجة السياسية التي شهدتها البلاد مطلع القرن الواحد والعشرين، بادر نشطاء الحركة النقابية بالدعوة لتأسيس اتحاد عمالي، حرّ وديمقراطي ومستقل، وبفضل هذه الجهود، تحوّلت اللجنة العامة إلى اتحاد عمال البحرين أولا، وبعد صدور قانون النقابات العمالية تأسس الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين في 14 يناير عام 2004، وانتخب عبد الله حسين، أحد الأعضاء المؤسسين، عضواً في الأمانة العامة في المؤتمر التأسيسي والدورة الأولي، وتبوأ منصب مساعد الأمين العام للشؤون الدولية، كما أُنتخب عضواً في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية التي مقرها مدينة جنيف.
من اللحظات المفصلية في تاريخ المنا ضل عبدالله حسين، عندما تم فصل المئات من العمال والموظفين على خلفية الحراك الشعبي عام 2011، فقد كان الاتحاد العمالي والأمانة العامة في موقف صعب. قام عبدالله حسين مسؤول الشؤون الدولية بدور محوري من خلال موقعه القيادي في منظمة العمل الدولية، فتصدى لهذه المشكلة وحمل الملف مع جهود الأمانة العامة، ونجح الاتحاد العمالي في إعادة المفصولين إلى أعمالهم بعد جهد مُضني وتمّ التوصل إلى اتفاق بين منظمة العمل الدولية وحكومة البحرين، حظى بدعم الاتحادات العربية والدولية.
عندما نتحدث عن عبدالله حسين السياسي، فقد انتمى مبكراً للحركة الوطنية في البحرين منذ كان طالباً في الجامعة، وكان أحد كوادر الجبهة الشعبية في البحرين، والتحق بجمعية وعد عند تأسيسها، بعد أن تمّ التوافق على العمل السياسي العلني عام 2001، وقد ترأس المكتب العمالي بالجمعية، كما كان عضو اللجنة المركزية فيها.
على الصعيد القومي، تسكن القضية الفلسطينية عقل ووجدان عبدالله حسين، إذ كان حريصاً على المشاركة الدائمة في فعاليات التضامن مع الشعب الفلسطيني، وكانت بصماته واضحة في دعم عمال وشعب فلسطين من خلال موقعه القيادي في منظمة العمل الدولية وعلاقاته مع الاتحادات العمالية الدولية. ورغم وضعه الصحي الحرج، كان حريصا على المشاركة في فعاليات الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، بعد انطلاق فعالياتها إثر تفجر طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023. وقد زرع حب فلسطين في عقول أبناءه، ورباهم على إسناد ودعم نضال شعبها ومقاومته للاحتلال.
رثاه الكثير من الرفاق والأصدقاء والأحبّة بكلمات تعبر عن الإخلاص والحزن على رحيله. فعلى صفحته في “فيسبوك” كتب القيادي السابق في منظمة العمل الدولية وليد حمدان: “ننعى اليوم فقدان رفيق لنا ومناصر حقيقي للحرية والعدالة”، وقال: “عبدالله حسين مساعد الأمين العام السابق في الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين الذي ترك بصمة لا تُمحى في التزامه الراسخ بالنضال من أجل الحقوق النقابية والديمقراطية والمساواة الاجتماعية في البحرين والمنطقة العربية”. أما الأخ إبراهيم شريف وعلى منصة ( x ) فقد كتب: “النقابي عبدالله حسين نموذج المناضل والقائد العمالي والوطني”، وأضاف “ليس غريباً مشاهدة كل هذه الحشود التي جاءت للتعزية في وفاة رفيقنا وحبيبنا بوحسين، جاءوا لوداعه كما جاءوا تقديراً لِما يُمثله من نبل وصدق وكفاح عالي نقابي وسياسي لم ينقطع على مدى أكثر من نصف قرن”. وكتبت الدكتورة مُنى عباس على حسابها في الإنستغرام: “في ذاكرة الوطن، طاقة لم تهدأ في عمق الصراع، وبعزم الرجال أيها الرفيق عبدالله، بقيت شامخاً وفتحت نوافذ للأمل وللانتصار على الوجع والألم والحزن والانكسار”. وتستطرد الدكتورة مُنى: “تحملت المسؤولية بهدوء وإصرار حتى في الزمن الصعب، حين تخلى من تخلى عن الدرب”.
نُعزي زوجة الرفيق أبوحسين الأخت مُنى العامر بهذا الفقد ونُعزي أبناءه حسين ومحمد وسعد وجميع الرفاق والأصدقاء والأحبة.
أبو حسين.. ستظلّ في ذاكرتنا رمزاً من رموز الحركة العمالية والوطنية في البحرين. وداعاً..