
رواية “متاهة الأرواح” هي الجزء الرابع والأخير والأطول في سلسلة “مقبرة الكتب المنسية” للكاتب الإسباني كارلوس رويث زافون، حيث بلغ عدد صفحاتها 1035 صفحة من الحجم المتوسط، تعامل الكاتب معها كخاتمةٍ كبرى لعالمه الروائي، حيث ذاع صيتها عالمياً.
“متاهة الأرواح” ليست مجرد تكملة، بل هي القطعة التي تجمع كلّ الخيوط وتكشف الأسرار التي ظلّت غامضة لسنوات، لتُكمل السرد الذي بدأه، وتُغلق الدائرة السردية للسلسلة الممتدة عبر أربعة أجزاء: ظلّ الريح، لعبة الملاك، سجين السماء، متاهة الأرواح.
صدرت الترجمة العربية لهذه الرواية في العام 2020 عن منشورات الجمل، بينما نشرت لأول مرة في العام 2016، وتتألف من ثلاثة عشر قسماّ، وتنتهي بخاتمة وهذه الأقسام تتمحور حول: كتاب دانيال، يوم الغضب، برشلونة مارس عام 1938، حفلة تنكرية، مدريد 1959، ارحم، مدريد، 1959، مدينة المرايا، برشلونة، ديسمبر 1959، المنسيون، حٓمٓلُ الله، يناير 1960، دفتر إيزابيلا، 1939، أنقذني، مدريد، يناير 1960، إلى الفردوس، برشلونة، فبراير 1960، برشلونة، 23 أبريل 1960، 1964 كتاب خوليان، خاتمة، برشلونة، 9 أغسطس1992.
الرواية ليست مقسمة بفصول مخصصة لكل شخصية، لكنها تنتقل من وجهة نظر شخصيات: دانايالا، أليسيا، داريوس، والهدف من هذا الإنتقال بينها هو إظهار الماضي والحاضر بالتوازي، فكل شخصية تكشف جانباّ مختلفاّ من اللغز المركزي للرواية، كل واحد يعرف شيئاً وحده، حدثاً واحداً، سرّاً قديماً … الخ، مع ابراز دور الكتب كمفتاح للأسرار، باعتبارها شهود على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الإسباني.
يركز كارلوس زافون في هذا الجزء من سلسلة مقبرة الكتب المنسية على برشلونة بعد الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939 )، حيث تتحرك الأحداث بين الماضي والحاضر لتكشف أسرار الكتب المخفية في تلك المقبرة، برشلونة هنا مدينة جريحة بعد الحرب الأهلية، تختنق بالخوف والرقابة والفساد، مدينة أشباح، تعيش في ظلام معتم، أجوائها ملوثة بماضّ ثقيل، الناس مرهقة يسكنّها الخوف من المجهول، فتبدو قاتمة، ضبابية، مليئة بالخوف والمخبرين والاختفاءات، وهنا يحوّل زافون المدينة إلى متاهةٍ، ويشعرنا بأنّ الشخصيات لا تتحرك في شوارع، بل داخل شبكة أسرار في أنفاقٍ مُظلمة.
أزقة الحي الضيقة، الأنفاق، الممرات الخلفية، المباني القديمة، مكتبة سريّة هائلة تحت برشلونة، ممرات طويلة لا نهاية لها، آلاف الكتب المغبرة، سلالم حلزونية، قاعات عالية يختفي سقفها في الظلام، ضوء خافت من مصابيح صفراء، مكاتب سريّة للشرطة، أرشيفات حكومية، مصحات مهجورة، قلع قديمة.
وبذلك استطاع كارلوس زافون أن يقرّبنا كثيراّ من التاريخ المظلم لإسبانيا في حقبة الدكتاتور فرانكو: الغموض، الرعب البوليسي، القمع السلطوي والإخفاء القسري.
اختفاء غامض لوزير الثقافة، على أثره تُكلف المحققة الغامضة أليسا غريس بالتحقيق في القضية، امرأة ذكية، ساخرة، شخصية معقدة نفسياّ، تعاني ألماً جسدياً دائماً نتيجة لإصابة قديمة، وتكره السلطة التي تعمل لصالحها، ومع ذلك تعمل محققة للنظام، يُعثر في مكتبة على كتاب غامض يقود الشبكة العنكبوتية لجرائم، أطفال مخطوفين، معتقلات سرية، ويقود التحقيق إلى انكشاف شبكة من الفساد، التعذيب، القمع السياسي والأسرار المدفونة في قلب السلطة، مكتبات قديمة، رائحة الورق القديم والرطوبة، قصور مهجورة، أنفاق وأسرار مرتبطة بالنظام الفاشي.
والعودة إلى عالم مقبرة الكتب المنسية حيث تتقاطع مصائر الشخصيات القديمة دانيال سمبيري، فيرمين، وغيرهم من الشخصيات الذين التقينا بهم في الأجزاء الثلاثة الأخرى،”ظل الريح، لعبك الملاك، سجين السماء.”
صوّر لنا زافون المتاهة بأنها ذاكرة جماعية تمّ التلاعب بها بعد الحرب من خلال شبكة من الأكاذيب السياسية، ضباط مخابرات، أسماء مزوّرة، أشخاص اختفوا، ملفات مخفية، أسماء ممسوحة من التاريخ، أشخاص عاشوا، لكن الدولة قررت انهم لم يوجدوا أبداّ، ماضي النظام الدكتاتوري اختفى وكأن الأرض ابتلعته، كل ذلك وكأن الحقيقة نفسها مدفونة في دهاليز ليس بالإمكان فتحها وكأننا نقرأ في كتاب جمهورية الخوف أيام صدام حسين.
إذن كل شخصية من شخصيات زافون تحمل أسراراً وهويات مزيفة وذكريات مشوهة تتحرك داخل متاهة صنعتها السلطة، حيث الحقيقة موجودة لكن الوصول إليها خطير جداّ.
والأرواح التائهة هم الضحايا الذين لم ينصفوا، والناجون الذين عاشوا لكن خسروا ذواتهم والجلادون الذين صاروا أسرى أفعالهم، فالأرواح هنا تائهة داخل ذنبها وذكرياتها، تحاول الخروج، ولكن يستحيل عليها الخروج للصعوبات المدمرة التي واجهتها.
إذن أوصلنا الكاتب إلى نتيجة مفادها بأنّ مقبرة الكتب المنسية ليست مكتبة، بل ذاكرة المدينة وروحها، والكتب ليست أشياءً، فهي تحفظ حياة الأشخاص، والأسرار، والجرائم، وإسبانيا بعد الحرب الأهلية في عهد فرانكو ليست كما قبلها. كانت دولة يعيش فيها الناس حياتين، حياة علنية وحياة سرية مليئة بالخوف.
وأنت تقرأ الرواية لن تنجو من الشعور بالقشعريرة: الأمطار تتساقط، الليل الطويل، المصابيح الصفراء، خطوات لإناس غير معروفة في الممرات الفارغة، أوراق من حولك تتحرك، إحساس دائم بأن أحداّ يراقبك، أنفاس لإناس غير معروفة تلاحقك، فنجد أنفسنا أمام عدة متاهات: “متاهة السلطة، متاهة الذاكرة، متاهة الكتب”، والرواية هنا تبدو ككتاب يُغلق باب كل متاهة ببطء، ونجح الكاتب في أن يجعل من الرواية مقاومة ضد النسيان والخوف، ضد السلطة حين تكتب التاريخ، مقاومة عبر الأدب نفسه، المقاومة الفردية لا الجماعية، الفرد الذي يرفض الصمت، القارىء الذي لا ينسى.
عمل يجمع بين السرد البوليسي والتأمل الفلسفي والتاريخي في آن واحد، يكشف لنا الراوي أن الخلاص لا يتحقق بنسيان الماضي، بل بمواجهته وفهمه، وأن الأرواح لا تضيع ما دامت قصصها تروى، ومن خلال مقبرة الكتب المنسية يؤكد الكاتب أن الكتب ليست أوراق صماء، صامتة، بل ذاكرة حيّة تحفظ ما يعجز التاريخ الرسمي عن حفظه، وأن القصة قد تكون أحياناّ الملاذ الأخير للعدالة.
متاهة الأرواح لتلك الأسباب ليست رواية تُقرأ، بل واقع تُعاش ليس في إسبانيا فحسب، بل في بلدان عديدة أخرى ابتلت بأنظمة قمعية استبدادية، وعلى هذا الأساس هي، في رأيي، عمل فني لا يمكن أن يموت، بل لا يمكن أن يشيخ.


