فى غزّة .. حين يصبح الفرح مقاومة

0
3
خليل يوسف

لقد حاولت الحروب عبر التاريخ أن تكسر الإنسان عبر تجفيف المعنى داخله، أن تجعله يعتاد الخوف، ويؤمن بأن الفرح خيانة للواقع، وأن الأمل نوع من السذاجة، لكن الشعوب الحية دائمًا ما تفاجئ العالم بقدرتها على اختراع الضوء حتى فى أكثر اللحظات عتمة، وهنا يظهر الفارق الكبير بين من يجعل الفرح دفاعًا عن الحياة، ومن يجعل الكراهية أسلوب حياة .!

المفارقة المؤلمة أن العالم الذى يتقن الحديث الطويل عن حقوق الإنسان، بدا أحيانا، بل فى كثير من الأحايين عاجزًا حتى عن حماية أبسط حقوق البشر فى الأمان والحياة الكريمة، ومع ذلك، يخرج أهل غزة من تحت الركام ليقدموا اكثر من درس  أخلاقي وإنساني للعالم كله، وكلها تؤكد أن الإنسان يمكنه أن يكون مفجوعاً او مكسور القلب لكنه لا يزال قادرًا على صناعة الفرح، وقادر على ان يجعل الفرح فعل تحدٍ ومقاومة .. !

وهنا تتجلى المفارقة الإنسانية و الأخلاقية العميقة والمذهلة، هناك من يقاوم كى يبقى إنسانًا، وهناك من يفقد إنسانيته وهو يظن نفسه ينتصر، والإنسان الذي ما زال قادرًا على الفرح هو إنسان لم يُهزم بعد،  وحين شاهد العالم صور العرسان الفلسطينيين، لم يكن يرى مجرد احتفال زفاف، بل كان يرى شعبًا يعلن تمسكه بالحياة فى مواجهة مشروع يريد تحويل الحياة نفسها إلى مستحيل، فالفرح فى غزة لم يعد ترفًا اجتماعيًا، بل فعل مقاومة نفسية وثقافية وإنسانية.

  زفاف جماعي لـ300 عريس وعروس من أبناء غزة وسط الخراب والدمار والركام، فالأمر هنا لا يتعلق بحفل زواج فقط، بل بفلسفة كاملة في مواجهة الموت، وحين يخرج مبتورو الأطراف في ماراثون بعنوان “الركض من أجل الحرية” فإن الرسالة أبعد من مجرد فعالية رمزية، إنها إعلان صريح بأن الجسد قد يُستنزف، لكن الإرادة لا تُبتر، وحين تتبنى مؤسسة إغاثية بعد ذلك  زفافًا جماعيًا آخر ل 35 عريسًا وعروسًا، فإننا لا نكون أمام مناسبات اجتماعية عادية، بل مناسبات تؤكد اننا امام شعب يرفض أن يسمح للحرب بأن تصادر حقه في الفرح، وفي الحب، وفي الاستمرار، وهذه المشاهد المتتالية لا تحتاج إلى كثير من التحليل بقدر ما تحتاج إلى قليل من الضمير وكثير من التأمل .

مشاهد  تقول ببساطة إن الإنسان، حتى وهو محاط بالدمار  والدم، ما زال قادرًا على أن يحلم، وأن يبتسم، وأن يحب، وأن يعلن تمسكه بالحياة ، وتلك ربما واحدة من أكثر الحقائق إيلامًا للاحتلال والمتطرفين الذين يمارسون كل أشكال التوحش والاضطهاد والقتل  والتدمير، وكلها لم تنجح في تحويل الضحية إلى نسخة أخرى من جلادها، وكل ذلك وبكلام بسيط، بل مبسط لا يحتاج إلى تفسير يعني إعلانًا صامتًا بأن الإنسان ما زال قادرًا على التمسك بالحياة رغم كل شيء، إنه انتصار للروح على القهر، ورسالة تقول إن الألم لم ينجح في قتل الأمل، وإن الذين عرفوا الوجع أكثر من غيرهم هم الأقدر أحيانًا على معرفة القيمة الحقيقية للفرح.

هذا يعنى اننا امام شعب يحاول أن يحيا رغم الموت، يقابله من يتفننون في صناعة الموت حتى في تفاصيلهم الخاصة ، شعب يحمل رسائل حب للحياة رغم القصف والفقد والخراب، ومتطرفون يتغذّون على الكراهية والإقصاء والتحريض، ويجدون في الدم مادة للكراهية التى لا تستقر عند نقطة بعينها، ولا تتحكم حتى فى ذاتها، وفي مقدمة هؤلاء  وزير الحرب إيتمار بن غفير  الذى دأب على إنتاج خطابات وممارسات وانتهاكات  تتسم بالتطرف والتوحش، وصل  إلى حدّ تبنّيه قرار  فى الكنيست يقضي بمشروعية إعدام الأسرى الفلسطينيين، وكأن العالم بات أمام محاولة لتشريع القسوة وتحويلها إلى سياسة معلنة.

هنا لا يعود الأمر مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل مواجهة أخلاقية وإنسانية عميقة ، بين شعب يقاوم كي يبقى إنسانًا، ويحتفل بالحياة رغم كل شيء، وبين نوع من البشر يتغذّون على الكراهية، ويرون في الألم مادة للشعبوية والتصفيق ، ولهذا تبدو غزة اليوم أكثر من مدينة منكوبة، إنها مرآة كبرى تكشف الفارق الهائل بين من يجعل الفرح فعل مقاومة، ومن يجعل التوحش عقيدة راسخة، وجعل هذا الوحش موقفًا سياسيًا، والقسوة وسيلة للشهرة والشعبوية، والأسوأ أن القضية هنا ليست مجرد شخص، أو تصريح، أو تصرف عابر، بل ذهنية كاملة تتغذّى على شيطنة الآخر، وتحويل العنف إلى بطولة، والقسوة إلى خطاب انتخابي يحقق التصفيق والمكاسب .

وفي السياق ذاته، يمكن أن نستحضر ذلك التصرف المستفز الذى كشف  إلى أي مدى يمكن أن يفقد الإنسان حسّه الإنساني وأُثير حوله جدل واسع  حين قدمت زوجة بن غفير هدية له مرتبطة بأجواء الحرب والتحريض، وهي كعكة على شكل مشنقة للأسرى الفلسطينيين كُتب عليها “أحلام تتحقق”، مشهد صادم، لأنه عكس كيف يمكن لبعض العقول أن تتعامل مع المأساة بوصفها مناسبة للاحتفاء، لا لحظة تستدعي التوقف أمام معنى الإنسان والإنسانية  والضمير، وهنا يتأكد للعالم أن أخطر ما تفعله الحروب ليس فقط القتل المباشر، بل قدرتها على إنتاج أجيال تتعامل مع الكراهية كأمر طبيعي، بل وكجزء من الهوية السياسية والثقافية.

وهنا تتجلّى المفارقة الإنسانية والأخلاقية العميقة، هناك من يقاوم كي يبقى إنسانًا، وهناك من يفقد إنسانيته وهو يظن نفسه ينتصر، فالإنسان الذي ما زال قادرًا على الفرح، رغم الجراح، هو إنسان لم يُهزم بعد، والفرح في غزة لم يعد ترفًا اجتماعيًا، بل أصبح فعل مقاومة نفسية وثقافية وإنسانية، ولذلك يبدو مشهد غزة أكثر عمقًا مما يظنه البعض، فهؤلاء الذين يفرحون ويرقصون وسط الدمار لا يهربون من الواقع، بل يواجهونه بطريقتهم الخاصة إنهم يقولون للعالم يمكنكم أن تدمّروا البيوت، وأن تُثقِلوا الأرض بالموت، لكنكم لن تهزموا إرادة الحياة، بمعنى أن  الفرح الفلسطيني رسالة معاكسة تمامًا رسالة تقول إن الإنسان لا يُقاس فقط بقدرته على القتال، بل أيضًا بقدرته على الحب، وعلى حماية ما تبقى من روحه وسط هذا الخراب الهائل، والذين احتفلوا في غزة كانوا يقاومون بطريقتهم الخاصة، لا لأنهم لا يعرفون حجم المأساة، بل لأنهم يعرفونه جيدًا، ويرفضون رغم ذلك أن يسمحوا للموت بأن ينتصر على إنسانيتهم أمام من يملكون السلطة والسلاح والدعم، لكنهم فقدوا شيئًا أخطر بكثير، إنسانيتهم.

المؤسف حقا، إننا اصبحنا اليوم في زمن صار فيه القتل يُبرَّر، والكراهية تُسوَّق، والدم يُستثمر سياسيًا وإعلاميًا، وفى مناخات كهذه تبدو غزة — رغم كل جراحها — أكثر إنسانية من كثير ممن يتحدثون باسم الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهنا تكمن المأساة الكبرى لهذا العصر، أن شعبًا يخرج من تحت الأنقاض ليحتفل بالحياة، يبدو أكثر تحضرًا وإنسانية من عالم كامل وقف طويلًا يتفرج على كل الفظائع التى ضربت فى الصميم كل المعاني والقيم الإنسانية وتلك المتعلقة بحقوق الإنسان، وهنا تبرز مفارقة اخرى من المفارقات العديدة التى نشهدها اليوم، مفارقة تتمثل في الفارق الكبير بين الأقوال، والشعارات والأفعال، هنا تتعرى الكلمات من زينتها، ويتحول الفعل وحده إلى معيار الحقيقة، لأن الأوطان والإنسانية لا تُقاسان بما يقال فوق المنابر، بل بما يُمارس حين يصبح الصمت خيانة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا