في كل عام، يأتي عيد الأب في الحادي والعشرين من يونيو ليذكّرنا بالدور العظيم الذي يلعبه الأب في حياة أسرته، ليس فقط باعتباره مصدرًا للرزق أو الحماية، بل بوصفه شريكًا أساسيًا في بناء شخصية الأبناء وتكوين مستقبلهم النفسي والاجتماعي. فالأبوة الحقيقية ليست سلطة تُفرض، وإنما مسؤولية تُمارَس بحب ووعي واحترام، وهي علاقة تقوم على التفاهم والتعاون داخل الأسرة، لا على الأوامر والسيطرة.
يقول الأديب اللبناني جبران خليل جبران: «إن أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة». وهي عبارة تختصر معنى التربية الحقيقي، فالأبناء ليسوا ملكية خاصة لأحد، بل أمانة مشتركة بين الأب والأم، تحتاج إلى الحكمة والرحمة والتوازن في رعايتها. كما قال الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو: «الأب هو أول بطل في حياة ابنه، وأول حب في حياة ابنته»، في إشارة إلى التأثير النفسي والوجداني العميق الذي يتركه الأب في ذاكرة أبنائه.
غير أن مفهوم الأبوة لا يكتمل إلا حين يقوم على الشراكة الحقيقية مع الأم. فمثلما أن الزواج شراكة قائمة على الاحترام والتفاهم، فإن تربية الأبناء أيضًا يجب أن تكون شراكة كاملة في كل شيء: في التربية، والتعليم، واتخاذ القرارات، وحتى في اختيار أسماء الأطفال. فلا يحق لطرف واحد أن يحتكر القرار أو يفرض رأيه منفردًا، لأن الأسرة لا تُبنى بالهيمنة، وإنما بالحوار والتعاون والاحترام المتبادل.
وللأسف، ما زال هناك بعض الأزواج الذين يعتقدون أن من حقهم وحدهم اتخاذ القرارات المتعلقة بالأبناء، فيختارون الاسم، والمدرسة، والأنشطة المستقبلية، دون منح الأم حقها الطبيعي في المشاركة. وهذا السلوك لا ينسجم مع العدالة ولا مع المعنى الحقيقي للأسرة. فالأم ليست شخصًا هامشيًا في حياة الطفل، بل هي التي تحملت التعب الجسدي والنفسي طوال أشهر الحمل، وسهرت الليالي في العناية به منذ لحظاته الأولى. فكيف يمكن بعد كل هذا أن تُهمَّش آراؤها أو تُستبعد من القرارات التي تخص أبناءها؟
والأمر لا يتوقف عند الجانب العاطفي أو التربوي فقط، بل إن كثيرًا من الأمهات اليوم يساهمن ماديًا في إعالة الأسرة، بل قد تتحمل بعضهن أعباءً مالية تفوق ما يتحمله الأب أحيانًا، ومع ذلك تبقى آراؤهن مهمّشة داخل البيت، وكأن دورهن ينتهي عند التضحية والعمل والرعاية فقط، دون أن يكون لهن حق متساوٍ في اتخاذ القرار. إن المرأة التي تشارك في بناء الأسرة نفسيًا وجسديًا وماديًا، تستحق أن تكون شريكة كاملة في رسم مستقبل أبنائها، لا مجرد منفذة لقرارات غيرها.
إن احترام الأم وإشراكها في اتخاذ القرارات لا يقلل من مكانة الأب، بل على العكس، يعكس نضجه ووعيه الحقيقي بمعنى الأبوة والأسرة. فالأطفال الذين ينشؤون في بيت يقوم على التعاون بين الوالدين يكتسبون شعورًا بالأمان والاستقرار، ويتعلمون معنى الاحترام والحوار منذ الصغر. أما حين تتحول العلاقة الأسرية إلى صراع سيطرة وإلغاء لصوت أحد الطرفين، فإن الأبناء غالبًا ما يدفعون الثمن نفسيًا وعاطفيًا.
وقد أشار الأديب الروسي ليو تولستوي إلى أهمية الأسرة المتوازنة حين قال: «أسعد العائلات هي التي يشبه أفرادها بعضهم في المحبة والتفاهم». فالمحبة الحقيقية داخل الأسرة لا تعني أن يختفي أحد الطرفين أو يُلغى صوته، بل تعني أن يشعر كل فرد بأن رأيه مسموع وأن وجوده مقدّر ومحترم.
وفي عيد الأب، لا نحتفل فقط بصورة الأب التقليدية، بل نحتفل بالأب الواعي الذي يساند زوجته، ويحترم تعبها، ويشركها في كل قرار، ويؤمن أن التربية مسؤولية مشتركة لا يمكن أن يحملها طرف واحد وحده. فالأب الناجح ليس من يفرض سلطته، بل من يبني مع زوجته بيئة صحية ومتوازنة لأطفالهما، قائمة على الحب والتفاهم والشراكة الحقيقية.
ختامًا، يبقى عيد الأب مناسبة جميلة للتعبير عن الامتنان لكل أب يحب أبناءه ويحترم شريكته في رحلة التربية. فالأطفال لا يحتاجون إلى أب متسلط أو أم مهمّشة، بل يحتاجون إلى والدين متعاونين، يجمعهما الاحترام والمحبة والعمل المشترك من أجل مستقبل أبنائهما وسعادتهم.


