الأساس المادي للشبح: لماذا يُعيدُ شباب الصين اكتشاف ماو Mao؟

0
7

ترجمة : غريب عوض

Yinhao Zhang ينهاو تشانغ مُحاضر في كلية الصحافة والأتصال بجامعة نانجينغ للمعلمين، وهو مُدير لِحساب شهير على وسائل التواصل الاجتماعي حول النظرية الماركسية وتاريخ الثورة الصينية.

عودة الشبح

شبحٌ يُطاردُ الصين – ماو تسي تونغ. ليست هذهِ الصورة الجامدة للمؤسس الوطني التي نجدها في التاريخ الرسمي للحزب، بل هي فكرة حيةٌ نابِضة أعاد اكتشافها شباب البلاد. إن الدليل على هذا الإنتِعاش غير مُتوقّع وجليٌ في آنٍ واحد، وأبرزُ مظاهِرهِ هي الجامعات الصينية المرموقة، حيثُ تُصّقل القيادات السياسية والأكاديمية والأقتصادية في البلاد.

ولِفهم أهمية هذا التحول، يجب أولاً فهم المناخ الفكري الذي أزاحهُ. فعلى مدى عقود بعد بدء إصلاحات السوق في عام 1978، وعلى الرغم من النظرة الإيجابية المُستمِرة لماو Mao والثورة الثقافية بين العديد من العُمال والفلاحين، كان الموقف السائد تجاه ماو بين الطبقة المُتعلِمة موقِفاً يتسمُ بالشك العميق. أظهرَ إستطلاع رسمي أُجري عام 1993، بالإشتراك بين عدة هيئات بحثية تابعة للحزب والدولة، مؤشِراً واضِحاً على هذا الشعور. فعندما طُلِبَ من المُشاركين تقييم الزعيم ماو Mao، رأى 8% فقط من كِبار المُثقفين أن مزاياه تفوق عيوبه، بينما عارض ذلك 67% منهم. أما بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب الجامعيين، فقد رأى 40% منهم أن عيوبه أكبر، مُتجاوزين نسبة 34% الذين وافقوا على التقييم الرسمي “70% إيجابي، 30% سلبي”. علاوة على ذلك، عندما سَئل هؤلاء النُخب أنفُسِهم عن “الحماس الماوي” وهي الشعبية التي بدأت تظهر آنذاك، رفضتها أغلبية ساحِقة – ما بين 63 و 72% من المُشاركين في الإستطلاع.- واعتبروها “ظاهِرة” غير طبيعية”، ورأوا فيها نتاجاً للجهل الشعبي. وقد ساد هذا الرأي بين النُخبة المُثقفة بعد عام 1978: كان ماو شخصية من الماضي، يُنظر إلى إرثِهِ على أنهُ عائق أمام التحديث.

بِحلول عام 2006، بدأت الأمور تتغيّر. فقد كشف استطلاع رأي أُجري في جامعة Sun Yat-sen، وهي جامعة مرموقة، عن تحوّل جيلي. فبين الطلاب المولودين خِلال فترة الأزدِهار الاقتصادي، تراجع الإجماع الذي ساد عام 1993 بشكل ملحوظ. إذ بات 47% منهم يعتقدون أن مزايا ماو تفوق عيوبه، بينما لم تتجاوز نسبة من يُعارضون ذلك 6%. إلا أن هذا كان بِمثابة إعادة تقييم هادئة، وليس تأييداً كاملاً لِمشروعه السياسي بِرُمتهِ. وظل نفس الطلاب ينتقدون الثورة الثقافية بِشِدة، حيثُ أعتبرها ما يُقارب من 90% منهم سلبية. وبدأوا يَفصلون بين ماو باني الأُمة و ماو الراديكالي المُتَطرّف.

وما كان يُعتَبَر تحولاً تدريجياً، تسارع بشكل ملحوظ مُنذُ عام 2016. وتُقدم بيانات إعارة المكتبات مؤشراً واضحاً وبديهياً. ففي جامعة Tsinghua، أعرق الجامعات الصينية، إنتقلت مُختارات ماو تسي تونغ من عدم وجودها حتى ضمن قائمة أفضل خمسين كِتاباً مُعاراً في عام 2016 إلى تصدُرُها القائمة بحلول عام 2019، وهو المركز الذي حافظت عليهِ سنوياً حتى عام 2024. وهذهِ ليست حالة معزولة، فقد كشف مسحٌ أجرتهُ مُؤسسة MyCOS عام 2020 عن وجود هذا الاتجاه في قوائم الكُتُب العشرة الأكثر إعارة في ثلاثة عشر جامعة من أصل ثمانين جامعة شملها المسح، ومعظمها من الجامعات المرموقة. وبحسب ما تحققتُ منهُ أنا بنفسي من أحدث البيانات المُتاحة، فقد تصدرت مُختارات ماو تسي تونغ قائمة الإعارة السنوية في جميع الجامعات الأربع الكُبرى في الصين عام 2024: تسينغهوا Tsinghua، و بكينغ Peking، و فودان Fudan و شنغهاي جياو تونغ Shanghai Jiao Tong.

والحالة التي تستحق أن نذكرها هنا بصفة خاصة هي جامعة بايهانغ Beihang، وهي إحدى أفضل المؤسسات العلمية والهندسية في الصين. في عام 2020، نشر الحساب الرسمي للجامعة على منصة Douyin (النسخة الصينية من TikTok) قائمة الإعارات السنوية للمكتبة، ما أثارا مئات التعليقات والمُشاركات. وكشفت القائمة أن الكِتاب الأكثر إستعارة هو “مُختارات ماو تسي تونغ القياسية”، يليه المُجلد الخامس. هذهِ المعلومة بالغة الأهمية. فالنسخة الرسمية لما بعد عام 1978 من “مُختارات ماو تسي تونغ” لا تتضمن سوى المُجلدات من الأول إلى الرابع، والتي تضم كتابات ماو قبل عام 1949. أما المُجلد الخامس، الذي تم جمعه خلال الثورة الثقافية، ونُشِرَ في عام 1977، فيُغطي الفترة من 1949 إلى 1957. إلا إنهُ مُنِعَ فعلياً بعد عام 1978 بسبب مُحتواه الراديكالي وأنتقاده المُباشر لدينغ شياو بينغ Deng Xiaoping، ما جعلهُ كتاباً محظوراً بحكم الأمر الواقع. يُعد هذا النص نادِراً، ولا يتوفر في معظم مكتبات الجامعات. لذا، فإن سعي الطلاب الحثيث للحصول على هذا المُجلد يُشيرُ إلى أنهم يتعمدون دراسة المرحلة الأكثر راديكالية تطرُفاً في فكر ماو.

بدأت التقارير حول هذا التوجه بالظهور في وسائل الإعلام الغربية، إلا أن تحليلاتها غالباً ما تُخطئ في تشخيص جذوره. يميل التفسير السائد إلى عزوه إلى حملة أيديولوجية مركزية من الدولة. ويربط مقال أكثر تعمقاً في صحيفة نيويورك تايمز هذا التوجه بتفاقم عدم المساواة في الثروة، لكنهُ يُصور التوجه نحو ماو بصورة سلبية في المقام الأول. فقد صاغ المقال كلمات ماو كمُبرر لتنامي الإستياء غير المنطقي تجاه الأثرياء خلال فترات الركود الأقتصادي. لكن ما تغفلهُ هذهِ التفسيرات هو العُنصر الأهم: أن طليعة هذا “التوجه الماوي” تتألف من طلاب وخريجين حديثين من أفضل الجامعات الصينية.

هؤلاء الطلاب غير واثقين عموماً بالدعاية الرسمية. فلديهم إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من المعلومات، من داخل الصين وخارِجُها، والكثير منهم مُدربون على التفكير النقدي. إن توجهُهُم نحو ماو ليس نتيجة تلقين أو إستياء غير مُبَرَر، بل هو خيار فكري وسياسي واعٍ. ويتجلى الطابع التلقائي لهذا التوجه، الناشئ من داخل هذهِ المجموعة المُتعلِمة، بوضوح في اصطدامه بالمنصات الرقمية الصينية ذات الميول الليبرالية. وعلى موقع Zhihu، وهو مُنتدى شائع بين هذهِ الفِئة تحديداً، سُرعان ما امتلأ سؤال، طُرِحَ عام 2017 بِعنوان “من هي أعظمُ شخصية صينية في التاريخ؟” بإجابات تُشيدُ بماو. إلا أن هذا الأنتشار الواسع للآراء أصطدم مُباشرةً بِمالِكي المنصة. فمؤسِسوها كانوا شخصيات من الأوساط الإعلامية الليبرالية في الصين، وهي مؤسسة هيمنت قناعاتها المؤيدة للسوق والغرب، والمُعادية لماو بِشدة على المشهد الفكري في البلاد مُنذُ ثمانينيات القرن الماضي. لم يُشجعوا هذا التوجه، بل على العكس، قمعوه بنشاط، فحذفوا العديد من الإجابات التي حَظيت بأعلى الأصوات، وأغلقوا في نهاية المطاف سلسلة الأسئلة بِأكملها. يُظهِر هذا النمط من الإنتشار الشعبي الذي أعقبه قمع المنصة أن “الحماس الماوي” ليس نتاج سيطرة مركزية، بل حركة نشأت وأستمرت بِمَعّزل عن توجيهات الدولة.

إن الرحلة من الانتقادات الواسعة النطاق في التسعينيات إلى إعادة التقييم الهادئة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والآن إلى الدراسة المتحمسة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تُمثّل تحولاً أيديولوجياً عميقاً.

البصمة الرقمية لـ “الشبح”: كيف ظهر “المُعلم” على الشبكة العنكبوتية

لم يقتصر “الحماس الماوي” على حرم الجامعات؛ بل إن جبهتهُ الأكثر حيويةٌ وإثارةً للجدل تكمنُ في الفضاء الرقمي العام في الصين. تُظهِرُ المقاييس المُستقاة من المنصات الإلكترونية هذا التحول الأيديولوجي وهو يَتَكَشّف في الوقت الفعلي، كاشِفةٌ ليس فقط نِطاقه، بل أيضاً عن الطُرُق الإبداعية، والتي غالباً ما تكون صِدامية، التي ينتشر بِها.

تكشفُ بيانات مُحركات البحث عن صورة واضحة. ففي Baidu، مُحرك البحث الصيني الرائد، تُعتَبَر مُصطلحات مثل “ماو تسي تونغ” أو “الرئيس ماو” حساسة سياسياً للغاية بحيثُ لا تُعرض بيانات البحث العامة عنها. ومع ذلك، يتوفر مُصطلح “ماو شوان Mao Xuan (مُختارات من أعمال ماو)، ويُظهِر مسارهُ تغيراً ملحوظاً في الاهتمام بهِ. قبل عام 2016، استقر مؤشر البحث عنهُ عند مُستوى مُنخفض وثابت. بعد ذلك، بدأ في الارتفاع تدريجياً، ومُنذُ عام 2019، شَهِدَ إرتفاعاً هائلاً، وأستقرَ عندَ مُستوى أعلى بأربع مرات تقريباً من مُستواه قبل عام 2016.

من أبرزُ نتائج هذا الحراك الفكري إبتكار لغوي. فبينما لا يزال الكثيرون يستخدمون لقب “الرئيس” بشكل تقليدي، يستخدم جيل جديد على الأنترنت الآن مُصطلح Jiaoyuan، أو “المُعلم” على نِطاق واسع كبديل مُحبب ومُبجّل لِماو. وقد أصبح هذا المُصطلح مُرادِفاً لهُ لِدرجة أنهُ إذا ذكرت “المُعلم” لِطالب جامعي اليوم، فسيعرف الكثيرون تلقائياً أنك تُشيرُ إلى ماو. لهذا المُصطلح تاريخ مُتجذّر في كلٌ من الإحترام والمُقاومة. فماو Mao نفسه، عندما كان ينتقد ألقاب “العُظماء الأربعة” التي مُنِحت لهُ خلال الثورة الثقافية، قال إنهُ يُفضّل لقباً واحِداً فقط: “المُعلّم”. بالنسبة لشباب اليوم، يُعدْ هذا المُصطلح مِثالياً، إذ يضع ماو في دور المُرشِد في نضالهم.

بِصِفتي مُديراً لِحساب عام شهير على منصة WeChat، ربما كُنتُ من أوائل من استخدموا هذا المُصطلح بكثرة على الأنترنت. في عام 2017 تقريباً، وأثناء كتابتي لسلسلة مقالات عن ماو، واجهت صعوبة مع خوارزميات الرقابة على المنصة. ففي البيئة الرقمية الصينية، تُعتبر مُصطلحات مثل ماو تسي تونغ حساسة سياسياً؛ إذ يُمكن أن يؤدي الإفراط في استخدامها في مقالٌ ما إلى مُراجعتهِ آلياً، ما يمنع نشره. وبعد تجربة عدة أسماء بديلة لم تُرضي جميع القُراء، برز مُصطلح “المُعلم” كحلٍ مِثالي. كان هذا لقباً تبناه ماو نفسه، وعمل على تحييد الإنتقادات المُحتملة مع تجاوز الرقابة. ولاقي المُصطلح صداً واسعاً، وسُرعان ما رأيت حِسابات أُخرى أكبر بكثير تتبناه. لقد عكس هذا المُصطلح نظرة هذا الجيل إلى ماو: ليس كرمزٌ بعيد، بل كمُعلّم يُقدم الأدوات اللازمة لفهم العالم. إن الارتفاع الفلكي لكلمة Jiaoyuan في مؤشر البحث الخاص بـ WeChat – حيثُ وصلت إلى ذروتها عند 35 مليون في ذكرى عيد ميلاده في عام 2021، ثم ارتفعت إلى مُستوى تاريخي بلغ 139 مليون في 8 أبريل/نيسان 2024 – يوضح مدى انتشار هذا المُصطلح في القاعدة الشعبية.

أدى هذا الزخم الرقمي إلى صِراع مع إدارة المنصة، كما نُقِشَ عام 2017 على منصة Zhihu. هُناك، سأل أحد المُستخدِمين: “من هو أعظم شخصية في تاريخ الصين؟” في البداية، تضمنت الإجابات الشائِعة شخصيات مثل كونفوشيوس، وتشين شي هوانغ (أول إمبراطور للصين)، و يوان لونغ بينغ، (“أبو الأرز الهجين”)، وماو تسي تونغ، مصحوبةٌ كُلٌ منها بتفسيرات مُفصّلة. لكن سُرعان ما هيمنت الإجابات المؤيدة لماو: فقد حصدت المنشورات الأعلى تصويتاً، بالإضافة إلى معظم المُشاركات الجديدة، اسم ماو. وأظهرت الإحصائيات أن أكثر من نصف المُستخدِمين أيدوه. أثارَ هذا استياء مُديري المنصة، الذين سارعوا إلى إغلاق الموضوع بِحجةٌ واهية مَفادها أنهُ “سؤال تصويت يفتقر إلى العُمق”. في عام 2020، ومع تصاعد موجة الإعجاب بمو، أجتذب سؤالٌ مُماثل أكثر من خمسة آلاف إجابة، حيثُ ذكرت جميع الإجابات التي حَصَدَت أعلى الأصوات تقريباً – تلك التي نالت آلافاً أو عشرات الآلاف من الأصوات – إسم ماو. وفي العديد من هذهِ الإجابات، أسهب المُستخدِمون في الحديث عن إسهاماتهِ الجليلة: تأسيس دولة ذات سيادة ، ودفع عجلة التصنيع، ومُحاربة الإمبريالية والأستعمار، والنهوض بتحرير المرأة، ونشر التعليم على نطاق واسع، ومُكافحة البيروقراطية، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية. رداً على ذلك، قام مُشرِفو المنصة، تماشياً مع ميول النُخبة الإعلامية الصينية المؤيدة للغرب الرأسمالي والمُعادية لمو، بِحذف العديد من هذهِ الإجابات الشائِعة. واليوم رغم الرقابة الشديدة، لا يزال الموضوع قائماً، وإجاباتهِ التي حصدت أعلى الأصوات تقول بِبساطة: “يقول الشعب أنهُ هو؛ ويقول هو أنهُ الشعب”. كلُ مُستخدم يعرف من هو “هو

يُوضّح هذا التسلسل من الأحداث أن “الحماس الماوي” ليس ظاهِرة تُديرها الدولة. في الواقع تتعرض الحركة لضغوط من جهتين. فالدولة لاتزال حذِرة من أي نِقاش غير مُقيّد حول ماو، لا سيما فيما يتعلق بِأفكاره الأكثر راديكالية التي ظهرت بعد عام 1949 والثورة الثقافية. في الوقت نفسه، تُعارض النُخب الإعلامية الليبرالية الموالية للغرب، التي تمتلك وتُدير هذهِ المنصات الخاصة، ماو أيديولوجياً، وتستخدم “الحساسية السياسية” كذريعة مُلائمة لإسكات المشاعر المؤيدة لماو. ويُشيرُ هذا إلى أن الوضع أكثر تعقيداً: تيار أيديولوجي قوي وعفوي ينبع من القاعدة الشعبية، ويصطدم بقوة مع الأجماع الليبرالي ما بعد الإصلاح – وهو رؤية للعالم رفضت السياسة الثورية وتبنت إصلاحات السوق وقيمها على النمط الغربي. يتجه الشباب المتعلم إلى ماو ليس لأنهم مُجبرون على ذلك، بل لأن أفكارهُ تُقدم لغةٌ للتعبير عن استيائهم من النظام الذي تُمثلهُ هذهِ المؤسسة.

عودة المادة: لماذا ماو، لماذا الآن؟

لماذا ماو، و لماذا الآن؟ لا يكمن الجواب في تحوّلٌ مُفاجئ في الذوق الثقافي، بل في تغيير جذري في الواقع المادي للصين. لأكثر من ثلاثة عقود، انطلقت البلاد بفضل عقد اجتماعي قائمٌ على وعدٌ بسيط: النمو الاقتصادي السريع سيرفع مُستوى معيشة الجميع. وطالما استمر النمو الاقتصادي، أمكن التغاضي عن مشاكل مُتجذِرة كالتفاوت الاجتماعي والأستغلال. لكن ذلك العصر قد ولى. و”الحماس الماوي” هو نتيجة مُباشِرة لإنهيار هذا الوعد.

شهِدَ عام 2015 نقطة تحول حاسِمة. فَلِلمرة الأولى مُنذُ العام 1990، انخفض مُعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي للصين إلى ما دون عتبة الـ 7% الحَرِجة، مما مثّل نهاية حقبة النمو السريع. لم يكُن هذا التباطؤ الاقتصادي مُجرد إحصائية، بل كان بِمثابة توقف تام. وبدأت التوترات الاجتماعية التي كانت مخفية وراء النمو المٌتواصل، بالضهور بوضوح صادم.

إن هذا التباطؤ الاقتصادي المُجرد، بالنسبة للشباب في الصين اليوم، يُترجم إلى أزمة شخصية ملموسة. أصبح وعد الحراك الاجتماعي من خلال التعليم والعمل الجاد – حجر الزاوية في حلم عصر الإصلاح – أشبه بِنكتة قاسية. فهم الجيل الأكثر تعليماً في تاريخ الصين، ومع ذلك يواجهون سوق عمل شَرِساً. أصبح مُصطلح (neijuan) “التراجُع” شائعاً لوصف الشعور بالوقوع في فخ مُنافسة محمومة على مُكافئات راكِدة، مُحَصِلتها صفر. وكشفت حركة “الاستلقاء” (tangping)، وهي احتجاج سلمي على الإنخراط في سباق الحياة المحموم، عن شعور بخيبة الأمل واسع النِطاق.

وهذا الشعور يتجاوز مُجرد الحكايات، إذ يجدُ دعماً لهُ في إحصاءات قاتِمة. ففي يونيو/حزيران 2023، بلغ مُعدل البطالة الرسمي في المُدُن بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 إلى 24 عاماً مُستوىً قياسياً بلغ 21.3%. وحتى هذا الرقم المُقلق يُعتقد على نطاق واسع أنهُ أقل من الواقع، حيثُ تم تخفيضهُ عمداً عبر أساليب إحصائية مُختلِفة. وأصبحت التقارير الإخبارية عن خريجي الجامعات المرموقة العاطلين عن العمل أو الذين يُجبَرون على العمل في وظائف خَدمية مُتدنية الأجر أمراً شائِعاً. وقد تفاقم الوضع لدرجة أن الحكومة علّقت مؤقتاً نشر هذهِ البيانات. الجيل الذي كان من المُفترض أن يكون المُستفيد الرئيس من اقتصاد السوق الصيني، أصبح بدلاً من ذلك أول ضحاياه الرئيسيين. فَهُم يجدون أنفُسُهم جيشاً احتياطياً ضخماً من العمالة، يواجهون ضغوطاً هائِلة، ووظائف غير مُستقِرة، وشعوراً عميقاً بالأغتِراب.

في هذا السياق من الوعود الكاذِبة والأزمة النظامية، لجأوا إلى ماو. إنهم لا يبحثون عن بطل فحسب، بل عن تفسير. يُوفر لهم تحليل ماو للطبقية والاستغلال والتناقض الاجتماعي إطاراً قوياً لفهم واقعهم المَعيش، وهو واقع لم يعُد بإمكان السردية الرسمية للتنمية المُتناغمة تفسيره.

تفاقمت الأزمة الاقتصادية بفعل أزمة اجتماعية. فمع تضاؤل آفاق الشباب العادي، بات من المُستحيل تجاهل مظاهر التباهي الصارِخة بالإمتيازات التي تُمارُسها النُخبة الصينية الجديدة. وقد كشفت سِلسلة من الفضائح البارِزة، التي انتشرت كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي، عن الواقع المرير للتفاوت الطبقي. وبدلاً من اعتبارها حوادث معزولة، ينظر إليها الرأي العام كدليل على وجود طبقة حاكمة جديدة تتصرف دون رادع.

في عام 2020، أثارت امرأة شابة غضباً شعبياً واسعاً بقيادتها سيارتها المرسيدس الفاخِرة إلى داخل المدينة المُحَرَمة، وهي رمزٌ وطنيٌ محمي، ونشرها صوراً على الأنترنت. وتم الكشف لاحقاً عن أنها زوجة إبن عائلة ارستُقراطية. وفي عام 2023، تفاخرت مُستخدمة تُلقّب بـ Beiji Nianyu (سمك السلور القُطبي)، وهي حفيدة مسؤول نقل مُتقاعد، بوقاحة على مواقع التواصل الاجتماعي بإيداع عائلتها البنكي الضخم، مُدعية أنها هاجرت إلى أُستراليا وأن هذا المال هو أرباح جدها غير المشروعة، التي جناها من تجارة الخضروات المحلية. وزادت الطين بَلة بإهانتها لِمن لا يزالون في الصين باستخدام مُصطلح zhina “جينا” المُهين، وهو مُصطلح شديد الازدراء أستخدمهُ الفاشيون اليابانيون. وكشفت فضيحة عام 2024 في أحد مُستشفيات بكين الكُبرى، والتي اندلعت بسبب خطأ جِراحي، عن فساد أعمق في امتيازات النُخبة. تمحورت القضية حول طبيبة شابة، من مواليد 1997، التحقت بِبرنامج الدكتوراه الطبية الأبرز في الصين مُباشرةً بعد حصولها على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من الولايات المتحدة. كان قبولها من خلال برنامج “4+4” الخاص – وهو في الواقع قناة حصرية لإصحاب النفوذ – ولم يكن تعيينها اللاحق في المُستشفى مُتوافقاً حتى مع مجال دِراستها للدكتوراه. كلُ فضيحة جديدة، من حفل زفاف باذخ لِحفيدة أحد قادة الثورة في معبد الأجداد الإمبراطوري إلى حكايات المحسوبية التي لا تنتهي، ترسم صورة لمجتمع تُطبّق فيه القوانين على العوام من الناس.

بالنسبة لأي قارئ لِكتابات ماو اليوم، تبدو غطرسة النُخبة الصارِخة وكأنها تجسيدٌ حي لِنظرياتهِ. بالنسبة لجيل يُكافح البطالة والتراجع، تبدو هذهِ القصص أقرب إلى تجسيد واقعي لما أسماه ماو “الرأسماليين البيروقراطيين” و “المُراجعين.” إن اللغة التي استخدمها قبل عقود للتحذير من ظهور طبقة استغلالية جديدة داخل الحزب والدولة، باتت اليوم ذات صِلة مُعاصِرة غريبة. فجأةً، تبدو انتقاداتهِ للأمتياز والفساد وانفصال النُخب عن الجماهير أقرب إلى وصف لما يحدث الآن، منها إلى شيء من زمنٌ مضى.

وقد أدى ذلك إلى إعادة تفكير عميقٌة ومُعقّدة في التاريخ، وفي الثورة الثقافية على نحوٍ خاص. فعلى مدى عقود، كان الإجماع الرسمي والفكري هو إدانتها باعتبارها عقداً من الفوضى والكوارث، وهو رأي تبناه الشباب إلى حدٌ كبير. ولكن الواقع الراهن فَرَضَ سؤالاً جوهرياً على الملأ: إذا كانت نُخب اليوم فاسدة ومُنفصِلة عن الواقع إلى هذا الحد، فكيف يُعقل أن يكون أسلافهم – كِبار المسؤولين والمُثقفين الذين ظهروا أثناء الثورة الثقافية، ثم أُعيد تأهيلهم كضحايا أبرياء – قديسين أبرياء؟

يُمثّلُ هذا السؤال نقطة تحوّل حاسِمة في سردية التاريخ ما بعد ماو. بدأ الشباب في تفكيك الرواية الرسمية. وبينما لا يؤيدون بالضرورة العُنف أو الفوضى التي سادت تلك الحقبة، فإنهم يعيدون اكتشاف هدفها المُعلن: تحدي السُلطة الراسِخة، ومكافحة البيروقراطية، ومنع ذلك النوع من التصلب الطبقي الذي يرونهُ من حولهم. لقد بدأوا ينظرون إلى الثورة الثقافية من منظور نواياها بإعتبارها نِضالاً ضرورياً ضد الطبقة الحاكمة الجديدة التي حَذَرَ مِنها ماو. بالنسبةِ لهم، أصبحت الثورة الثقافية مُجرد حَلَقة من الماضي تُرَدِدُ صدى الصِراعات التي يشهدونها الآن.

هُنا تكمنُ مُفارقة مُثيرةٌ للأهتمام. فالجيل نفسهُ من الشباب الصيني، الذي يُعاني أشد المُعاناة من إخفاقات نِظام السوق، والذي ينتقد بِشدة النخبة المحلية الجديدة، يُعتبر على نِطاق واسع الجيل الأكثر وطنية وولاءً للحزب مُنذُ بداية عصر الإصلاح. وكثيراً ما يُطلق عليهم بإزدراء لقب Little Pinks “الورديون الصِغار” (شياو فينهونغ) من قِبل النُخب الليبرالية الصينية الموالية للغرب، لِما يُنظر إليهِ على أنهُ نزعة قومية غير عقلانية. لكن هذا اللقب يُغفل التعقيد. فهم يُدرِكون تماماً عيوب بلادهم الداخلية، ومع ذلك، في عصر عدم الاستقرار العالمي وتراجُع الغرب الرأسمالي، يرون أيضاً أن النظام الصيني مَرِن، بل ومُتفوق في نواحٍ عديدة. لقد شَاهدوا بِأم أعينهم قدرة الدولة على انتشال مئات الملايين من براثن الفقر، وتنفيذ مشاريع ضخمة لإصلاح البيئة، وتحقيق اختراقات تكنولوجية مُذهِلة. وهذا يقودنا إلى المُحرِك الثاني، الذي لا يقل قوة، والذي يُغذي “الحماس الماوي“: مزيجٌ قوي من القومية ومُعاداة الإمبريالية.

بالنسبة لشباب اليوم، لا يوجد تناقض في إلقاء اللوم على نُخبة عصر السوق في معاناتهم الشخصية، وفي الوقت نفسه ينسبون قوة الأمة إلى الإرث الإشتراكي. فهم يرون صِلة مُباشِرة بينهما. ويَعزون الإنجازات التكنولوجية الأخيرة للصين في مجالات الفضاء، واسكك الحديدية الفائقة السرعة، والإتصالات، إلى المبادئ الأساسية التي أرساها ماو: الأعتماد على الذات والإبتكار المُستقل. ويُقارنون ذلك بشكل حاد مع حقبتي الثمانينيات والتسعينيات، حين كانت الإستراتيجية السائدة تتلخص في عِبارة “zao buru mai, mai buru zu” (أي إنهُ عندما يتعلق الأمر بالتقنيات المُتطوّرة والمنتجات المُتقدمة، فإن التطوير المحلي غالباً ما يكون أقلُ فاعلية من الإستيراد، والإستيراد أقل فائدة من التأجير)، مما أدى إلى تراجع البحث والتطوير المحليين، وإلى تبعية خطيرة للغرب. وتُعتَبَر مُعانات صناعات مثل أشباه المُوَصَلات، والطائرات التجارية، التي عانت من هذا الأعتماد وأُستُهدِفت لاحقاً بالعقوبات الأمريكية، بمثابة دروس تحذيرية. ففي الرواية الشائعة بين الشباب، يُعَد كُلُ نجاح حديث دليلاً على صِحة إصرار ماو على الإستقلال الذاتي، وكل انتكاسة هي نتيجة للإنحراف عن ذاك الطريق.

هذا الإعتقاد يُحوّل ماو من مُحارب طبقي محلي إلى بطل وطني رسّخَ سيادة الصين في مواجهة الصِعاب الهائِلة. لم تَعُد قصص الحرب الكورية، حيثُ خاضت أُمةٌ حديثة التأسيس وفقيرة معركةٌ شَرِسة ضد الولايات المتحدة، أو تطوير القنبلة الذرية رغم سحب دعم الإتحاد السوفيتي، مُجرد حِكايات بعيدة. بل أصبحت أساطير محورية لِجيلٍ يرى نفسه عالقاً في “حرب طويلة الأمد” جديدة مع الولايات المتحدة. هذا ليس شعورٌ مُجرد، بل هو قوة تفاعلية فورية.

حَدَث مِثالٌ لافِتٌ في 8 أبريل/نبسان عام 2024، حيثُ أرتفع مؤشر WeChat لـ Jiaoyuan (المُعلم) إلى مُستوى غير مسبوق بلغ 139 مليوناً، حتى دون مُناسبة رسمية مُرتبِطة بماو. وكان السبب هو المواجهة العلنية بين واشنطن وبكين بشأن الرسوم الجُمركية. ومع انتشار خبر فرض الولايات المتحدة رسوماً جُمركية بنسبة 104% على البضائع الصينية، إشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي الصينية. لم يكُن رد الفعل ذُعراً، بل كان تحوّل جماعي مُتحدٍ نحو ماو. إنتشرت مقاطع فيديو لِخطابهِ الذي القاه عام 1953 حول الحرب الكورية، والذي أعلن فيه أن الولايات المتحدة هي من يُقرر مُدة الحرب – “طالما أرادوا القتال، سنُقاتل، حتى لحظة النصر الكامل”- وتمت إعادة مزجها ومُشاركتها ملايين المرات. وأستشهد المُستخدِمون بِوصفهِ الشهير للإمبريالية الأمريكية بأنها “نمرٌ من ورق“. كما غمرت المقالات ومقاطع الفيديو التي تتناول موضوعات مقالتهِ “حول الحرب المُطولة” منصات التواصل الاجتماعي. لِعدة أيام، عُقِدت مُقارنات مُباشِرة بين الحرب التجارية والنضالات المُناهِضة للإمبريالية في الماضي.

إن هذا الحماس الوطني ليس شوفينية (تعصب أعمى ووطنية مُفرِطة). بل هو تعبير جماهيري عن وعي مُناهض للإمبريالية، تَشَكّلَ في سياق الحرب البارِدة الجديدة التي قادتها الولايات المتحدة ضد الصين. فعندما اضطرت واشنطُن إلى مواجهة حقيقية أن الصين ستسعى لتحقيق مشروعها السيادي بدلاً من الإندماج في النظام الإمبريالي الذي يقودهُ الغرب، شنت، أي أمريكا، حملةٌ مُتصاعِدة لتقييد نمو الصين. وفي خُضُم هذا الصِراع أصبح ماو رمزاً بارِزاً لدولة من دول الجنوب العالمي التي نجحت في مُقاومة الضغوط الإمبريالية. يُقدم إرث ماو سردية قوية مُضادة للرواية الغربية المركزية للعولمة، فهو يُمثّل إمكانية وجود مسار بديل نحو الحداثة، مسار لا يَتَطلّب الخضوع للإملاءات الاقتصادية والسياسية لواشنطن.

في عصر يتسم بتصاعد حِدة التنافس الإستراتيجي، يتردد صدى تحدي ماو مع رغبة جيلٌ جديد في الكرامة الوطنية والعدالة العالمية. إن الدافعين الرئيسيين وراء “الحماس الماوي“- النقد الداخلي لعدم المُساواة الطَبَقية والمُقاومة الخارجية للإمبريالية – ليس تيارين مُنفصلين. إنهُما وجهان لعُملة واحدة. بالنسبة للعديد من الشباب الصيني، لا ينظر إلى النُخبة المحلية الجديدة على أنها طبقة استغلالية فحسب، بل على أنها طبقة عميلة، مُتوافقة أيديولوجياً وأحياناً اقتصادياً مع المصالح الغربية. لِذا، يُنظر إلى النِضال من أجل العدالة الاجتماعية في الداخل، والنضال من أجل السيادة الوطنية في الخارج على أنهما معركةٌ واحدة. ويُقدّمُ ماو، بِصِفتِهِ الزعيم الثوري الذي تحدّى عدم المُساواة الداخلية والزعيم الوطني الذي تصدّى للقوى الأجنبية، الرمز الأمثل والمُوحّد لهذا النِضال المُزدوج.

أوجهُ ماو المُتعدِدة: المُرشِد الثوري وخبير التنمية الذاتية

إن عودة الماوية بين شباب الصين ليست مُتجانِسة على الإطلاق. فبينما ينجذب الكثيرون إلى ماو باعتبارهِ مُرشِداً ثورياً، مُستخدمين نظرياتهِ حول الصِراع الطبقي ومناهضة الإمبريالية لفهم الظُلم الاجتماعي والنظام العالمي غير المُتكافئ، ويتجه إليه آخرون لأسباب شخصية، وربما أكثر تناقضاً. فبالنسبة لهذهِ الفئة الأخيرة، لا يُعدْ ماو في المقام الأول دليلاً لتغيير العالم، بل مُرشِداً للتنقُل فيه. وقد أدى هذا إلى ظهور أتجاهٌ غريب وواسع الإنتِشار: قِراءة مُختارات ماو كدليل للنجاح الشخصي والمرونة النفسية.

يُجرد هذا النهج فِكر ماو من غايتهِ الجماعية الثورية، ويُعيدُ صِياغتهِ كأداة للتقدم الفردي في سوق شديدة التنافسية. وعلى منصات التواصل الاجتماعي مثل Bilibili و Douyin، ينتشرُ نوع ٌ شائع من المُحتوى يُقدم شخصيات مؤثِرة تشرحُ كيفية تطبيق مبادئ ماو الاستراتيجية – من “حول الحرب المحمية” إلى “تحليل الطبقات في المجتمع الصيني” – على سياسات المكاتب، والتخطيط الوظيفي، والمُفاوضات التجارية، وحتى العِلاقات العاطفية. لم يَعُد الهدف هو تحديد الطبقة المُستغَلة والتخلص منها، بل تَعَلّم كيفية التغلب على مدير صعبُ المراس، وكسب وُدُ عميل، أو الحصول على ترقية. إنهُ تعبير عن الإغتراب: فالنظرية الثورية البمُصَممه لتفكيك نظام الإستغلال تُوَظّف لمُساعدة الأفراد على الإرتِقاء داخل هذا النظام نفسه. هذا التمسك المُتناقض بماو يكشفُ عن الضغط الهائل الذي يواجههُ الشباب؛ فعندما يبدو تغيير المجتمع مُستحيلاً، يُصبِح الخيار الوحيد المُتبقي هو تحسين فُرَص البقاء على قيد الحياة.

يتجاوز هذا التركيز على الكفاح الفردي مُجرد تقديم النصائح العملية، ليُظهر افتِتاناً عميقاً بِقصة ماو الشخصية. فإلى جانب مُختارات أعماله، تحتل سرديته الذاتية باستمرار مراكز مُتقدِمة في سِجلات استعارة المكتبات الجامعية وقوائم الكُتُب الأكثر مبيعاً على مواقع التجارة الألكترونية. ينجذب الشباب إلى قصة ماو بِوصفِهِ “بطلاً وحيداً”، شخصية واجهت مِراراً وتَكراراً مصاعب جمة، لكنها ثابرت بفضل إرادتها القوية وتفاؤلها. يجدون إلهاماً كبيراً في سنواته الأولى، ولاسيما في رِواياتهِ الشخصية عن الكِفاح والفقر. وكثيراً ما يُقتبس مقطع من كٍتاب “النجم الأحمر فوق الصين” للصُحفي الأمريكي Edgar Snow ويُتداول بين شباب المُدُن، لأنهُ يُلامس تجاربهم الشخصية في مُحاولة تحقيق النجاح في المدينة الكبيرة:

كانت ظروف حياتي الخاصة في بكين في غية التعاسة … كُنت أسكنُ في مكان يُسمى San Yen-ching [بئر ثلاث عيون]، في غُرفة صغيرة وكُنا سبعة أشخاص فيها. عندما كُنا جميعاَ مُكتظين على متن السفينة، لم يكن هُناك مُتسع كافٍ لأي منا ليتنفس … ولكن في الحدائق وأراضي القصر القديم رأيتُ ربيع الشمال المُبكر، ورأيتُ أزهار البرقوق البيضاء تتفتح بينما كان الجليد لا يزالُ مُتماسكاً فوق بحر الشمال … أثارت أشجار بكين التي لا تُعد ولا تُحصى دهشتي وإعجابي.

بالنسبة لِخِريج شاب يعيش في شقة صغيرة مُشتركة في بكين أو شنغهاي، تُشكّل صورة ماو الشاب وهو يجد الجمال والعزيمة وسط المصاعب مصدراً قوياً للعزاء. فهي تُخبِرهُ أن مُعاناته ليست فريدة، وأن حتى أعظم الشخصيات قد مرت بتجارب مُماثِلة. رِحلة ماو من مُساعد أمين مكتبة فقير إلى قائد أُمة تُصبِح قِصةٌ مُلهِمة في تطوير الذات. إنها تُقدمُ رسالة أمل قوية، لكنها أمل موجّه نحو الذات، مُركّز على التحمُل الفردي بدلاً من العمل الجماعي.

وهكذا، ينطوي “الحماس الماوي” على توتر جوهري لم يُحسم بعد. فهو في آن واحد صحوة سياسية وشكل من أشكال الإعتماد على الذات، نقد جماعي وآلية فردية للتكيّف. هذهِ الإزدواجية هي أصدق انعكاس لِحالة الشباب الصيني اليوم. فهم يتمتعون بوعي سياسي كافٍ لإدراك أن صِراعاتهم الشخصية – المُنافسة الدائمة، والوظائف غيرُ المُستقِرة، وتكاليف المعيشة الباهِظة – ليست إخفاقات فردية، بل هي أعراض لِبُنية اجتماعية مُعيبة. ومع ذلك، فإن احتمال تغيير هذهِ البُنية الضخمة والجامِدة يبدو عملاً شاقاً، وبعيد المنال، ومحفوفاً بالمخاطر. وفي مواجهة الحاجة المُلحة للبقاء على قيد الحياة، يتراجع الكثيرون عن مشروع التحول الاجتماعي العظيم إلى مُهمة التقدم الشخصي الأكثر سهولة. يلجأون إلى أقوى أدوات التحرر الجماعي، ويُعيدون توظيفها كوسائل للصمود الفردي. لقد أُعيدت صياغة صورة الثوري كمُرشِد للحياة، ليس لأن رِسالتهِ السياسية قد نُسيت، بل لأن الحاجة المُلِحة للبقاء على قيد الحياة في نظامٌ قاسٍ غالباً ما تُطغى على الأهداف السياسية الأسمى.

الخاتمة: مُستقبل شبح، جدول أعمال لم ينتهي

إن شبح ماو الذي يُخيّم على الصين اليوم ليس مُجرد ذِكرى من الماضي، بل هو مرآة تعكسُ حاضر البلاد. إن عودة الاهتمام بِحياتهِ وإرثه بين شباب الأُمة ليس مُجرد ظاهرةٌ عابِرة، بل هو عرضٌ سياسي عميق، نابع مُباشرةً من التناقُضات المُتفاقِمة والمُتزايدة للنظام الاجتماعي الصيني ما بعد الإصلاح. فمع انحسار عصر النمو السريع، كَشَفَ اقتصاد سوق الليبرالية الجديدة عن تكاليفه الباهِظة: تفاوت صارخ، وامتيازات طبقية راسِخة، وشعور عام بالهشاشة لدى جيلٌ وُعِدَ بِمُستقبلٌ مُزدهِر. و”الحماس الماوي” هو الإستجابة الأيديولوجية لهذا الواقع المادي.

تحمل هذهِ الحركة إمكانات هائلة، وإن كانت مُتناقِضة. تكمن قوتها الأكبر في إعادة تركيزها على تحليل الطبقات الاجتماعية. إنها تُمثل تحدياً مُباشراً للإجماع الليبرالي السائد خلال الأربعين عاماً الماضية، والذي سعى إلى “توديع الثورة” لِصالح البراغماتية القائمة على السوق والاندماج في النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. جيلٌ جديد يُعيد تعلم لُغة سياسية تمكنهُ من تحديد مصادر اغترابه وسَخطه. وهذا يُشكّل قوة سياسية ناشئة، وربما مُزَعزِعة، أظهرت بالفعل قدرتها على النمو بشكل طبيعي، حتى في مواجهة الرقابة والرفض الرسمي.

ومع ذلك، فإن الحركة محفوفة أيضاً بقيود تُخفف من وعودها الثورية. فمشاعرها القومية والمُناهِضة للإمبريالية القوية، وإن كانت تعبيراً صادقاً عن الرغبة في السيادة، يمكن للحكومة استغلالها بسهولة لتبرير نفسها، مما قد يُضعف حِدة نقدها الطبقي الداخلي. علاوة على ذلك، فإن الميل إلى تحويل تعاليم ماو إلى نوعٌ من دليل “المُساعدة الذاتية” للنجاح الفردي يُهدد بإضعاف نظريته الثورية، مُحوّلاً الدعوة إلى العمل الجماعي إلى مُجرد آلية للتكيّف مع نظام قمعي. وبسبب افتقارها إلى تنظيم رسمي، وانحِصارها في الغالب في العالم الرقمي، فإنها لا تزال مزيجاً فضفاضاً، وأحياناً مُرتبِكاً، من المشاعر، وليست حركة مُنظّمة.

ما هو إذن مُستقبل هذا الشبح؟ طالما استمرت التناقُضات الاجتماعية والاقتصادية الكامنة التي استدعته – الفجوة الشاسِعة بين قِلة من المُتميّزين وكثرة الكادحين، والصِراع بين التطلُعات الوطنية والضغوط الإمبريالية، والإغتراب الذي يشعر بهِ جيل مُثقل بالقلق المنهجي – فلن يختفي ماو. عودتِهِ تعني أن الأسئلة الجوهرية التي طرحها حول مسار الصين ليست مُخلفات حقبة ولّت. لم تُحل قضايا الطبقة، والعدالة الاجتماعية، ومن يملك السُلطة الحقيقية في المجتمع، بعقود من إصلاحات السوق. لقد عادت للظهور ببساطة في صورة جديدة، وجيلٌ جديد، مُسلّح بكلماته، يُطالب بإجابة. يبدو أن البرنامج الثوري لا يزال غير مُكتمل.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا