تفسح الفنون -بأوجهها المتعددة- مجالاً رحباً للتعبير عن الأفكار المستقاة من الحياة. ويعد المسرح أحد أكثر أشكال الفنون التي تعرض هذه الأفكار في مساحات مادية محدودة، وبأفكار كبيرة، تتسع لها كل الحيل الإخراجية الممكن تنفيذها على الخشبة. ويأتي الكاتب المسرحي العراقي علي الزيدي كأحد المؤلفين العرب المميزين الذين جادوا بنصوص مسرحية مميزة، قدم العديد منها عربياً في السنوات الأخيرة، نظراً لما تتمتع به نصوصه من التمرد على الأفكار التقليدية، والنحو بجانب الفنتازيا التي يبدو أنها أصوب وسيلة –من وجهة نظر المؤلف- للتعبير عما يدور في بلده الذي قاسى الحروب والإرهاب والفقد الذي تتعددت أسبابه، ويبقى هو بنفس الهيئة المستمرة. فقد كتب قبلها، وعلى نفس النسق، مسرحية “يا رب”، التي أثير حولها جدل كبير حين عرضت، تتعرض للأمهات الثكلى من جراء الحرب. وعبر نصوص الزيدي، يثبت المبدع أنه لا يمكن أن يتجاوز المحن والقضايا التي تحيط به، حتى لو اختلف شكل الإبداع؛ يظل المضمون واحداً.
وعرض “مطر صيف” للزيدي يحيل الفضاء المسرحي والأداء الأولي إلى أن العرض مونودراما، مونولوج طويل، تبدأ به الزوجة حوارها الذي يفهم منه انتظار زوجها الغائب قسراً، بعد عشرين سنة من الوحدة، والألم، والفقد، والوجع، لتأتي التفاصيل مرئية في عناق الممثلة لملابس زوجها للتعبير عن مدى شوقها لرؤيته مجدداً، وعبر طهيها لطعامه المفضل، مع تلميحات تعبر عن شوقها الكبير لملاقاته: “على النار.. على النار..”، الدخول في التحضيرات التي هيأتها بنفسها: الشعر المسرّح المصبوغ حتى تزيل آثار التقدم في السن/ العطر الذي يفضله/ ملابسه التي حرصت على غسلها يومياً، كما شعرها، استعداداً لقدومه في أي وقت، وغيرها من التفاصيل التي أدخلت المتلقي في حدود الحالة الاجتماعية المرتبطة بالحالة الإنسانية وحسب، وهذا ما استلب من النص جزءاً كبيراً، لأنه قائم على نص يمكن إعطاؤه أكثر من بُعد، يعطي الفكرة منحى أكبر وأعمق من بُعد واحد مرئي. والدليل على ذلك؛ هو عدم استخدامه أية علامة دالة على ما هو أكبر من الصورة الظاهرية المقدمة، رغم أن النص يتسع لأن تلقى في عمقه المزيد، أصغرها الشأن السياسي الموجود الذي يخيم على الوضع دون أن يكون له وجود ملموس في “مطر صيف”.
يبدد هذا الانتظار الذي يحيل إلى انتظارات شهيرة شتى استخدمت في المسرح، يأتي “جودو” على رأسها، رغم ما يحمله من عبثية -ومن قال إن الانتظار في العموم لا يكون عبثياً؟- الدقات التي تعرفها الزوجة تماماً، تبدد حالة المونودراما، التي برغم عمرها الزمني القصير إلا أن إحساسها كان طويلاً وثقيلاً. ويأتي الزوج الغائب عشرين عاماً فارقة في عمر الزمن، وليس في عمر الزوجين اللذين احتفظا بشكل ليس بعيد عن شكلهما في الواقع. يعي المتلقي هذا الفارق الزمني في الحوار فقط، عن الحوارات السابقة التي دارت بينهما، العطر الذي لا يزال يحتفظ به، وكل اللحظات الحميمية التي تكشف أدق وأهم تفاصيل عشرتهما معاً. لكن الفنتازيا في الموضوع، هي أن الزوج العائد هو عبارة عن مستنسخ أتى عبر طلبية خاصة من الزوجة الواعية لذلك، ومن خلال الحوار الذي يذكر فيه خصوصيات لا يعرفها سواهما، تكتشف الزوجة أنه زوجها العائد فعلاً وليس طلبية الاستنساخ التي أرادتها. فكرة الاستنساخ التي أذهلت العالم في خلق صورة طبق الأصل من مخلوق موجود، له نفس الصفات من المادة الوراثية، استخدمها النص هنا لأكثر من غرض غير الإدهاش في الفكرة العابثة في مقدرات الإنسان الذي هبطت قيمته في زمن الحروب والموت، فصار الحل في استخراج بدل فاقد/طبق الأصل، ثم إن المصادر العلمية تذكر أن المستنسخين عادة يعيشون لفترة قصيرة. هل كان استدعاء الزوجة آنياً فقط؟ هل الحاجة المادية لوجود رجل ملئاً لشعور الوحدة المضني، رغم يقينها بأنه ليس هو؟ ورغم تأكيدها على “مصانعهم” بأن يعيدوه لها شاباً، ولم يفعلوا، فأتوا به كما ينبغي لمرحلته العمرية أن تكون، وهذا يعني أن خلاياه الحية ستموت في وقتها، لأن لها عمراً معيناً أيضاً.
كل المؤشرات السابقة توجه نحو سد الفراغ العاطفي والمادي للزوجة المعذبة، كما يوضح البرولوج في استعراضها مع نصف تمثال، دون أن تكون هناك إشارة لمستوى آخر، أو ترميز له، كما يتاح للعرض العراقي مثلاً عن نفس النص، فاستخدام مفردات عراقية محلية، حتى ولو كان العرض مقدماً باللغة العربية، تفصح عن الجغرافية، وبالتالي ظرف المكان، وحتى إن لم يكن حالة خصوصية في بلد ما، فيمكن التعميم عبر إسقاطات توسع حدقة الرؤية إلى ما خلف البعد الاجتماعي البسيط، وليس هذا تصغيراً من تجسيد القضايا الاجتماعية المباشرة، والتي لها سياقها بالطبع، لكن طالما أن النص أعطى بُعداً “فنتازياً”، فمن المؤكد أن له غاية في مستوى متقدم أكثر.
وربما يبدأ الحدث الرئيسي في دقات الباب التالية، ودخول الزوج الآخر “علي مرهون” –نفس الممثل- بشخصية مختلفة، يعبر عنها تغيير طفيف في الملابس، مع استخدام طبقة صوت مختلفة، ودخول واثق لا يشبه الشخصية الأولى، ليعاد نفس الحوار السابق مع الزوج/المستنسخ السابق، ويسقط في يدها، عن أيهما الزوج الأصلي، بعد أن يصر الطرفان أنهما كذلك. في هذا المشهد لعبة مشوقة، كان للمخرج أن يخرج كل ما في جعبته من حيل تستخدم على الخشبة، كون الشخصيتين يمثلهما شخص واحد، ويحصل بينهما تشابك وعراك باللمس، ربما أحتاج لبعض التقنية السينمائية في إدخال “دوبلير” من الخلف، بحيث يتم إدراك أن للزوجين وجوداً مادياً، دون اللجوء لأسهل الحلول عبر إدخال أحدهما في الكواليس وإظهار الآخر على الخشبة. ورغم الأخطاء اللغوية الكثيرة للزوج “مرهون”، لكنه أجاد الفصل بين الشخصيتين بشكل واضح لتميزه الزوجة، لو كانت تعرف زوجها حقاً، مما يضع المتلقي في حيرة: هل هذا الارتباك ناتج عن عدم المعرفة لطول الغياب؟ أم لأن القلب تشبع من الحزن، فما عاد يشعر أو يبالي بمن يأتي، أو يأتي من يعوضه؟
أتت السردية على معظم العرض، ولم يعوضها الفعل والحركة بشكل عام، لأن الحوارات بين الممثلين لم تفضِ إلا إلى مزيد من السرد، الميزانسين غير منضبط بسبب الحركة غير المحسوبة بدقة حساب الكتل على الخشبة، وهذا يشمل الإضاءة التي أظلمت في بقعاً شتى يحتاج الفعل فيها إلى “إنارة” ووضوح تبعاً للحالة النفسية والجسدية بين الزوجين. فكيف للقاء بعد شوق سنوات طويلة، وحنين، لا ينتهي بملامسة صادقة تترجم لهفة محبين، ويكون التباعد غير المقنع سيد الموقف؟ هذه الملاحظة غير غافلة عن العرف والقانون المجتمعي في دولة محافظة تقدر القيم، ولها محظوراتها على الخشبة، لكنها دعوة أن تكون الرؤية أكثر اتساعاً عبر ابتكار الوسائل والأفكار التي تعطي أبعاداً غير تلك المرئية في العرض بشكلها المبسط أكثر من المطلوب. وفي هذه الحالة، يمكن للنص المكتوب الإمتاع أكثر من مشاهدته حياً ومرئياً، بسبب عدم القدرة على إيصال الفكرة بسلاسة، أو تمطيطها لتكون زمناً مسرحياً مناسباً. إن هذه المشكلة تأتي من قصور دراية المخرج عن فهم الفكرة الأساسية للعرض، دون زيادة تمطط في العمل، ولا نقصان يضع المتلقي في تيه، ذلك أنه حتى في التلقي يجب أن يختار العمل القضايا التي يقدمها للجمهور، وعما إذا كانت تلامسه/ تهمه، أو لا تعنيه، فلا تأثر فيه، رغم جمال الحوارات، وقدرتها على التأثير في شرح الزوجة عن تجارب آخرين اتخذوا أزواجاً مستنسخين، و”أنجبوا أولاداً مستنسخين، ولكنهم سعداء”، أو جملة أخرى توضح فيها الزوجة أن “الشوارع والبيوت امتلأت كلها بالنساء”، وهي دلالة على الحرب وتبعاتها التي لم ترد لها إشارة في هذا البعد، ولا يمكن اعتبارها حالة العرض كلها، لأن الجمل الحوارية يمكن أن تقال عابرة دون أن تحدث أي أثر ملموس، بالإضافة إلى أن هناك خطأً فادحاً في طريقة الخطاب لدى الممثلين، تحددها نبرة الصوت في بعض الأماكن التي تجعل النبرة خطاباً مسرحياً موجهاً لجمهور، وليس حديث حب وعتب بين زوجين، مما طول في وقت العرض الممتد لقرابة الساعة، بينما رسالته تتضح بعد وقت مناسب من بدئه، وهذا ما يدعو المخرجين إلى التفكير طويلاً قبل اختيار النص المقبلين على العمل عليه، حتى لا يكون “تنفيذاً” لما جاء في ورق المؤلف، خاصة إذا كان مقروناً بالإرشادات المسرحية التي تحد المخرج –إن أراد- والقائمين على العمل أيضاً الذين يوجههم برؤيته المكملة والمتقدمة قطعاً على النص، حتى لا يغدو “مطر صيف”؛ لا يضر، ولا يترك أثراً، ويختفي كأنه لم يكن.
لمشاهدة العرض كاملا
- https://www.youtube.com/watch?v=IFYk_IF-U-4
- طاقم العمل: تأليف علي عبد النبي الزيدي/ إخراج عبدالله بوزيد/ تمثيل: نورة أمين-علي مرهون.


