البطالة ومنهجية ال Outsource

0
53

تستمر مداولات وتساؤلات مجلس النواب حيال أزمة البطالة في البحرين، وسط غموض وعدم وضوح وتناقضات صارخة بين ردود بعض الجهات الرسمية والحكومة تجاه الحلول المنتظرة منذ سنوات لحلحلة هذا الملف المعضلة.  

الغموض هنا لا يعني بالضرورة عدم اهتمام الحكومة بإيجاد الحلول او حتى جزءاً من هذه الحلول المنتظرة، وإنما يكمن من وجهة نظرنا، في عدم وجود الجدية المطلوبة للتعاطي مع ملفٍ بهذه الأهمية، وما ينطوي عليه من المخاطر والتداعيات المتوقعة جرّاء إهماله كثيراً، بل وأحياناً حتى التقليل من مخاطره وانعكاساتها على الوضعين الاقتصادي والمعيشي وحتى الأمني، إن شئنا الدقة أكثر.

لقد أشرنا في مقالات سابقة إلى ضرورة الاهتمام بهذا الملف والتعاطي معه من منطلقات وطنية تستطيع أن تقرأ بصورة بجدية وشجاعة أكثر معضلة البطالة وتداعياتها المحتملة من عدة زوايا، بدلاً من الاستمرار فقط في تجميل الصورة إلى ما لا نهاية، متيقنين أن ما يمكننا فعله اليوم ربما لن يكون مجدياً او حتى متاحاً فيما بعد!

لذا علينا التفكير بصوت أعلى ومسؤولية أكبر تجاه هذه القضية الشائكة والتي تدلّ كافة المؤشرات المتاحة أنها ليست في طريقها إلى الحل حالياً على الأقل، حيث أن اجتزاء الحلول  او الترقيع فيها قد سبق أن جُرّب مراراً دون أن نستطيع كدولة ومجتمع إحداث اختراقات في مسار حلّ المشكلة بطريقةٍ يمكن الركون إليها، بحيث تكون الحلول ممكنة وفعالة وقادرة أن تحدث تحولاً نوعياً حقيقياً، يعيد لنا كمجتمع أولا وللعاطلين والباحثين عن عمل، شيئاً من الثقة الضرورية أننا على الأقل أصبحنا على الطريق الصحيح، أو حتى أكثر جدية وحرصاً على إيجاد حلول، تكفل تعزيز عوامل الثقة وتوجد حلولاً تقبل الاستدامة وتريح فئات واسعة من الباحثين عن عمل وأسرهم وتحرك بدورها دوران عجلة الاقتصاد وتعزز عوامل الثقة في قدرة الاقتصاد الوطني وتعطي إشارات إيجابية حقيقية للمستثمرين في الداخل والخارج على قدرة الاقتصاد الوطني على توليد فرص عمل لأبناء الوطن بدلاً من الأجانب الذين بسببهم تضاعفت أرقام التحويلات الخارجية من العملة الصعبة لبلدانهم كما تضاعفت كلفة الخدمات المقدّمة لأعداد متزايدة وغير مبررة من الأجانب.  

الكثير من تلك التناقضات في المواقف الرسمية أظهرتها الأرقام التي تمت مناقشتها واقتراحها في إحدى جلسات مجلس النواب الأخيرة، حين طرحت قضية تشغيل العاطلين عن عمل من ذوي الاحتياجات الخاصة والتي تقترح  رفع نسبة تشغيلهم من 2% لتصل إلى 4%، فكان ردّ الحكومة واضحاً ومباشراً عن وجود وظائف في السوق المحلي لذوي الهمم تفوق أعداد العاطلين عن عمل من هذه الشريحة المهمة، حيث جاء ردّ وزارة العمل، المسؤولة عن ايجاد فرص لهم لدى القطاعين الخاص والعام إن أمكن،  بأن لديها اكثر من 325 باحثا عن عمل في الوقت الحالي، إلا أن السؤال بقي معلقاً  دون إجابة؛ لماذا إذا لا يتمّ الاستفادة من الوظائف التي تفوق أعداد الباحثين لدى القطاعين لتشغيل العاطلين منهم ولماذا الانتظار !!؟

وعلى الجانب الآخر نجد ردًّا لا يتسم بحس المسؤولية، ايضاً في تقديرنا، أتى، هذه المرة، من غرفة تجارة وصناعة البحرين التي ذكرت في ردّها على تساؤلات مجلس النواب من أن تشغيلهم سوف يعيق الاقتصاد الوطني، وأن النسبة يجب أن تبقى على ما هي عليه، علما بأن تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية الأخير قد ذكر أن هناك اكثر من 1462 شركة قطاع خاص لا تلتزم بمعايير تشغيل هذه الفئة من العاطلين، خلافاً للقانون، ووزارة العمل بدورها لا تستطيع محاسبة وإنفاذ القانون على هذا الكم الكبير من الشركات المخالفة، بحسب رد وزير العمل خلال جلسة مجلس النواب المشار اليها، وهنا تكتمل حالة الإرباك وعدم الجدية وضياع البوصلة التي تفضحها النقاشات التي أجمع على خلاصاتها مجلس النواب تجاه شريحة مهمة من العاطلين، فما بالنا بالشريحة الأكبر منهم من القادرين على العمل بكل طاقاتهم، التي يظلّ مصيرها غامضاً، في ظل عدم جدية الحلول القائمة!؟

ذكرت أثناء مداخلتي في الجلسة المعنية جزءاً مما ذكر هنا وربطت ذلك بفكرة أن الجميع بمن فيهم الحكومة ووزارة العمل وحتى بعض شركات القطاعين العام والخاص باتت بالفعل تحت قيود ما سمي بال outsource وكذلك برامج التخصيص، التي تلقي بظلالها بشكلٍ واضح وجلي في تقييد حتى أصحاب القرار  أنفسهم في القطاعين، طالما هناك جهات تنتفع وتعتاش بطريقة او بأخرى من هذا التوجه غير المحمود الذي بدأنا نستشعر ثقله علينا وعلى الوضعين المعيشي والاقتصادي، وآن الأوان أمام الحكومة، وهي تبحث عن حلول أن تعيد الأمور إلى نصابها وتفعل، بل وتفرض عملية الإحلال ولو تدريجياً، في بعض المهن والقطاعات  الاقتصادية حتى نستطيع ان نشرع حقيقة في إيجاد حلول مستدامة لمعضلة البطالة التي أضحت مؤرقة للجميع في وطننا الغالي.