الجذور .. وما رآه إبراهيم غلوم باكراً

1
49

ما تأخذه إليك الكتابة عن الرُّموز، الخروج من دائرة حميمية العلاقة الشَّخصية، رحيلاً نحو دائرة أوسع، دائرة المحبَّة، الوطن، والإبداع. هكذا فقد نكون قادرين اقتراباً بمشاعل تنير لنا درب الأثر الخلّاق، الذي تركه الرَّمز أثناء حياته وبعد رحيله … تجربة عطائه الخلّاق مازالت تعيش مثمرة ألق عطائها، بمعنى استمرارية تدفُّق النَّهر وخصوبة الأرض وإنارة طرق الإبداع المظلمة.

أودُّ أن أوجز القول مستعيداً هذه الذّكرى من الطُّفولة، كمن يرمي حجراً في بركة ماء، إثر سقوط الحجر في بقعة منه، هي مركز التَّجربة وثقلها، تبدأ دوائر صغيرة في التَّشكُّل واحدة تلو الأخرى، يرشدنا جامع الحكمتين ناصر خسرو شارحاً ((كلَّما كانت هذه الدَّائرة الأولى أكثر تفتُّحاً، فإنَّ تلك الدَّوائر الأخرى تسير بعدها في التَّرتيب)).

لكأنَّني أتحدَّث عن الجذر،  الذي منه تشكُّل الشَّجرة وتنمو، مرتوية بأصالة الأرض و عطر ذكرياتها دون الحديث عن ثمارها اللاحقة، إذ كلُّ ما هو لاحق، سليل تجربة طويلة من الإبداع المتراكم جيلاً بعد جيل، هكذا يبدو لي ظهوره المتميَّز منذ سبعينات القرن الماضي، يبدو هكذا أيضاً رحيله وهو بَعدُ في أوج إبداعه، بين البداية والنّهاية، العمل الجادُّ لتأسيس وتطوير التَّجربة الإبداعية في الخليج كافَّة، أعطى هذه التَّجربة روحه ودمه وعصارة فكره وثقافته المشروعة أبوابها للرياح التَّغيير، دون تحفُّظ لتجربة دون أخرى.

اهتمامات أستاذنا الرَّاحل إبراهيم غلوم سارت نحو تأسيس نقد أدبي جادًّ في الخليج بسواعد أبنائه، كان ذلك مطلع سبعينات القرن الماضي، مع أهمّية ذلك تاريخياً، إلّا أنَّ الأهمّ التَّوجُّه المبكّر لأستاذنا نحو جوهر الإبداع في نقده للتَّجربة، بعيداً عن غشائها الخارجي، غشاء البهرجة والصُّراخ أملاً في كسب رضا المؤسَّسات الدَّاعمة، ومحبَّة استقبال سهولة التَّجربة ومتعة حضورها، ذاهباً إلى توفيق سِيَر مبدعين ساهموا – بصمتٍ – في أثراء التَّجربة الإبداعية في البحرين، مثل كتابه الوثائقي عن الأستاذ أحمد المنَّاعي.

التقيتُه باكراً وأنا تلميذٌ في ثانوية الشُّويخ بالكويت، في جلسة غداء بمنزل الأستاذ عبدالله محمَّد الطَّائي، في ستّينات القرن الماضي، لاحقاً – وبعد لقاءات عديدة بالقاهرة – حضرتُ جلسة نقاش نيله رسالة الماجستير في الأدب العربي بمعهد البحوث الأدبية تحت إشراف متميز للدُّكتورة سهير القلماوي، ومناقشة عميقة للدُّكتور عزّ الدين اسماعيل، كان الطَّائي قبلاً منه أستاذاً زائراً في المعهد إيّاه، ألقى محاضرات في أدب الخليج العربي، حدَّثني إبراهيم غُلُوم لاحقاً أنَّ المعهد كلّفه بمراجعة نصوص هذه المحاضرات، وتوضيح بعض مما هو غير واضح قبل صدورها في كتاب من المعهد، حيث أنَّ الأستاذ الطَّائي تُوفّي بعد فترة وجيزة قبل مراجعتها النّهائية، بعد ذلك التَّاريخ افترقنا مع رحيله إلى تونس ليكمل أطروحة الدُّكتوراه بها، ثم لتبدأ صفحة جديدة من علاقته بنا كعمانيّين، مع بداية تردُّده المثمر لتأسيس مهرجان المسرح الخليجي، وضيفاً على النَّادي الثقافي، وأستاذاً مناقشاً لأوّل أطروحة ماجستير في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السُّلطان قابوس، أطروحة الدُّكتور محسن بن محمود الكندي، في أدب الأستاذ الطّائي، والتي لاحقاً طُبعت في كتاب من عدّة أجزاء، هي اليوم المرجع الأهمّ لدراسة أدب هذا الرَّائد الكبير.

طوال تلك اللقاءات التي جمعتنا، كان ما تتركه – وحتّى الآن – الانتماء الوطني الخلّاق لأستاذنا الرَّاحل، عودة إلى مابدأتُ به الحديث عن الجذر الذي يغذّي الأغصان والأوراق والثّمار، الجذر الذي مازال – وسيظلُّ – يمد أجيال المعرفة في الخليج، بالعمل الإبداعي الجادّ، تواصلاً مستمرّاً مع ينابيع الثَّقافة وامتزاج جسورها وتداخل أوردة وشرايين دمائها.

كتاباته النَّقدية عُنيت – باكراً – بدراسة الصّراع بين طموحات تأسيس المجتمع المدني في الخليج، والتَّكوين القَبَلي العشائري الرَّاسخ كعائق أمام تطوّره، مطالباً أستاذنا طلائع المبدعين الدُّخول في هذا الصّراع إيجابياً، وليس في العزلة الاغترابية للمثقَّف التي تضعه منبوذاً ومهمَّشاً وأسيراً لأبراجه العاجية المغلقة، كمنبوذ يدين الباحث المجتمع مبرّئاً مبدعيه، كما هو حال فهد العسكر، وصقر الشّبيب، هو الباحث إيّاه الذي حذَّر من التَّنظير الإبداعي، الذي قد يؤدي بالمثقَّف الدخول في صراع غير متكافئ مع المؤسَّسات الثَّقافية التَّقليدية الحاكمة، معجّلاً ذلك بانكفاء مبدعيها، كتب ((لقد خلقت هذه الكتابات ضحايا يتضرَّجون بالدّماء والدّموع أمام قسوة تلك السُّلطة، وصاغت وسط مجتمع يرتكز نظامه الاجتماعي على رواسب تلك السُّلطة مصائر مظلمة، لم تكن شخصيّات القصَّة تنتهي إليها اختياراّ، وإنّما تنتهي إليها لأسباب تتَّصل بغياب الوعي بالحرّية والعمل بالعقل)).

هكذا تعامل إبراهيم غُلُوم مع رموز من رحل من أبناء وطنه، عبر كتابات أحيا بها تراثاً كان مغموراً، وكان مدفوناً في تراب الزَّمن وغبار الأيّام، يكتب في مقدّمته عن مسرح المعاودة ((كلّ ما نستطيع أن نحاوله، هو أن نُزيل قليلاً من غبار تلك الصُّورة غير المكتملة))، ممتدّاً ذلك العمق البحثي المتميّز إلى دراساته عن عبدالله الزَّائد، وتأسيس الخطاب الأدبي الحديث، ودراسته في توثيق مسرح إبراهيم العُريَّض.

يعيد إبراهيم غُلُوم الحدث الدّيمقراطي في البحرين، ليس إلى مكنون الحركة الوطنية كإنجاز أساسي لنضالاتها وتضحياتها فحسب، بل أيضاً إلى مساهمات الحركة الفكرية والأدبية منذ الشَّيخ إبراهيم بن محمَّد آل خليفة، وعبدالله الزّائد، وعبدالرّحمن المعاودة، وصولاً إلى التَّجارب النّضالية التي انخرط فيها عددٌ من مبدعي الحداثة الإبداعية المعاصرة كقاسم حدّاد، وسعيد العيوناتي، وعلي الشَّرقاوي، وعبدالله خليفة، معلّلاً أنَّ أهمّ خصائص نضج الحركة الأدبية في البحرين هو أنَّ موجات الحداثة بها لم تقف عند حدّ تفاعل الشِّعر بالشِّعر، والسَّرد بالسَّرد، إنّما تجاوزت ذلك إلى تقاطع الإبداع بالواقع وبالإنسان، بصورة كرَّست تشخيص الثَّقافي والاجتماعي في الإبداعي، مقوّضة جميع إمكانيّات عصيان الإبداع للحلم والحرّية ومثابرة الإنسان والنُّهوض بصوته النّضالي في المراحل المفعمة بالوطنية، والمنغمسة مع آلام المجتمع.

يجد القارئ أمس واليوم وغداً، شجاعة وموضوعية هذا الباحث الجادّ، ناقداً قانون الجمعيّات، واصفاً إيّاه بنقض الحرّيات المكفولة، داعياً إلى التَّحرُّك نحو ألّا تسقط الشَّخصية الاعتبارية للجمعية الثَّقافية في ضوء صيغة التَّأسيس التي انتهت إليها اللائحة النَّموذجية.

كتب ذلك أوائل تسعينات القرن الماضي، وكأنَّه يكتب اليوم داعياً، مثلما كتب آنذاك ((أرى حقيقة أنّ هناك ضرورة قصوى لأن تقوم المسارح الأهلية وأسرة الأدباء والكتّاب وجمعيات الفنون التشكيلية والموسيقية بإعادة صياغة مناهج عملها، وإعداد برامج تتناسب مع التحرّك في المجتمع المدني، بوصفها قوى ثقافية خلّاقة ومؤثرة في حركة المجتمع، بدلاً من أن تظلّ في مقرّاتها المحفوفة بالعزلة والنسيان، عليها أن تبحث عن دورٍ وسط ما تكفل لها المرحلة السياسية الجديدة من حريّات”.

ذلك النداء المحمّل بالفهم السياسي العميق للواقع السياسي آنذاك، ما يزال حاضراً في مجتمعنا، وكان الراحل ما يزال يردد ما رآه باكراً، ما يراه اليوم، مستشرفاً ما يراه غداً، لوطنه الذي كان منذ الأزل وطناً للإبداع المتجدد.

1 تعليق

  1. *كأنَّني أتحدَّث عن الجذر، الذي منه تشكُُّل الشَّجرة *وتنمو
    هنا توقفت عن القراءة لأني تغثيت من ركاكة اللغة والنحو
    والإملاء
    لأن صحيح المفردة هو
    *ونموها*

Comments are closed.