لست وحيداً..

0
4
بتول حميد

يُقال إن أفلاطون صاغ يوماً جمهورية فلسفية ساحرة بليغة الحكمة لكنه نفى منها الشعراء، ليس نفوراً من الشعر، إنما قلقًا من الفن ذاته.

يقول شيلر أن الجمال وُجد في الأصل للقلوب الحساسة؛ وبأن الحقيقة وُجدت للحكماء. ولكن كلما اتفق الحكماء على معادلة يأتي الفنان -شاعراً أو قاصاً أو رساماً- ليطرح سؤالًا استثنائياً حول هذه المعادلة.

فلو اتحد المؤرخون على أن حرباً ما انتهت وعاد جنودها إلى بلادهم، سيسرد هوميروس ملحمة عن أوديسيوس، المحارب الوحيد الذي استبدل طريق العودة لحبيبته بالتيه لأنه سمع همس الحوريات وإغواء الإلهة.

لو تقبّل البشر بأنهم كيان مؤقت، سيخلق الروائيون “جلجامش” الذي رهن عمره بحثاً عن زهرة الخلود.

لو اجتمع الملقنون والمنظرون في القرن العشرين على أن الإنسان الحداثي بإمكانه الاستيقاظ آمناً ينعم بالسلام الداخلي ويذهب إلى وظيفة ذات معنى ضمن “بيروقراطية” كونية تخلو منها المخلوقات خارج السجلات الرسمية، سيخلق كافكا باحتراف رصين الموظف “جريجور سامسا” الذي صحى ليجد نفسه قد تحوّل إلى حشرة تأخرت عن الذهاب إلى العمل!

حين يُوجد الفن لن تتوارى الاستثناءات، بل ستومض على الدوام لتشعل نقاشًا حيوياً يمهل فرض القاعدة، ويُربك التماثل المتوقع واليوتوبيا الحالمة.

لا يتماهى الفنان مع المعادلة لمناوشتها، بل لأنه لا توجد معادلة أخرى تكفي للوجود. فإْن ابتكرنا كلمة واحدة للبكاء، سيهيم أحدهم ليسأل عن النشيج، وآخر ليسأل عن النحيب، وإنْ بالغناء في وصف الحبّ سيصف أحدهم العشق وآخر سيتفانى في صف الوجْد. لندرك على حين غرة؛ ضآلة الطرح أمام هول الشعور.

لا يظهر الفن كنشيدة ثورية فحسب، إنما يبدو ترددا فاتناً لحالة الطفولة الأولى التي كلما دربتها على معادلةٍ ما سألتك ببراءة عينيها لماذا؟ وكلما دعوتها للانضمام لمجموعة، مدت أناملها إلى كل من انفصل عنها وطالبتك بالتعليل.. وإذا نهرتها لتكف عن الكلام، هزت كتفيها.

الفنان في الأصل طفل لا يكف عن طرح الأسئلة حتى بعد أن يضخم له الكبار كل الإجابات المُلقنة أو المُطمئنة. إذْ يؤكد الفن عبقرية الفضول، ويؤثر تحسس الدهشة على اليقين، والتسمر في العراء على الخوف والجدران.

بيْد أن التساؤل حالة مؤرقة، لا يصبرعليها الجميع، ولا يُقدرالجميع تجلياتها. فكلما انهالت الاستثناءات من قبضة مُحكمة، وكلما عجزت كلمة يتيمة عن نزع كل الأحوال التي تصفها فرادتها وتعددها، لن يستطعْ فلاسفة جمهورية أفلاطون تطبيق معادلة واحدة، لأن مجازًا سارحاً في قصيدة شعرية واحدة أو شخصية معقدة في رواية، أو لون لوحة معتق سيعارض النسب المعلبة ويحيلها لمعادلة هشة.

لا يعرض الفن الخلاص ولا يقدم بشرى بالجنة.. لا يهدد بالهلاك رغم توجسه وقلقه وامتداد أسئلته، يحمل في صدره حميمية خالصة. فإذا ما جاء فردًا منشقاً من حشد أو طريداً من مأوى، أو منبوذًا سيجد بيتاً من الشعر أو لوحة وسرد أو فيلم، استغرق فيها فرد ما في سؤاله، وتقمص فيها حسه وربت على كتفيه “لست وحيداً”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا