قبل فوات الأوان

0
5

عندما تتصدر المآسي والعبثية والتشرذم المشهد في يومنا هذا وتسود حارة (كل من إيدو إلو) في وضح مشحون بالتناقض البيّن ويحلل كلٌ على مزاجه، وكلٌ يفند الآراء على هواه دون مراعاة للنتائج، هناك من يتحدث بأساليب سياسية (مهلهلة)، وهناك من يتحدث بتحليل طائفي وكلها خالية من الروح الوطنية وعديمة المراعاة لمشاعر المواطنة.

هناك نفر قليل من الذين يتريثون، يقيسون الأمور بعقلانية وتروٍ ولا يطلقون الأحكام جزافا، متحاشين السفسطة واللامبالاة التي تزيد الطين بلّة.

تؤرقنا اليوم مواجع التأزم الراهن وارهاصات ما تفرزه من أساليب وقسوة المحنة ومترتباتها وتأزم معالجاتها حين تتعثر الحلول، حيث التخبط المبهم، دون مراعاة لما ينتجه السلوك العشوائي (الغشيم).

أحياناً نصاب بخيبة أمل لفداحة التوجهات الناتجة من ضعفٍ وتخبطات في أعوام الستينات والسبعينات والثمانينات نتيجة ضحالة في الحس الاستراتيجي السياسي التي مارسها الساسة السابقون من تطرف وسطحية في المفاهيم التي لم يضع لها حسابات اجتماعية وجيوسياسية، فدفعت الشعوب ثمناً غالياً ولازلنا اليوم ندفع الثمن، وبالطبع هذه نتاج الحقب الاستعمارية، حيث التآمر في استغلال الشعوب ونهب ثرواتها الطبيعية، كما أن حركا التحرر الوطنية لم يتسنى لها اتخاذ دوراً في مد جسور العلاقات بين الأنظمة والحركات، بحيث أن تفّوت الفرصة على الدخلاء الذين من مصلحتهم أن تستمر حالات عدائية بين الشعب وحكوماتهم.

اليوم علينا أن نتوحد ونقف كتفاً بكتف ضد الدخلاء الذين يسعون جاهدين لبث الفرقة لكي ينعموا بخيراتنا ونتماسك لوأد الفتنة في مهدها، علينا لا نمتثل للخارج ولو تنّكر في ثوب المصلح ونكون ذي نسيج واحد ونكون درعاً واقياً لنمهد الطريق للأجيال القادمة لنبني صرح الوطن.

اليوم بما نمر به لسنا وحدنا من يساوره القلق، فكل شعوب المنطقة قلقة، كوننا شعوب نحمل نفس ما يجري من ويلات ومصائب للآخرين في المنطقة.

لكي لا نخلط الأوراق في تأدية الواجبات للدفاع عن الوطن، حيث ندع كلٌ يؤدي واجبه من منطلق مكانته لكي لا تتشابك المهمات ولكي لانحمل المسؤولية في الإخفاقات المحتملة.

نذكر بما عاهدنا رفاقنا الذين رحلوا بأننا سوف نكون عند حسن ظنهم وإننا سوف نسير على ما ساروا عليه مخلصين للوطن والمواطنين كل المواطنين، حتما سنتجاوز هذه الصعاب بما اوتينا من عزم وقوة .. صامدون، لقد تجاوزت شعوبٌ قبلنا صعوبات أقسى بكثير من المحن هدرت منها الكثير من الضحايا، تجاوزوها بتكاتفهم وتسامحهم وامتثالهم للعقلانية ووضعوا حبهم للوطن أولاً فوق كل اعتبار ولم يعيروا اهتماماً للدخلاء.

حين تتشتت جهود الحلول، حيث التفرد في الرؤى تضيع الاستكانة وفهم الحقيقة ونفقد منطق المسؤولية ومركزية اتخاذ القرار الذي يمثل الجموع، ومن هنا يتبدد جهود النسيج الواحد على مستوى الوطن المستهدف.

لنرجع إلى التاريخ، حيث تعثرت شعوب حين اشتعلت الفتنة في وطنهم، حيث غاصوا في وحل الطائفية والاثنية والتعصب القومي، على سبيل المثال لبنان، حيث مر الشعب اللبناني بحرب أهلية ضروس وراح ضحيتها آلاف من خيرة أبنائها، أطباء ومهندسين وكتّاب وعلماء ونشطاء في الحركة الوطنية وصحفيين وجامعيين و.. و.. إلخ وهدمت بنية الوطن اللبناني الجميل والسياحي من الطراز الراقي، حيث تمكن العدو الصهيوني من انتهاز الحرب لينقض متعاونا مع الطرف الخائن ليزيد الطين بلة.

وهناك شعب آخر أيضاً غاص في وحل القبلية في الوطن الرواندي في أفريقيا، حيث خاض شعب رواندا حرباً قبلية قاسية أكلت الأخضر واليابس، حيث دخلت أكبر طائفتين «الهوتو» و «التوتسي» كلٌ منها يريد الظفر بالسلطة، حيث راح ضحية هذا القتال عشرات الآلاف ولم ينتهي القتال الا بعد ان وضعت حركات التحرر الافريقية حداً لوقف القتال وقامت الجرارات بحفر قبر جماعي كبير وجرفت الجثث في منظر تقشعر له الأبدان من هول تكديس الجثث على بعضها البعض، وبعدها جلس الفريقين على طاولة حوار أخوي، وذلك بعد أن روي أرض الوطن بالدماء في مشهد مأساوي مؤسف.

نقول الا نأخذ العبر من هذه المآسي، الا نعطي أهمية لحوار صادق جاد يجنبنا ويلات كهذه ليكون لنا وطناً حراً وشعباً سعيداً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا