“صحراء” علي شريعتي  بين الأدب والتأمل الفلسفي

0
9
حميد الملا

وقع بين يدي كتاب “الصحراء” للدكتور علي شريعتي، الذي كنت قد قرأته قبل عشر سنوات، وآنذاك لم أستطع فهمه كما فهمته واستوعبته الآن بعد هذه القراءة المتأنية الثانية.

ما حيّرني في هذا الكتاب أنه ليس برواية، ولا سيرة ذاتية تقليدية، ولا كتابًا فكريًا مباشرًا حتى بالإمكان استيعابه بسهولة، ولكن عند الغوص والتمعن فيما احتوى عليه من أفكار، أصبح من السهل أن نطلق عليه نصًا أدبيًا تأمليًا عميقًا أو سيرة روحية تمس دواخل نفس الكاتب من خلال شرحه لأفكاره وبث همومه ومعاناته في الحياة، وهو الخريج من جامعة السوربون في باريس بفرنسا، وكان تخصصه في علم الاجتماع، وهو المعارض لنظام الشاه محمد رضا بهلوي آنذاك قبل قيام الثورة الإيرانية في العام 1979، مما تسبب في اعتقاله أكثر من مرة.

الكتاب يقع في 395 صفحة من الحجم المتوسط، من إصدارات جامعة الكوفة، وصدرت طبعته الثانية في العام 2017، وقد وضع لكتاباته عناوين جميلة، منها: “هذه شقشقة هدرت”… “نقد وتقريظ”، “الصحراء: التاريخ الذي اتخذ مظهرًا جغرافيًا”، “القناة”، “الرسالة”، “الحب أسمى من العشق”، “من أعبدهم”، “التراجيديا الإلهية”، “في حديقة أبسرواتور”، “حب البنين”، “المعبد”، “النوروز”، “الناس والأقوال”، “أنشودة الخلق”، “الإنسان شبه إلهٍ في المنفى”، “توضيح حول أنشودة الخلق”، “الطوطمية”، “إلى أصدقائي الأعزاء.”

في الكتاب لا نجد أنفسنا أمام صحراء بالمعنى الواقعي، أي رمال وامتداد جغرافي فحسب، بل أمام فضاء داخلي شاسع، يضيق حينًا ويتسع حينًا آخر، بحسب ما يعمل في أعماق الإنسان من قلق وأسئلة وجودية تؤرق النفس البشرية. صحراء شريعتي تعني النفس حين تتعرى من ضجيج العالم وتُجبر على الهدوء والسكينة لمواجهة أقدارها دون وساطة، وهي أيضًا ليست فراغًا، بل امتلاء من نوع آخر، امتلاء بالصمت، بالصدى وبالأسئلة التي لا ترى جوابًا.

عبّر علي شريعتي بلغة شاعرية مليئة بالصور والاستعارات عن وجهة نظره في الحياة من خلال الربط بين التجربة الفردية والإيمان، ليصل إلى نتيجة أن الإنسان لا يمكنه أن يصل إلى الحقيقة إلا عبر المعاناة والتجربة الشخصية، ليقول: «ليس كل ما هو صحيح وصواب ينبغي أن يقال، ويجب ألا أرمي نفسي في بحرٍ لا يُرى ساحله، وألا أكتب أمورًا بلا وعي، فأندم إذ أعي عليها وأتألم منها”.

لغة شريعتي في هذا العمل الإبداعي تتجاوز السرد التقليدي الذي تعودنا عليه في مطالعتنا لأكثر من كتاب، لتغدو أقرب إلى نشيد داخلي وإلى معزوفة موسيقية جميلة تتداخل فيها الأصوات والنغمات والصور والاستعارات، وتتشابك فيها التجربة الفكرية مع الإحساس الوجداني من خلال قراءاته الموسوعية للعديد من الكتّاب والشعراء والاطلاع على آراء الفقهاء والفلاسفة والمفكرين والديانات الشرقية القديمة كالهندوسية والبوذية والزرادشتية والطاوية.

ولذلك نجد الإمام علي، والحلاج، وجلال الدين الرومي، وشمس التبريزي، وعين القضاء الهمداني، والفيلسوف الصيني لاوتزه، وحافظ الشيرازي، والبيهقي، والنيسابوري، والميرزا شهيدي، والغروي الأصفهاني، والنائيني، والخراساني، والفردوسي، وآخرين من فطاحل الفكر والشعر والفن والأدب، يزخر بهم هذا الكتاب.

مزج كل هذه الأفكار والآراء الفلسفية مع علماء ومفكرين وفلاسفة آخرين: شارل بوف، وصمويل بيكيت، وأبيقور، وسقراط، وطاغور، وكنستانتين فيرجيل، وديكارت، وأندريه جيد، وكامو، وإميل لودفيغ، وآخرين لا يسع المجال لذكرهم.

وهكذا يتحول كتاب “الصحراء”  إلى تجربة جديدة وعميقة من خلال اطلاع الكاتب على كل هذه الفلسفات والديانات الشرقية والأفكار الغربية وتحويلها إلى طريقة جديدة للتفكير والتفكر، تذكرنا بأن الطريق إلى الحقيقة لا يمر دائمًا عبر الامتلاء، بل كثيرًا ما يبدأ من الفراغ، من تلك الصحراء التي نظنها خالية، فإذا بها أكثر الأماكن امتلاءً، ليظهر من خلال كل ذلك بأنه، أي الكاتب، قد تأثر بالفكر الوجودي، لكنه يمزجه برؤية دينية روحية، محاولًا الربط بين التجربة الفردية والإيمان.

الكتاب يجمع بين التأمل الفلسفي والأدب الوجداني، والأسلوب رمزي وشاعري في ذات الوقت، اتخذ من الصحراء محورًا لتحليلاته، فاعتبرها رمزًا للعزلة والتأمل والابتعاد عن ضجيج المجتمع ورحلة للبحث عن الذات والحقيقة، محاولًا فهم الكثير من الموضوعات الفلسفية، منها الدين، فالدين عنده ليس طقوسًا فقط، بل تجربة داخلية عميقة تنبع من معرفة النفس، لا من التقليد، أي من الوعي الحقيقي: «الدين هو جهد إنسان «مدنس بالوجود» ليطهّر نفسه وليرجع من التراب إلى الله، وليسبغ «القدسية» على الطبيعة والحياة اللتين يعدهما «الدنيا» وليجعلهما «الأخرى».

وبذلك فقد سخّر قلمه لصياغة مشروع جديد للتحرر من المقولات الجامدة في الدين، بالدعوة إلى فهم الدين بوعي لا بالتقليد الأعمى، وبربط الإيمان بتحرير الإنسان فكريًا واجتماعيًا، ليخلص إلى نتيجة أن جوهر الدين هو العدل ومقاومة الظلم أينما وجد.

ووفقًا لما تقدم، يمكننا القول إن شريعتي لا يرى في الصحراء مجرد فضاء قاحل، بل هي مرآة صادقة تعكس أعماق الإنسان وتسبر أغواره ليكتشف في خضم تساؤلاته أن الحقيقة لا تُمنح، بل تولد من رحم المعاناة والتأمل، وأن الطريق إلى أنفسنا قد يمر أحيانًا عبر أكثر الأماكن فراغًا.

وفي نهاية التأمل يبدو أن شريعتي اعتبر الصحراء أيضًا ليست مكانًا يُغادر، بل حالة يُعاد اكتشافها في كل مرة نحاول فيها فهم ذواتنا، ليدرك الإنسان أن المعنى لا يُعطى جاهزًا، بل يُنتزع من صمت الوجود.

وهكذا، لا تكون الرحلة في الصحراء بحثًا عن طريق خارجنا، بل هي رحلة دائمة إلى الداخل، حيث يبدأ السؤال، ومنه يولد الوعي، ومن الوعي تتشكل إنسانيتنا: «كنت أعلم بالطريق وأعرف ذلك الموطن، الطريق التي لم يكن فيها أي أثر لأقدام التاريخ. الموطن الذي لم تنله أيادي القدر… لا بريق لنظرات «الذئب» في ذلك القفر، ولا ضُباح «الثعلب» القبيح في تلك الصحراء. مدينة على ضفاف الوجود، مغسولة تحت أمطار السحر، قفر مغطى بزهور مسك الروم، هواء يعبق بيأس الذكريات الجنانية، فضاء مَوّاج بالروح، مفعم بالخيال، أفق ملوّن بالأماني، سماء بلون الصمت، والينابيع والينابيع! التي تنحدر من الغيب، مجريات نهر من أنهر الجنة في كبد تلك الصحراء النقية.”

وعلى هذا الأساس قدّم لنا الصحراء كطريق نحو النقاء الداخلي ورحلة بحث عن الذات وفضاء للغربة والتأمل، وكأنما يود القول إن في صمت الصحراء يولد الإنسان كحالة وجودية، مرحلة داخلية تكشف أن الإنسان لا يبلغ وعيه الحقيقي إلا حين يمر بتجربة الصمت والوحدة والتأمل، ومن خلال أسلوبه الرمزي، يدعو القارئ إلى مواجهة أسئلته الوجودية واكتشاف حقيقته بعيدًا عن زيف الواقع.

ولذلك يقول: «في الصمت يبدأ صوت الحقيقة، والصحراء هي المكان الذي أجد فيه نفسي، وحين يبتعد الإنسان عن الناس يقترب من ذاته.”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا