“ولاد البطة السودة”: فلسفة الشك في عالم يكره الاختلاف

0
6
زهراء المنصور

في المسرح؛ لا تأتي الحكايات الكبرى دائماً بثياب الملوك والأبطال، بل قد تولد من الهامش: من الأزقة المنسية، ومن أصوات أولئك الذين تعلَّموا النجاة من فخ الحياة، أكثر مما تعلموا الحلم بها. ومن هنا تنطلق مسرحية (ولاد البطة السودة) بأفعال تلامس الواقع بجرأة، وتعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والحرمان، عبر شخصيات تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها تحمل في أعماقها تناقضات المجتمع وأوجاعه. فالعرض لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يحوّلها إلى مواجهة إنسانية تكشف هشاشة الفرد أمام القسوة الاجتماعية، وتفتح المجال أمام قراءة تتجاوز الحدث إلى ما وراءه من دلالات رمزية ونفسية.

ومنذ اللحظة الأولى؛ حين يظهر الجميع بوجوه مهرجين، ليقولوا بصوت واحد: “بخ.. سبرايز!”، يعلن العرض عن نفسه بفكرة “الإنسان المؤدي لدور الحياة”، وليس الذي يعيشها بالفعل، وأن العرض يعلن أن المجتمع كله داخل كرنفال قسري؛ الفرح فيه أداء، والحزن فيه أداء، وحتى الرفض نفسه صار تمثيلاً. وهذه ليست مجرد سخرية اجتماعية، بل تشريح مؤلم لفكرة “التمثيل القهري للذات” داخل الواقع المصري خصوصاً، والعربي بشكل عام.

علاقتي الشخصية بالمخرجة عبير علي، مخرجة العرض، ليست وليدة هذا العمل، بل هي علاقة ممتدة عبر سنوات من النقاشات الحادة المتعلقة بالدراما والأسئلة المؤجلة. لذلك كنت واعية تماماً أن كل ما طُرح في العرض ليس مجرد أفكار مكتوبة بعناية درامية، بل قناعات حقيقية تؤمن بها المخرجة شخصياً، وتدافع عنها حتى خارج خشبة المسرح. فكثيراً ما اختلفنا حول شخصيات درامية يصر الخط السردي على تقديمها بوصفها مثالية أو مظلومة، بينما تكون محمَّلة بقدر من التناقض، أو حتى التواطؤ. ربما تكمن هنا أهمية أن يكون صانع العمل مؤمناً بما يقدمه؛ لأن الصدق لا يصطنع فنياً، بل يتسرب تلقائياً إلى الجمهور، فيشعر أن ما يُقال على الخشبة ليس أداءً بقدر ما هو موقف حي نابض.

والمثير في (البطة السودة) أنه نتاج مسرح الحكي الذي تتبناه المخرجة في إطار مشروعها “المسحراتية”، والحكي ليس توصيفاً تقنياً بقدر ما هو إعلان جمالي وفكري عن تقاليد الحكي الشفاهي، بما يحمله ذلك من ذاكرة جماعية، وتداخل بين الشخصي والعام. أما “المسحراتية” فتؤكد الانتماء إلى عالم السامر الشعبي، حين يصبح المسرح امتداداً للمقهى والحارة والسيرة، لا مجرد خشبة مغلقة، وكأنَّ العرض يستدعي سلطة الحكاء الشعبي بوصفه شاهداً على القهر الاجتماعي.

لذلك كان النص في أسمائه الابتدائية الأولى: قابل للكسر/ البهاليل، وهذا يكشف عن تعدد زوايا النظر إلى الفئة التي يتعامل معها (أولاد البطة السودة). فالعنوان الأول يحيل إلى الهشاشة الإنسانية والاجتماعية، وإلى شخصيات مهددة نفسياً وطبقياً، بينما يشير “البهاليل” إلى دلالة مزدوجة؛ إذ يشير شعبياً إلى المهمَّشين، أو مَن يُنظر إليهم باعتبارهم خارج النسق الطبيعي للمجتمع، لكنه في الوقت نفسه قد يحمل بُعداً يتعلق بجعل “البهلول” كائناً يرى الحقيقة خارج منطق السلطة الاجتماعية.

ثم يأتي العنوان الأكثر قسوة ووقعاً: (ولاد البطة السودة) -كما تُنطق بالعامية المصرية- وهو تعبير شعبي شديد الحمولة الطبقية والعنصرية، يستخدم للإشارة إلى الأبناء الأقل حظاً، أو المختلفين، أو المنبوذين داخل البنية العائلية والاجتماعية نفسها. وهنا يتحوّل العنوان من توصيف شعبي، إلى إدانة ثقافية لبنية الإقصاء والتهميش، من خلال الشخصيات المختارة.

والجميل أن النص غير مبني على شخصيات واقعية بالمعنى التقليدي، بل تبني لنماذج موجودة في كل المجتمعات. فهناك المثقف الصعلوك الذي يرى التناقضات، لكنه عاجز عن التغيير، فيتحوّل وعيه إلى تهكُّم وعبث. أما الشخصية “غير المنتمية”، فهي المبهورة بالغرب، عبر حشر كلمات أجنبية قسراً في جُمَلها، فتبدو لغتها هجينة، تائهة، وفاقدة لهوية أصيلة. وتعد شخصية “سورس الفصام” Schizophrenia Source من أذكى الشخصيات في النص؛ لأنها تجسّد المجتمع المتناقض: تؤمن بالعلم والخرافة معاً، تدافع عن المرأة ثم تُدينها، تتعاطف مع الفقراء وتمارس الطبقية عليهم في الوقت ذاته. أما الموظف المتوسط، فهو صورة الإنسان الذي اختار النجاة بالصمت، حتى اكتشف أن “المشي جنب الحيط” لا يحمي أحداً من الخراب الداخلي.

اعتمد العرض كثيراً على تقنية “التكنيك عبر الضحك”. فالتجاوب الذي يحصل بين الجمهور، وما يحصل على الخشبة، ملفت بالفعل، لكنه يكشف عن فاجعة! فسؤال مثل: “نانسي عجرم بتعمل بي بي زيِّنا؟” يبدو عبثياً، لكنه -في العمق- يسأل عن علاقتنا بالمشاهير، والطبقات، والصور المصنوعة، وعن ميل المجتمع إلى تحويل البشر إلى أيقونات فوق إنسانية؛ بحيث يتم التفكُّر إن كانت الفنانة تقضي حاجتها الطبيعة كما باقي البشر العاديين!

كذلك كان مشهد “العصفورة والضفدع” من أقوى المقاطع التي تناقش -بشكل رمزي عميق- زواج المختلفين. الحكاية تبدو خرافية وبسيطة، لكنها -في الحقيقة- تكثيف لكل أشكال العنصرية: الطبقية/ اللونية/ الثقافية، وحتى الجندرية، لكنهم لخَّصوها هكذا: “العصفورة ما قدرتش تعيش في الميّه… والضفدع ماقدرش يطير”!

الضفدع هنا ليس “الآخر القبيح”، بل المختلف الذي يرفض المجتمع الاعتراف بحقه في الحب والحياة. والمفارقة الذكية أن الشخصيات التي تغني أغنية الشحرورة صباح: “أسمر أسمر طيب مالُه؟” هي نفسها التي تعجز عن تقبُّل الاختلاف الحقيقي. وهنا يفضح النص النفاق الاجتماعي وقبول الاختلاف كشعار، لكن رفضه كممارسة وفعل قائم. وفي رأيي أن اسم العرض (ولاد البطة السودة) شديد الذكاء؛ لأنه يستدعي -منذ البداية- فكرة المختلف والمنبوذ الذي لا يشبه السرب. فكل الشخصيات التي تظهر على الخشبة “بط أسود” بطريقتها الخاصة، حتى الذين يمارسون القمع؛ هم أنفسهم ضحايا منظومة أكبر منهم، وكأنَّ العرض يقول إن القسوة ليست دائماً صفة فردية، بل ميراث اجتماعي ينتقل بين البشر حتى يصبح الجميع شركاء فيه بدرجات متفاوتة.

لذلك، أكثر ما يميز أفعال (أبناء البطة السودة) في العرض، هو المزج بين الحكي الشعبي، والكباريه السياسي، والكلاون، والمايم، والانتقال السلس بين الكوميديا السوداء والألم الوجودي المستمر. كما ميَّز العرض أيضاً الاعتماد على الكولاج؛ حيث تتجاور الأغاني المألوفة لدى الجمهور بصوت وأداء تمثيليّيْن رائعيْن للممثل محمد علي حزين، وبمشاركة بقية الممثلين فيه. ومن المهم الإشارة إلى أن الاقتباسات الغنائية في النص ليست للزينة، بل تعمل كتعليق شعبي ساخر ومؤلم على مصائر الشخصيات. كذلك وُضع الفيديو المساند في خلفية الخشبة لتأكيد الحدث (رغم عدم الحاجة لذلك في بعض المشاهد؛ لأن الممثلين كانوا يرددون ما يُكتب في الشاشة)، بالإضافة إلى الحكايات الشخصية، لتكوين صورة مجتمع مفكك ولا يتفق على رأي في المجمل، أو يتوقع منه ذلك، مهما كان ظاهراً! كما تم أيضاً استخدام الكراتين باعتبارها رمزاً لإنسان معلب وجاهز، لكنه هش وقابل للكسر. أما السلالم التي استخدمت بشكل رئيسي في العرض لتعتليها الشخصيات، فلم تكن مجرد قطع ديكور تشغل بها الخشبة، بل كانت عبارة عن استعارة بصرية لعالم طبقي ونفسي قائم على العلوّ والعزلة والانفصال، وكلها عناصر تظافرت لإعلاء جودة العرض وقيمته في المتعة الحسية، والبصرية، والسمعية أيضاً.

وأجمل ما في (ولاد البطة السودة): أن الاقتباسات فيها ليست جملاً لامعة فقط، بل جمل تكشف انهيار الوعي الجمعي، وتناقض الإنسان المعاصر، مثل: “أنتم وكأنكم مهرجين.. مفيش حد فيكم حقيقي”، وهي جملة افتتاحية تلخص فلسفة العرض كاملاً؛ فالجميع يؤدي دوراً اجتماعياً أكثر مما يعيش ذاته الحقيقية. وعلى صلة قريبة بالجملة السابقة، نجِد: “ما تبقاش متأكد قوي كده”، وهي الجملة المتكررة للمثقف الصعلوك، وتكاد تكون الشعار الفلسفي للعمل كله؛ حيث التشكيك في اليقينيات الاجتماعية والسياسية والدينية. ويأتي السؤال المتكرر في العرض: “هو في حاجة أكيدة؟”، ويبدو -في ظاهره- سؤالاً وجودي بسيطاً، لكنه يهدم كل البنى الثابتة التي يعيش الناس داخلها، ويعيد التشكيك فيها، وهو تساؤل يُقال كأنَّه محاولة للتخفيف أو التشبث بأي يقين صغير وسط الفوضى، لكنه في العمق يحمل فلسفة إنسانية كاملة عن علاقتنا بالمعنى، وعن الطريقة التي نحاول بها النجاة من هشاشة العالم. الإنسان -بطبيعته- لا يحتمل العيش مع الشك الكامل، لذلك يبحث عن “الحاجة الأكيدة” التي تمنحه توازناً نفسياً، حتى لو كان كل شيء من حوله يتغيّر أو ينهار، وقد تكون هذه الحاجة شخصاً، أو ذكرى، أو فكرة، أو حتى وهماً صغيراً نتمسك به كي لا نسقط في فراغ العبث.

قوة السؤال تأتي أيضاً من صياغته الشعبية والبسيطة، فهو لا يدَّعي الحكمة الفلسفية المباشرة، لكنه يلامس حاجة بشرية قديمة جداً؛ الرغبة في اليقين أو الأمان. فنحن في زمن تتآكل فيه الثوابت، وتتبدل فيه العلاقات ومواقع الأشخاص في قلوبنا. فالناس لا يتمسكون بالأشخاص لأنهم مثاليون، بل لأنهم يمثلون “الحاجة الأكيدة” وسط الفوضى، وبعضهم يبقى في بيئات عمل أو سكن مؤذية، فقط لأن المجهول أكثر رعباً من الواقع المألوف. حتى بعض الأفكار والقناعات التي ندافع عنها، لا تكون عن قناعة تامة، بقدر ما هو خوف دفين من فقدان أي يقين! لذا يبدو السؤال موجعاً؛ لأنه يكشف الهشاشة الإنسانية، أكثر مما يمنحنا الطمأنينة. المثير أيضاً أن (ولاد البطة) لا يقولون ما هي “الحاجة الأكيدة”، ويتركوها مفتوحة، وهنا تكمن عبقرية العبارة. فكل متلقٍّ يملأ هذا الفراغ بما ينقصه هو شخصياً؛ إذ قد يكون الحب، أو الوطن، أو الإيمان، أو حتى الأمل بأن يكون الغد أقل قسوة. لذا فهي مرآة نفسية للجمهور، تعلق في الذهن؛ لأنها لا تقدم إجابة، بل تضع يدها على سؤال إنساني مستمر: ما الشيء الحقيقي الذي يمكن أن نطمئن إليه في هذا العالم؟

يعتمد العرض الممتد إلى ساعتين متواصلتين، بدلاً من ملء ذهن المتلقي بإجابات جاهزة، على إثارة الأسئلة، دون أن يضطر لتقديم مقترح نهائي، أو الادعاء بامتلاك الحقيقة، بل يترك الجميع معلقين داخل سؤال مفتوح: “هو في حاجة أكيدة؟”. ولعل هذا السؤال تحديداً هو قلب العرض الفلسفي. فالشك هنا ليس ضعفاً، بل محاولة أخيرة للنجاة من يقين اجتماعي خانق يأتي على شكل مسلَّمات يجب قبولها، ولو على مضض، وإلا بدا الإنسان ناقصاً أو شاذاً عن السياق. لذا لا يبدو عنوان (ولاد البطة السودة) مجرد استعارة عن المختلفين والمهمشين داخل المجتمع، بقدر ما يبدو سؤالاً عن إمكانية النجاة أصلاً: هل يُسمح للعصفورة أن تتزوج حبيبها الضفدع؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا