المناضل حميد مجيد عصي على النسيان

0
65
خليل زينل

لكل إنسان بصماته وآثاره التي يتركها حين يستذكره الناس عند رحيله أو حتى قبله، سواء كانت آثاراً مادية أو معنوية.. وقلة من الناس الذي يصبح عصياً على النسيان رغم مرور ما يقارب نصف قرن من الزمان.

وأنا أقارب العشرين  من عمري حطيت رحالي في صوفيا عاصمة بلغاريا الاشتراكية بتاريخ 9/9/1979  طالباً أبحث عن العلم والمعرفة وفنون إدارة المجتمع في أكاديمية العلوم الاجتماعية التي تضمّ طلاباً وصفوة من السياسيين والنقابيين من مختلف بلدان العالم في دورة استمرت لمدة عام أكاديمي، انتهت بمنتصف يوليو 1980، ومن بين الوفود العربية، الوفود الفلسطينية بتعدد فصائلها، والوفدان اليمني بشماله وجنوبه الاشتراكي، والوفد العراقي وكاتب هذه السطور من البحرين، ومن الطبيعي أن اكون مع الوفد العراقي في السكن والدراسة وممارسة الرياضة كونه الأقرب إلينا من جميع النواحي عبر التاريخ والجغرافيا، وكوني شاباً يافعاً ورياضياً فقد شاركت الفرقة العراقية في معظم الألعاب الجماعية في كرة القدم والسلة والطائرة وتنس الطاولة واستطعنا ولأول مرة ان ننتزع المركز الأول من الفرقة الكوبية المنافسة لنا.

ورغم ضخامة الوفد العراقي المقارب لأربعين فرداً تقريباً بمستوياته المتعددة ودراساته المختلفة، البعض منهم طواهم النسيان سريعاً والقلة منهم بقوا عالقين في الذاكرة يصعب نسيانهم لعل أبرزهم حميد مجيد موسى المعروف بأبي داوود وزوجته وابنته أسيل وهي في عامها الأول.

كثيرون كتبوا عن أبي داوود وعن سيرته وعطاءه وتضحياته ومراحل حياته ونضاله وسجاياه، إلا إنني سوف أتناول فقط ذكريات العام الدراسي الذي تشاركنا فيه، وكان أبو داوود يمثل، يومها، الجيل الجديد في قيادة الحزب آنذاك، وظهر ذلك جلياً لاحقاً عندما تبوأ مركز الأمين العام في الحزب.. يتأنق في مظهره بالبدلة الإفرنجية، ذو شارب رفيع.. هادئ الطباع، قليل الكلام ونادر المشاركة في الفعاليات، كرّس جل وقته للدراسة ثم لتنظيم الفعاليات القادمة وللأسرة. كان يعبر يومياً ملعب كرة القدم عصر كل يوم حاملاً معه رزمة من الكتب والملازم البحثية ذاهباً إلى صومعته في المكتبة حتى قبل منتصف الليل للبحث والدراسة تحضيراً لرسالة الماجستير والتي كان يعدّها.

 له سجل حافل في مقارعة الدكتاتورية فكرياً ونظرياً، قوي المنطق، يقارع الحجة بالحجة مؤمن ومدافع شرس عن أفكار الطبقة العاملة وحزبه المقدام، تعرض للكثير من المضايقات والمخاطر وخاض تجربة السجن المريرة في فترات من حياته وأزمنة العراق المتعددة من أجل وطن حر وشعب سعيد.

في الفعاليات التي كانت الأكاديمية تقيمها في القاعة المركزية مثل احتفالات ثورة أكتوبر ورأس السنة الميلادية وعيد المرأة وعيد العمال العالمي وحيث ان الكلمات باللغة البلغارية ونتيجة لقلة المترجمين فقد كان يحضر مبكراً متأنقا بطلته البهية وابتسامته المشرقة بمعية زوجته أم أسيل، يقف على رأس الطاولة وظهره للمنصة يترجم لنا كلمات القادة والوفود بكل مهنية واقتدار.

افترقنا قبل ستة وأربعين عاماً، ولم يتسن لي أن تقرّ عيني برؤيته ثانية سوى مرة واحدة في مدينة مالمو السويدية في ندوةٍ أقامها في تسعينيات القرن الآفل.. وكم كان متواضعاً حين دعاني في الاستراحة لأخذ حصتي من الشاي والقهوة معاً ونحن واقفين في صفٍ طويل شأنه في ذلك شأن بقية الحضور.. ليسألني عن البحرين وظروفنا الصعبة آنذاك. 

 المرحلة الأخيرة كانت عدة مكالمات هاتفية مع أفراح عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية، وكم كان يبث فيّ روح التفاؤل والانتصار والتغيير القادم، وهو ما حصل عندنا عام 2001، وما حصل في العراق بسقوط حكم صدّام في عام 2003.

كنتُ أتسقط أخباره وعائلته، ولكن نتيجة لزيادة أعبائه الرسمية والتزاماته السياسية والبرلمانية العديدة ولظروفه الصحية تجنبت الاتصال والتواصل إلى أن غادرنا بهدوء كطبعه، في خسارة كبيرة لا تعوّض لشخصية وطنية وأممية عراقية ويظل أبو داوود حميداً في طبعه مجيداً في تاريخه عصياً على النسيان.

سلاماً لروحه، ولأسرته ولرفاقه ولنا جميعاً الصبر الجميل مستلهمين منه كل قيم الخير والعطاء والمثابرة من اجل وطن حر وشعب سعيد.