نتوقف أمام ملف حقوق الإنسان، ملف يستحق التوقف عنده مرات، ولأسباب معروفة باتت تصول وتجول فى واقعنا الراهن، من انتهاكات صارخة لا تنتهي، ولكن هذه المرة نتوقف تحديداً أمام التحذيرات التى أطلقها فى الآونة الأخيرة أعلى صوت أممي، أمين عام الأمم المتحدة انطونيو غوتيريش. قال الرجل قال بمنتهى الصراحة والوضوح: “إن حقوق الإنسان تتعرض لهجوم شامل في مختلف أنحاء العالم، وإن سلطة القوة باتت تطغى على سيادة القانون، وإن الاعتداء على هذه القيم لم يعد يتم في الخفاء، بل يحدث على مرأى ومسمع الجميع، بل أحيانًا بقيادة قوى كبرى تتباهى بذلك.”
وهذا الذى قاله الرجل لا يُقرأ بوصفه خطابًا من خطابات المناسبات والعناوين الثابتة فى المؤتمرات، بل جرس إنذار قوي في عالم يتفكك فيه ميزان العدالة، وتُستبدل فيه القواعد ب “شريعة القوة”، وتتحول حقوق الإنسان إلى ورقة ضغط تستخدم لخدمة مصالح دول، تستدعى أو تهمل وفق اعتبارات معينة، أهمها اعتبارات موازين النفوذ والمصالح والمآرب الدفينة وغير الدفينة مما وضع العالم على بوابة زمنٍ جديد، لم تعد فيه حقوق الإنسان كما كانت تُقدَّم بوصفها قيمة إنسانية جامعة تتجاوز المصالح والحدود فتحوّلت أداةً انتقائية تُرفع في وجه خصومٍ وتُغضّ عنها الأبصار حين تتعارض مع مصالح الأقوياء، وبين الشعارات البراقة والواقع المثقل بالحروب والنزاعات، تراجعت قدسية الإنسان أمام حسابات القوة والنفوذ، حتى بدا وكأن العالم لم يعد يناقش حقوق الإنسان بقدر ما يتفاوض على حدودها.
ومن الزاوية المذكورة لا يمكن المرور على ما قاله أمين عام الأمم المتحدة مرورًا عابرًا فهو تحذير ثقيل المعنى، يكاد يرقى إلى ما يشبه إعلان وفاة القانون الدولي بصورته التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، فما قاله بمثابة إنذار سياسي وأخلاقي مبكر يفيد أن العالم يقترب من نقطة خطرة يُعاد فيها التعامل مع الإنسان لا بوصفه صاحب حق، بل عبئاً يمكن التضحية به باسم الاستقرار، أو المصلحة العليا، وحتى غير العليا. لم يحذر غوتيريش من انتهاكات معزولة، بل من مسار عالمي يبدأ بتآكل الحريات، وتطبيع القمع، وتوسيع الاستثناءات القانونية، وتراجع قيمة الكرامة الإنسانية في السياسات العامة، فحين تُقيَّد حرية التعبير باسم النظام، وتُهمَّش العدالة باسم الواقعية، فإن حقوق الإنسان فى أبسط تفسير لا تُنتهك فقط، بل تُفرَّغ من معناها.
في كلمته أمام افتتاح الدورة الحادية والستين لمجلس مجلس حقوق الإنسان في جنيف، وهى آخر كلمة له فى افتتاح المجلس بوصفه أميناً عاماً للأمم المتحدة حيث تنتهى ولايته فى نهاية العام الحالي قال غوتيريش ما صار كثيرون يخشون قوله علنًا، قال: “إن الهجوم على حقوق الإنسان ليس خفيًا، ولا طارئًا، ولا استثناءً وأن ذلك يحدث اليوم في وضح النهار”، مضيفاً: “إن حقوق الإنسان تتعرض لصدّ ممنهج في جميع أنحاء العالم يتمّ تارة عن عمد، وتارة وفق استراتيجية مرسومة، بل ويصل الأمر أحيانا إلى التباهي بهذا التراجع”، وذكر “أن حقوق الإنسان تتعرض لهجومٍ شامل في جميع أنحاء العالم، وأن سلطة القوة باتت تطغى على سيادة القانون”، مؤكدا على أن “هذا الاعتداء لا يأتي من الخفاء، ولا هو بالحدث المباغت بل إنه يقع على مرأى ومسمع الجميع، وغالباً ما يقوده أصحاب القوة العظمى”، وحذّر من عواقب وخيمة لهذا التراجع، قائلاً: “عندما تنهار حقوق الإنسان، ينهار كل شيء آخر، بدءاً من السلام إلى التنمية إلى التماسك الاجتماعي إلى الثقة والتضامن.”
فى السياق المذكور يصبح ما حدث ويحدث فى غزة وفى عموم الأراضي الفلسطينية المحتلة – المثال الأبرز وغير المسبوق – نموذجًا فاضحًا لإنهيار المعايير، انتهاكات صارخة، مساس بالكرامة الإنسانية، عقاب جماعي، قتل وتدمير، واستخدام مفرط للقوة، وتتعرّى اللغة الأممية أكثر من أي مكان آخر، حين نسمع عن حماية المدنيين، وضرورة إدخال المساعدات لهم فيما هم يقتلون، وتقصف أو تعطل المساعدات الإنسانية الموجهة للمحاصرين، ووجدنا هيئات ومنظمات ودولاً تبدي القلق من كارثة إنسانية، لكن ما لن يُقال بوضوح كافٍ، لماذا يُترك المدنيون تحت النار دون حماية فعلية؟، ولماذا لا تُربط الانتهاكات الواضحة بإجراءات ملزمة؟
لم تكشف غزة فشل السياسة فقط، بل هشاشة الخطاب الأخلاقي العالمي، وان حقوق الإنسان هى اليوم لغة بلا أنياب لأنها لم تتحول إلى محاسبة حقيقية، أو عقوبات رادعة، وهنا تكمن المأساة، اللغة الأممية تزداد أناقة بينما الواقع يزداد وحشية، فهل ما قيل في تلك التصريحات يكفي، أم أننا أمام لغةٍ تعرف حدودها جيدًا، وتتوقف قبل الخط الأحمر؟، وسؤال آخر يفرض نفسه ليس قانونيًا فقط، بل فلسفي وأخلاقي: هل ما زالت حقوق الإنسان حقوقًا، أم أنها امتيازات تُمنح وتُسحب وفق حسابات معينة، او ميزان القوة، او اعتبارات لاعلاقة لها بالحقوق او المبادئ والقيم الانسانية إن لم تمسّها بسوء فى الصميم؟
عندما تُدان انتهاكات حقوق الإنسان في مكان، وتُبرَّر أو يسكت عنها في مكان آخر، تفقد هذه الحقوق طابعها الكوني، وتتحوّل إلى أداة سياسية لا إلى مبدأ أخلاقي، ونصبح إزاء انتقائية فجة، وإلا لماذا تتحول بعض القضايا إلى أزمات مزمنة، لا إلى انتهاكات تستوجب المساءلة والعقاب، وهنا تكمن المفارقة القاتلة، المنظومة التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار الفظائع، باتت عاجزة – أو غير راغبة – في منعها حين يكون الجاني قويًا وصاحب نفوذ.
متى يدرك جميع من يفترض أنهم معنيين أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إصدار بيانات، أو توقيع اتفاقيات إضافية، بل في إعادة الاعتبار لفكرة العدالة الدولية نفسها، بحيث لا تكون الحقوق امتيازًا تمنحه القوة، بل قيمة إنسانية يحميها القانون؟، فحين تصبح الحروب مشهدًا يوميًا على شاشات العالم، والسيادة الوطنية للدول تنتهك، وآلاف الضحايا من المدنيين يسقطون دون مساءلة حقيقية، يصيح حديث هؤلاء عن حقوق الإنسان فارغاً من مضمونه.
تحذير أمين عام الأمم المتحدة ليس نهاية النقاش، بل يجب ان يكون البداية الحقيقية فإما أن يُستعاد القانون الدولي كمرجعية فوق القوة، أو نعترف – بصراحة مؤلمة – أن العالم اختار العودة إلى شريعة الغاب، ولكن ببدلة رسمية، وخطابات أنيقة، وتقنيات ذكية، حتى بتنا فى مرحلة أصبح فيها القوي هو القاضي والخصم والحكم.


