الثقافة المتوحشة

1
50

في ظل اشتداد حرب الإبادة على الفلسطينيين من قبل الإسرائيليين ومباركة الأمريكيين والأوروبيين، وتوسع حروبهم في الشرق الأوسط، وآخرها حربهم مع إيران وتأثيراتها الخطيرة على أمن واقتصاد دول الخليج العربي، مقابل استمرار النظام الدولي في ضعفه وتخبطه وظلمه تجاه القضايا الكبرى على مستوى العالم، يُطرح السؤال من جديد: هل الثقافة الغربية مُؤنسنة أم أنها متوحشة؟ وهل الثقافة الغربية تتقاطع مع الثقافة الحديثة أم تتناقض معها؟

قبل ثلاثة عقود، اتُهم المفكر العراقي هادي العلوي من قبل العديد من الليبراليين والمثقفين العرب بالتعصب والتشدد في موقفه من الغرب الأوروبي عندما وصف ثقافة هذا الغرب بالهمجية والمتوحشة، وبالعدو التاريخي للعرب.

يرى العلوي ضرورة التفريق بين الثقافة الغربية والثقافة الحديثة. فالأولى خط ثقافة متصل من اليونان فالرومان فالعصور الوسطى فعصر النهضة حتى العصر الحديث، وينتظمها محور تدور عليه وهو التملك الخاص وغريزة الربح. ويكمن في جذورها همجية الإغريق الإبادية/سلوكيات صولون في حروبه، ثم همجية الرومان/الغالياتورية وصراع الأسرى العزل مع الضواري في حلبات مقفلة داخل المسارح.

أما الثقافة الحديثة – وإن كان منشؤها في الغرب – فإن بنيتها العامة تختلف عن الثقافة الغربية بمفهومها الحاضر. فالثقافة الحديثة لها خط آخر ليس غربياً خالصاً، بل تستمثل فيه مصادر متعددة. ويمكن البدء بها من الرشدية اللاتينية، فلسفة الأحرار الأوروبيين في أواخر العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة. وتكمن الرشدية في جذر ثقافة التنوير البرجوازية التي تطورت في غضون عصر النهضة واستحكمت في القرون اللاحقة حتى بلغت أوجها في القرن الثامن عشر. ويتكامل مع هذا الخط الرشدي أو الإسلامي بوجه عام خط مسيحي متصل مباشرة بثقافة الأناجيل المشاعية المؤنسنة. ثم تأتي الماركسية بثورتها الفكرية الشاملة والمنفتحة على ثقافات الأمم في حركة انشقاق كبرى على خط الثقافة الغربية بمنهجيها الغالياتوري والتجاري. ويكتمل بذلك منحى الثقافة الحديثة المتكون في الغرب، ولكن باستمثالات عديدة المصادر.

تقودنا أطروحة العلوي إلى تسليط الضوء على ازدواجية صارخة بين الخطاب والممارسة في الثقافة الغربية، بين ما يقدمه الغرب لنفسه وما يمارسه على الآخر. إنها الثنائية التي يلتقطها عنوان “الثقافة المتوحشة” بدقة متناهية. هذه الازدواجية ليست مجرد سلوك عابر، بل هي منهجية مؤسسة يعترف بها صناع القرار الغربيون أنفسهم في التاريخ الحديث والمعاصر.

هذه الازدواجية تجسدت بوضوح في مقولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد لويد جورج، الذي وصف معاهدة فرساي بعد الحرب العالمية الأولى بأنها “تحتوي على كل عناصر الحرب المستقبلية”، لكنه وقعها مع ذلك. إنها العقلية التي ترى في الآخر مجرد أداة أو عائق في أفضل الأحوال، وهدفاً للإبادة في أسوئها.

يكشف لنا التاريخ الاستعماري للغرب أن “الوحشية” ليست مجرد نزوة عابرة، بل هي بنية فكرية متأصلة. فعندما غزا الأوروبيون الأمريكتين، برروا إبادة السكان الأصليين بأنهم “همج” يحتاجون إلى التمدن، مستخدمين مفاهيم راقية مثل “الحضارة” و”التنوير” كغطاء لأبشع عمليات الإبادة الجماعية. هذا النمط تكرر في إفريقيا وآسيا، واليوم يتكرر في فلسطين ولبنان، حيث تُستخدم ذات المفردات: “الديمقراطية” و”حق الدفاع عن النفس” لتبرير قتل الأطفال وتهجير المدنيين وتدمير البنى التحتية.

إن ما يميز أطروحة العلوي هو قدرتها على تعرية الثقافة الغربية ككل، وتفكيكها إلى مكوناتها الأساسية. فالتمييز الذي يقيمه بين “الثقافة الغربية” المتوحشة و”الثقافة الحديثة” المؤنسنة هو تمييز ثوري في جوهره. إنه يخبرنا أن ما هو إنساني في التراث الغربي (كالأناجيل المشاعية أو الماركسية أو التنوير البرجوازي في أفضل حالاته) ليس من نتاج الغرب وحده، بل هو تراث إنساني عالمي، بينما “الوحشية” هي نتاج علاقة محددة بالملكية والربح والإبادة المتجذرة في التاريخ الأوروبي.

هكذا يريد أن يقول لنا العلوي: إن الثقافة الحديثة ليست حكراً على أحد، وإذا كانت قد نشأت في الغرب، فإن مستقبلها الإنساني مرهون بقدرتنا جميعاً -نحن في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا والعالم- على هزيمة عدوها المتمثل في “الوحشية الغربية” التي تلتصق بها. إن الحرب اليوم على غزة وفنزويلا ولبنان وإيران ليست مجرد حرب غطرسة وأطماع وتسابق على الثروات فحسب، بل هي أيضاً حرب على معنى الإنسانية ذاتها. هل نحن قادرون على استلهام خط “الثقافة الحديثة” المتعددة المصادر، لنؤسس لعالم جديد تتساوى فيه الدماء وتُصان فيه الكرامات؟

ربما تكمن المفارقة الأعمق في أن الغرب، وهو يمارس “وحشيته” بقيادة الأمريكيين والإسرائيليين اليوم في فلسطين وغيرها باسم الدفاع عن “الثقافة الغربية”، إنما يقتل في الحقيقة جذور “الثقافة الحديثة” التي أنتجت أفضل ما فيه. فحين يُسكت الصوت الأكاديمي في الجامعات الأمريكية والأوروبية، ويُقمع التضامن مع غزة في شوارع لندن وباريس، فإن المشروع الحقيقي للتنوير يُصاب في مقتل. لقد تحولت “الحداثة” إلى مجرد قناع تتغطى به الوحشية التاريخية للثقافة الغربية، وهذا هو الدرس الأقسى الذي تقدمه لنا راهنية الأحداث اليوم: لا يمكن الوثوق بثقافة تعلن إنسانيتها في المتاحف والإعلام وهي تقتل الأطفال والنساء والمدنيين في العديد من دول العالم.

1 تعليق

  1. الحضارة الغربية وهم مطلق لتسويق وتبرير ابشع الجرائم الإنسانية من قبل الغرب المسمى زورا صاحب الحضارة ؛ والصحيح هو صاحب مدنية عمرانية الغرض منها استعباد الشعوب و سرقة خيراتها

    تبا لهذه الحضارة الوهمية

Comments are closed.