المنسيّون بين حربين أو أكثر

0
3
كريم رضي

العنوان أعلاه مقتبس مع تصرف، من عنوان للروائية البحرينية ليلى المطوع لروايتها الصادرة في عام 2024 (المنسيّون بين ماءين) وتشير فيها إلى الماءين اللذين شكلا طبيعة هذه الجزيرة (البحرين) وهما الماء العذب والماء المالح وما حولهما من حكايات تمتزج فيها الأساطير بالتاريخ والحاضر. وأنا هنا فقط أقتبس العنوان دون أن تكون هناك أية علاقة بين الرواية وموضوع المقال.

حين أخرج صباحاً ذاهباً إلى مشواري كل يوم إلى الممشى على ساحل توبلي أو إلى أي مقصد آخر، فإن أول من ألاقيه هو عامل غسل السيارة الشاب البنغالي الذي كان يبادرني بالتحية ثم بالكلام عن الطقس: (اليوم واجد حر، اليوم واجد مطر، اليوم واجد زين)، أما منذ بدأت الحرب الأخيرة وبدأت تصلنا تداعياتها فقد تغير اهتمام العامل من رصد الطقس إلى رصد المتغيرات المتعلقة بالحرب: (اليوم في بوم، اليوم الحمد لله ما في بوم).

وحين أصل إلى الممشى، لا يختلف الحال كثيرا مع عامل تنظيف الساحل الكناس الهندي الذي بعد السلام وتحية الصباح يقول لي آخر مستجدات اليوم بقلق يبدو في عينيه المضيئتين بالحزن والشقاء.

أهمّ بأن أقول لعامل غسل السيارة أو عامل تنظيف الممشى: “لم لا تشتغل أونلاين؟” ثم أدرك أنني أسخر منه لو قلتها، مثلما قالت الملكة ماري أنطوانيت لفقراء باريس الثائرين في 1789 حين قيل لها: “إنهم لا يجدون الخبز” فأجابت: “ولم لا يأكلون الكعك؟”

وفي العموم أيقظتني الحرب لحقيقة طالما تجاهلتُها وهي أنني لا أصغي أصلاً لكلام العامل وهو يحدثني. لا أعتقد أنني وحدي بل نحن بشكل عام مشغولون جداً عن الالتفات لمن حولنا. فحتى في غير ظروف الحرب، مثلاً كم مرة قال لي عامل مغسلة الملابس، وهو يريني صورة في هاتفه: “بابا شوف هذا ولد مال أنا، الحين عمره واحد سنة، لكن أنا ما يشوف، إن شاء الله إذا أروح في إجازة أشوف”؟، أو ربما لفتني عامل غسل السيارة إلى أنه في غيابه لمدة شهرين، تزوج، “سوا عُرس” وربما أراني صورة امرأة شابة تشع عيناها حزنا ولهفة وترتدي “الساري” وقال لي: “بابا هذي عروس”. لا أذكر أنني أو أحدا ممن أعرفهم يدير أصلاً انتباهه لعامل وافد يحدّثه عن حياته أو عن الطقس ولا حتى عن الحرب. ربما لا يزيد ردي عليه عن: “زين”، “انت خلصت لو بعد”؟

وإذن فإذا لم أكن مهتما أصلاً بما يقول لي في حضوره معي فهل تراني سأحمل همّهُ معي إلى البيت وأنا مشغول بصفارة الإنذار ومطالعة “الجزيرة” و”بي بي سي” ومناقشة أخبار الحرب وأنباء وصول دفعة جديدة من مصابيح الطاقة الشمسية في المحلات المجاورة وغير ذلك من الاهتمامات التي لا يقع في صُلبها ولا مرة واحدة مصير عامل مهاجر، سرعان ما سأجد غيره لو حصل أنه عاد إلى بلده أو عاقته الحرب عن تقديم خدمته لي.

هل نحن الخليجيون أنانيون كشعوب؟ هل نحنُ نكره الأجانب؟ هل نحنُ عنصريون؟ لا أعتقد ذلك إطلاقا. إن معظم بحوث ظاهرة الإكزينوفوبيا Xenophobia   وهي ظاهرة “كره الأجانب” لا يوجد فيها شواهد قوية تعتبرها ظاهرة في دول الخليج – عدا قصص معزولة لا تمثل نمطاً – وأعتقد أن ذلك مردّه أولاً جغرافيا إلى البحر، حيث يغلب على سكان الشواطئ عادة تسامحهم في التعامل مع الوافدين إلى بلادهم. وثانيا لأن حياة الإنسان الخليجي ارتبطت بنيوياً بالعامل الوافد في الأعمال التي قد يأنف الخليجي أو يريد أن يتفادى تكلفة أدائها سواء من ناحية الكلفة المالية أو الكلفة الاجتماعية.

لكن يمكنني على الأرجح وصف شعورنا بأنه أقرب إلى الإهمال وعدم الاهتمام. نحن باختصار نعيش في عالمين متوازيين لا يلتقيان إلا بشكل نفعي بحت تقريباً، بين من يعمل ومن يدفع.

بالنسبة لنا يبدو العامل الوافد أقرب إلى آلة علينا المحافظة عليها فقط لئلا يحدث فيها عطل يمنعها من العمل. لذلك قلما تلفتُ انتباهنا ونحن نتحدث عن آثار الحرب تداعياتها على العمالة الوافدة طالما كنا ضامنين وجود بديل سهل فيما لو ترك هذا العامل عمله سواء بسبب سفره خوفاً من أخطار الحرب أو ربما حتى بسبب تعرضه لضرر جسدي أو نفسي. نحن محليون Local إلى حدٍّ كبير ولا تشغلنا غير همومنا المحلية وحين نناقش الحرب نبحث في تداعياتها السياسية والاقتصادية علينا أولاً وأخيراً مع هامش بسيط من الاكتراث بالوافدين الذين هم ببساطة (ناس غير).

ولعلي أضيف أنه ربما ينظر بعضنا “محقاَ” إلى ظاهرة الهجرة العكسية بسبب الحرب وكأنها هبةٌ من السماء لنا تخلصنا من “الأجانب” حتى أن البعض قد يسرد بفرح تدفق العمالة الوافدة على المطارات للسفر هرباً من الحرب.

يبلغ عدد الوافدين الأجانب في دول الخليج مجتمعة نحو 30 مليون نسمة. تأتي السعودية في المرتبة الأولى في أعدادهم في المنطقة الخليجية، حيث يمثلون ما نسبته 40.3 في المئة من السكان عام 2024، في حين يمثل الوافدون في دولة الإمارات 74 في المئة من السكان عام 2024 حسب تقديرات البنك الدولي. ويمثلون 76.7 في المئة من سكان قطر، و43.2 في المئة من سكان عمان، و52.3 في المئة من سكان البحرين، و67.3 في المئة من سكان الكويت، وفي جميع هذه البلدان تعرّض العمال الوافدون إلى مخاطر كثيرة من بينها الإصابة بل وحتى الموت.

لقد حدث ذلك مجدداً هذه المرة بعد أن مرّ آباء العمال الحاليين بنفس الظروف في حرب غزو الكويت في عام 1990 والحرب الأميركية على العراق عام 2003، لكنه بات أعنف وأخطر هذه المرة.

لكن ومع أننا لأول وهلة نتصور أن الخطر الأكبر الذي يحدق بالعامل الوافد هو خطر الإصابة أو الموت إلا أنك لو تحدثت إلى أي عامل أو عاملة منهم ستجد الخطر الأهم في تصوره ليس كذلك بل هو خطر فقدان عمله وعجزه عن إعاشة أسرته.

كان أحد أصدقائي غاضباً جداً من تأخر عامل توصيل وجبة من أحد المطاعم عن الموعد المتفق عليه. وبينما راح العامل يشتكي من زحمة السير التي أخرته كونه جاء على الدراجة النارية من شارع البديع حيث المطعم إلى مدينة عيسى حيث المنزل، ويقول للزبون أنه تنازل عن نصف مبلغ التوصيل، راح صديقي الغاضب يقرّع العامل ويطالب بالتنازل عن كامل مبلغ الوجبة عقاباً له.

قلت لصديقي: “اهدأ قليلا، ولاحظ أنك طوال 40 يوم من الحرب وأنت تشتغل “أون لاين” آمنا من كل خطر وهذا ترف لا يملكه عامل التوصيل، بل على العكس من ذلك مهمات التوصيل تزداد خلال فترة الحرب بسبب تردد الناس في الذهاب إلى المطاعم”. لا أعلم إن كان قد انتبه حقا إلى ما أقول.

الخطر الأكبر لأي إنسان هو أنه مضطر أن يتعايش مع الخطر وجهاً لوجه ولا يهرب منه، وهذا هو بالضبط وضع العامل الوافد الذي لا يأبه بالموت أو الإصابة بل باستمرار قدرته في الكدّ على أسرته حيث هناك على بعد آلاف الأميال تنتظره ابنته التي تدرس التمريض وطفله الذي في الروضة وزوجته التي تغسل وتكنس البيت وتنظر التحويل الشهري أو السنوي منه إليها وربما أمه التي تكافح مع أدويتها للبقاء على قيد الحياة.

ولعلّ لقائل أن يقول: “لكن أليست هذه حال كل شعبٍ تحت الحرب والقصف والتي لا يعيرها المتحاربون أدنى اهتمام؟ فلماذا نقصرها على الوافدين؟”

الفرق هو أنك في النهاية بين أهلك وفي بلدك حيث لا تطيب الحياة فقط بل حتى المرض والموت أيضاً، ثم أنك تستطيع اتخاذ بدائل عن مواجهة المقذوف الناري من خلال العمل عن بُعد أو من خلال اللجوء لحظة الخطر إلى دارك. أما هؤلاء العمال في معظمهم خاصة حين نتحدث عن عمل تنظيف الشوارع والأحياء، توصيل الطلبات، البناء والإنشاء، تصليح السيارات، تركيب وتصليح الأنابيب والكهرباء والتجهيزات المنزلية، الحراسة وغيرها من الأعمال التي لا تُؤدى إلا حضوريا، فلا يمكن العمل عن بُعد.

كما أن أهم فرق بينك وبينهم إذا ما أخذنا هرم ماسلو (1908- 1970) في الاعتبار، الذي يصنف احتياجات الإنسان فيجعل الحاجة للتقدير والاهتمام والأمان فوق كل الحاجات الفسيولوجية الأخرى من أكل وشرب وغيرها، فإنك على الأقل تجد من يشبع ذلك من اهتمام القريبين منك وتقديرهم لما تعانيه أو تتخوف منه، بينما هم  قد يسكثرون حتى هذا الاهتمام على أنفسهم!!، لأن العامل الوافد بشكل عام يرى أن سلامته وذاته تأتي في أدنى المراتب قياساً بتوفير اللقمة والكساء والعيش الكريم لأسرته البعيدة عنه في طرف آخر من الكوكب.

أختم ببطل قصة أوردتها BBC هو ديباس شريستا، وهو نيبالي يبلغ 29 عاماً، عمل كحارس أمن ولقي حتفه بسبب الحرب في إحدى دول الخليج.

قال عمه رامش لبي بي سي: “حاولت إقناعه بالعودة إلى نيبال، لكنه قال إنه يحب عمله، وإنه يعيش حياة جيدة”.

عندما اندلعت الحرب، أكد شريستا، لعائلته، أن الوضع آمن. وكتب في منشور على فيسبوك، أن متابعة الأخبار جعلته “قلقاً”، لكنه شعر أيضاً أن “الأخبار تعرض أحياناً معلومات مبالغاً فيها أو مضللة”.

قال عمه: “إن شريستا كان يدخر المال لإعادة بناء منزل والديه، بعد تضرره في زلزال عام 2015 الذي أودى بحياة المئات. وأضاف: “كان ابنهما الوحيد، كان لطيفاً وذكياً جداً”.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا