المثقف العضوي ودينامية التفاعلات المعاصرة

0
5

تثار بين الفترة والأخرى حوارات مثمرة حول المثقف ودوره المعاصر في مرحلة بداية قرن سيكون المتسيد فيه ليس الطبقات -وأن لم تختف- بل الشبكة، والتقنية، والفضاء العمومي. سيكون المثقف العضوي الذي  طرحه غرامشي صالحًا لمرحلة هيمنة الرأسمالية وابعادها واثقالها المعرفية والعلمية، وهي مرحلة سابقة، اقصد أن مرحلتنا الحالية، تتطلب رؤية مختلفة للمثقف، وأن أبقت على طروحات غرامشي، نحن بحاجة إلى مثقف بامكانه أن يستوعب الشبكة الخوارزمية، الأشياء، سيولة النص، الامكانيته المعرفية باحتواء هذه الميادين التي تعمل عليها الرأسمالية ايضًا.

ولعل غرامشي كان يعي ابعاد تطور الرأسمالية واشكال حقولها ولكن ضمن مرحلة إنتاج مفهومه  عن المثقف، فاقترح “المثقف العضوي” يشمل به كل ابعاد الفكر الرأسمالي يومذاك، وكانت صياغته لهذا المثقف قضية توسيع المعارضة للرأسمالية باعتبار المثقفين العنصر الأكثر فاعلية – بعد العمال- في انتاج الأفكار من التناقضات الاجتماعية ووضع الطبقة العاملة، لكن هذا الوضع للرأسمالية لم يعد قائمًا بحرفياته القديمة  اليوم، فقد اتسع وتنوع مفهوم الرأسمالية، وضاق وتشتت مفهوم الطبقات،  وما عاد  كل شيء ضمن سياقاته القديمة، لذا يجب ان نسائل المثقف العضوي ضمن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية الحديثة والكيفية التي تطورت بها الرأسمالية، هل يمتلك أدوات جديدة لفهم ما يجري اليوم؟، أم كلما واجهته مشكلة حديثة يعود لفهمها لنصوص الثقافة وخطابها القديم؟ خاصة أن تنوع مصادر المعرفة، قد تجددت واضيف إليها الكثير، وأصبحت تدار من الفضاء وليس من المكتبات فقط.كما أن الأشياء لم تعد بمسمياتها القديمة، فقد أصبحت اكثر  مرونة واستيعابًا  للقضايا  المعاصرة من كونها أجزاء من الواقع، لتصبح العناصر المتفاعلة  ابداعيًا . الأشياء؛ هذا العالم الجديد الذي يلخص كل ما نحن فيه: اللغة شيء، الكتابة شيء، المواقف أشياء، النضال شيء، المعرفة شيء، الشجرة شيء، السجن شيئ، القراءة شيء، إلخ، بها بدأ  عصر حضور الأشياء الثقيل والمنفتح مرافقًا للإغتراب، مما يتطلب فهما أكثر جذرية لدور الأشياء والطبقة والمثقف العضوي.

لذا لم تعد الرأسمالية المعاصرة نظامًا اقتصاديًا فقط، بل أصبحت نظامًا معرفيًا – تقنيًا، تنتج اشكالًا جديدة من المعارف ما كانت موجودة كلها أو في اشكالها الحديثة ضمن فترة غرامشي، (جامعات، مراكز أبحاث، شركات، تكنولوجيا)، تتحكم في تداولها (منصات رقمية، خوارزميات) بعدما كان التحكم افرادًا، أو جماعات. هذا يعني أن تشكيل الوعي (الإعلام، الذكاء الاصطناعي، اقتصاد الانتباه والفهم،العلاقة مع الميديا،إلخ)  فرض نوعًا من العلاقة الجديدة بين المثقف وهذه البنية التي تحكمت بكل سبل الاتصال، يطلق كما هو شائع على هذه الثورة العلمية”اقتصاد المنصات” وعادت من جديد حقول بورديو الثقافية تعمل بطريقة أكثر عمقًا. ولكن هل يعني هذا نهاية المثقف العضوي؟ لا اعتقد انها النهاية؛  فالمثقف العضوي عليه أن يعيد ارتباطه بالطبقة  بطريقة يتفاعل مع تحولاتها، فالماركسية ليست نصية صيانية،بل تدميرية متحركة وتوليدية، لتغيير حقل الأرتباط مع الشبكة الخوارزمية ، بدلاً من البقاء ضمن مفاهيم ما عادت صامدة امام عنف الرأسمالية وإذابتها للفئات الاجتماعية القديمة.

 الطبقة كانت وما تزال هي الواجهة الدينامية التي تحرك التفاعل الاجتماعي، اليوم لم يعد  لها هذا الدور مع وجودها، بل أصبحت الطبقة تتلقى نتائج المنصات الرقمية وتفاعلاتها الدولية، وما تحدثه الهوامش فيها،  اليوم أصبحت العلاقة بين المثقف والطبقة هامشية لأن الطبقة بنية موضعية اجتماعية، بينما الارتباط بالمنصات الرقمية أصبح عابرًا للحدود، منتميًا للفضاء العمومي، مشاركًا في كل المظاهر السياسية والاقتصادية، حتى لو لم يكن ثمة صلة مباشرة معها تجد التقنية الرقمية مالئة للفضاء المحيط بنا.،وعلينا الاّ نتخلف عن التعامل مع الشبكة، اليوم لم يعد المثقف ناشطًا طبقيًا فقط، بل اصبحت مهمته التفاعلات الدينامية الاجتماعية التي يخلقها الفضاء العمومي. 

الوظيفة الأساسية للمثقف الدينامي الذي نقترحه كبديل للمثقف العضوي لم تتغير، وظيفة المثقف العضوي، بل بقيت كما هي،  ولكن بآليات عمل جديدة  لقد اصبح اليوم الهامش هو المتحرك، والمركز مجرد آلية تجميع، الثقافة غير محددة بنوعية النص، أصبح النص سائلًا جامعًا لأشكال تعبيرية مختلفة، اليوم ذابت الحدود بين النص والمجتمع، النص والطبيعة، النص والقراءة،  النص والكتابة، لذلك لم تبق الوظائف القديمة للمثقف نفسها بعدما أصبحت بنية ثقافة النص سائلة، والطبقة  عبارة عن منصات رقمية مختلفة التشكيلات، والحياة بلا مركز يقودها، وهذا ينسحب على مفهوم العضوية الثقافية. النقطة الأساس أن مفهوم غرامش لم يفقد أهميته، ولكن  لم يعد نموذجًا ثابتًا أو وحيدًا، حين لم يستوعب  التداخل مع عمل الشبكات .

 اصبح المثقف العضوي  اليوم مفهومًا من الماضي، اشبه ما يكون بتيار محافظ، صياني، توحده الرغبة في التغيير، ولكنه لم يستطع لأن ادواته لم تعد قادرة على استيعاب التغيير. في حين أن المثقف الدينامي هو الأكثر استيعابًا لتحولات الرأسمالية المعاصرة، هذا المثقف  يؤلف خطابًا  مغايرًا لخطاب المثقف العضوي، وهو أن الابداع اليوم ليس صوتًا مفردًا، بل هو طاقة كامنة في الحياة  والأشياء، وعليه أن يكتشفها، فالعلم سلط أكثر من ضوء على عناصر الطبيعة، فوجدها تتفاعل عبر الممارسة الاجتماعية ويكون المثقف الدينامي عامل تنشيط ويد للتفاعل، لا ليخلق النص من العدم، بل لينتج اشكاله المتفاعلة مع القضايا الراهنة. المثقف الدينامي لم يعد منتجًا وحيدًا للوعي، بل أصبح وسيطًا ديناميًا داخل شبكة تنتج الوعي. هنا نصل إلى اختلاف جذري مع غرامشي، لقد تبدل موقع المثقف من انتمائه إلى طبقة اصبح ينتمي إلى شبكة، ومن موقع محدد إلى مواقع متداخلة ومتشابكة، لا مركزية للذات، ولا نص له هوية مكتملة، ولا فاعلية دون ان تستدعي المشاركة الجماهيرية، المثقف الدينامي اليوم خطاب مختلفً عمّا كان عليه، عضويته تكمن في نوعية خطابه، الذي تنتجه العولمة والتقنية والاتصالات، والجماعات والفضاء العمومي. لقد اصبح المثقف الدينامي فاعلًا يدير شعرية الأشياء داخل المجتمع وليس منتميًا للطبقة فقط عندما يختار خطابها ويعممه،  لقد كسب المثقف الدينامي آلية الإنسان العامل، بعدما كان منغمرًا في آلية الإنسان السياسي، واكتشف فاعليته الدينامية في العناصر الطبيعية والمجتمع : المطر والنار والهواء والماء، ليست عناصر فقط،بل هي وسائل ليمارس المثقف الدينامي عليها قدراته اللغوية  حين اكتشف في الوقت نفسه أن آليات انتاجها مغايرة للفترة للآليات التي صاغ بها  غرامشي المثقف العضوي، هذا وعي معاصر، أعاد الإنسان الفاعل فيه ترتيب الواقع ونظّمه بطريقة مختلفة عمّا كان عليه زمن غرامشي وسارتر وغيرهم، المثقف اليوم هو  الفاعل النقدي  المحمل بفلسفة التغيير، الذي يعمل داخل الشبكات المعرفية والتقنية، ليكشف آليات الهيمنة المتحوّلة، ويتدخل في علاقات الأشياء لإعادة تنظيمها دلاليًا. لقد تحولت وظيفته من إنتاج وعي إلى تنظيم التفاعل، وتحولت المادة من خطاب إلى أشياء وعلاقات وشعرية، ويتحدد تعريفنا للمثقف الدينامي بانه: فاعل نقدي، يعمل داخل الشبكات المعرفية والتقنية، يكشف آليات الهيمنة المتحوّلة، ويتدخل في علاقات الأشياء داخل الواقع لإعادة تنظيمها دلاليًا، بما ينتج أشكالًا جديدة من الوعي تتجاوز البنى الجاهزة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا