الحرب في خلفية الحياة اليومية

1
93
زهراء المنصور

في أوقات التهديد؛ لا تتوقف الحياة، لكنها تفقد براءتها. التفاصيل الصغيرة المعنيَّة بحديث عابر، ضحكة غير مكتملة تتبدد بقلق من أي صوت غير معتاد، ويوحي بخطورة. هذا الصوت ليس حاضراً بما يكفي ليُرى، ولا غائباً بما يكفي ليُنسى. هكذا تتحول الحرب، في بعض تمثيلاتها الدرامية، من حدثٍ صاخب، إلى أثرٍ خفي؛ من صورة مركزية، إلى صوتٍ يرافق الحياة دون أن يوقفها.

ليست كل الحروب معروضةً على الخشبة أو الشاشة بوصفها انفجارات ومواجهات مباشرة. ثمة نوع آخر من الحضور، أكثر مراوغة وأشد تأثيراً: حرب لا تُرى، بل تُسمع. صفارات بعيدة، نشرات أخبار عابرة، تنبيهات متكررة، أو حتى صمت ثقيل يتخلله قلق غير مُسمّى. في هذه الحالة، لا تكون الحرب هي الحدث، بل هي ما يحيط بالحدث، ما يتسرّب إلى تفاصيله الدقيقة دون أن يحتل مركزه، وليست كل الحروب خارجية! بعضها يأتي من أقرب الناس الذين يرون في وجهة نظرك خيانة لا تناسب آراءهم المتطرفة والحاسمة، وآخرون -عبر البعد- ينقلون الأخبار المثقلة بالسوء باعتبار أن المنطقة كلها في كف حسابات الحرب، ولا بأس من خسائر بشرية أو مادية؛ لأنها جزء من تكلفة “أي حرب”!

تبدأ الحرب في اتخاذ شكلها الأكثر خطورة حين تفقد قدرتها على الصدمة، وتتحول إلى خلفية، إلى ضجيج منخفض يرافق تفاصيل الحياة اليومية دون أن يعطلها! ننهض، نعد قهوتنا، نتابع الأخبار، ونواصل يومنا كأنَّ شيئاً لم يكن، أو كأنَّ كل شيء يمكن احتماله. في هذا السياق، تأتي مسرحية stuff happens بوصفها تفكيكاً دقيقاً للغة التي تجعل من الكارثة أمراً عابراً؛ حيث تعود إلى وقت ما بعد غزو/ احتلال العراق في العام ٢٠٠٣م، حين سُئل رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، عن نهب بغداد، بما في ذلك المتحف الوطني، فجاء رده بجملة ستبدو في بساطتها كأنَّها خلاصة عصر كامل: I have seen the pictures.. stuff happens[1]” رأيت الصور، وهذه أشياء واردة الحدوث!! وهذه ليست جملة تفسير، بل جملة إلغاء؛ إلغاء للصدمة وللمسئولية، وللفارق بين ما يجب أن يحدث، وما لا يجب، وكأنَّ اللغة هنا لا تصف الواقع، بل تعيد تشكيله ليصبح محتملاً، قابلاً للهضم، وربما النسيان! هكذا لا تعود الحرب لحظة استثنائية، بل حالة ممتدة تعاش بهدوء، وتقال بجملة عابرة، وتقبل تدريجياً كجزء من إيقاع العالم.

ربما لا تكمن فداحة الحرب في قدرتها على التدمير. فالتاريخ اعتاد الخراب! بل في قدرتها على أن تعلمنا كيف نتعايش معه دون أن نرتجف؛ أن نرى الصورة ثم نكمل يومنا، أن نسمع الخبر ثم نبحث عن شيء آخر. في هذه المسافة الصغيرة -بين ما يحدث، وما نشعر به- يتسلل التحول الأخطر: أن يفقد الإنسان حساسيته تجاه ما يجب ألا يحتمل، لا لأنه قاسٍ، بل لأنه تعلم تدريجياً كيف يحمي نفسه من فائض الألم، حتى لو كان الثمن هو تآكل إدراكه الأخلاقي. وهنا لا تعود المشكلة في الحرب ذاتها، بل في اللغة التي تروِّضها، وفي العبارات التي تخفف وقعها، وتحولها من مأساة إلى “شيء وارد الحدوث”، كأنَّ العالم في لحظة ما لا يبرر العنف بقدر ما يعتاد عليه.

هذا التحوّل من المرئي إلى السمعي، ليس تفصيلاً تقنياً، بل اختياراً جمالياً يعيد ترتيب علاقة المتلقي بالخطر. فالصورة، مهما بلغت قسوتها، تظل محددة بإطار؛ إذ يمكن النظر إليها أو الانصراف عنها. أما الصوت المتمثل في جملة لم يدرك صاحبها أن تُخلَّد على هذا النحو من السوء في التاريخ، فيتجاوز الحدود، ويتسلل إلى الداخل، ويصعب تجاهله. إنه لا يقدّم الحرب بوصفها مشهداً، بل بوصفها حالة من الاعتياد والقبول، والترقّب المستمر، والقلق الذي لا يبلغ ذروته، ولا ينتهي.

كل الأفعال اليومية المعتادة محاطة دوماً بإحساس خفي بأن شيئاً ما يمكن أن ينكسر في أي لحظة. الاستمرار هنا لا يُقرأ بوصفه تجاهلاً، بل بوصفه شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة؛ إصراراً على الحفاظ على إيقاع الحياة رغم اختلال العالم. ومع تكرار هذا “الصوت الخلفي”، يحدث ما يمكن تسميته بتطبيع القلق. لا يعود الخوف حالة استثنائية، بل يصبح جزءاً من النسيج اليومي، يتسرّب إلى الجسد دون إعلان: في توتر خفيف في الكتفين، في صمت مفاجئ وسط حديث، في نظرة عابرة نحو مصدر صوت غير مرئي. هنا، لا يحتاج الأداء إلى مبالغة؛ يكفي أن يكون مشدوداً قليلاً، متردداً قليلاً، ليحمل أثر ما لا يُقال.

الأكثر إثارة في هذا النمط من المعالجة هو إزاحة المركز الدرامي. فبدل أن تتصدر الحرب بوصفها الحدث الأكبر، تُدفع إلى الخلف، بينما تتقدم التفاصيل الصغيرة إلى الواجهة. يصبح المهم ليس ما يحدث “هناك”، بل كيف يُعاش “هنا”. هذا التحول يطرح سؤالاً نقدياً جوهرياً: هل تكمن قوة الدراما في تمثيل الأحداث الكبرى، أم في كشف أثرها الخفي على اليومي والهش والعابر؟ في هذه الأعمال، لا تأتي الهشاشة من الانفجار، بل من احتماله. كل شيء يبدو مستقراً، لكنه استقرار مشروط، مؤقت، قابل للانهيار في أي لحظة. وهذا ما يمنح المشهد توتره الحقيقي: ليس ما نراه، بل ما نخشاه أن يحدث. إن التهديد، حين لا يتحقق بالكامل، يظل حاضراً كظل طويل يرافق الشخصيات، ويعيد تشكيل سلوكها، دون أن يفرض نفسه بشكل مباشر.

هكذا، تتحول الحرب من مركز صاخب إلى هامش مسموع، ومن حدث يُشاهَد إلى أثر يُحسّ. وفي هذا التحول، تكشف الدراما عن قدرتها على التقاط ما هو أبعد من الصورة: عن قدرتها على الإنصات لما يتسرّب، لما لا يُقال، لما يختبئ في المسافة بين صوتٍ بعيد وتفصيلة يومية عابرة. لعل أكثر ما يميز هذا الطرح أنه لا يسعى إلى تمثيل الحرب، بقدر ما يسعى إلى فهم ما تفعله بنا حين لا نكون في قلبها المباشر. كيف تغيّر علاقتنا بالزمن/ بالبيت/ وبالآخرين الذين يتهمونك بالجهل والتطبيل والعمالة لأي رأي مغاير لهم! وحتى بالروتين اليومي الذي شكونا منه على الدوام، وكيف نشتاق له! كيف تجعل من العادي مشروطاً، ومن المألوف هشاً، ومن الصمت مساحة مشحونة بالمعنى.

وأيضاً يستدعي هذا النمط من الانتظار والترقب العبثي ما جاء في المسرحية الشهيرة التي يأتي ذكرها في أوقات مشابهة لهذا الوقت؛ “في انتظار جودو”! داخل النص، لا حرب تُرى، ولا خطر يُسمّى بشكل مباشر، ومع ذلك يهيمن إحساس دائم بأن شيئاً ما مؤجل، أو ربما لن يأتي أبداً. الانتظار نفسه يصبح فعلاً درامياً، والزمن يمتدّ بلا غاية واضحة، فيما تتكرر الأفعال اليومية بشكل شبه دائري، كأنَّها محاولة لملء فراغ لا يمكن احتواؤه. هذا التوازي يكشف أن الخطر، حين لا يتحقق، لا يفقد أثره، بل يتحول إلى بنية خفية تحكم الإيقاع كله. فكما ينتظر فلاديمير وإستراغون حدثاً غامضاً لا يصل، تعيش بعض الشخصيات الدرامية المعاصرة تحت وطأة تهديد لا يتجسد بالكامل، لكنه يعيد تشكيل علاقتها بالزمن، وبالمعنى، وبفكرة الاستمرار نفسها. هنا، لا تكون الحرب حدثاً يُروى، بل احتمالاً يُعاش؛ احتمالاً يعلّق الزمن، ويجعل من اليومي فعلاً مؤقتاً، ومن العادي مساحة مشحونة بما لم يحدث بعد.

حين تتراجع الحرب إلى الخلفية، لا تختفي، بل تصبح أكثر تسلّلاً، وأكثر قدرة على إعادة تشكيل الحياة اليومية بهدوءٍ مقلق، وربما في النهاية لا يكون السؤال: لماذا تحدث الحروب؟ بل؛ كيف أصبحنا قادرين على العيش وكأنَّها لا تعنينا بالكامل، ولا تهمُّنا تبعاتها؟ ذلك أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب، هو أن لا تغير فينا شيئاً.

وربما، في هذا الهدوء تحديداً، تكمن أكثر تمثيلاتها صدقاً.


[1] Stuff Happens, David Hare,digitized by internet archive in 2017 with funding  from kahle Austin foundation

1 تعليق

  1. كالمعتاد انتظر مقالات الدكتورة زهراء المنصور
    ومرد هذا الانتظار أننا دائما ما نكتشف بين سطورها زاوية جديدة للأشياء ، للمعاني، للأحداث. تلك الزاوية التي تجعلك تدرك بعدا آخر وتتخلص من وهمك بأنك قد ادركت الحقيقة، فالحقيقة دائما نسبية تنقصها قناعتك بأن هناك زاوية أخرى للرؤية انت لم تدركها بعد.
    تلك الزاوية هي ما دائما تشير إليها وتكشفها الدكتورة زهراء المنصور

Comments are closed.