“لعبة الملاك” لكارلوس زافون الكتابة لعنة أم وسيلة للخلاص؟

0
77

“لعبة الملاك” لكاتبها كارلوس زافون هي الجزء الثاني من رباعية “مقبرة الكتب المنسية”، لكن يمكن اعتبارها رواية منفصلة، على الرغم من ارتباطها العضوي ببقية السلسلة: “ظل الريح”، “لعبة الملاك”، “متاهة الأرواح”، “سجين السماء”، وتقع الرواية في 678 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت عن منشورات الجمل في العام 2017، وتتألف من ثلاثة أقسام كبرى وتنتهي بخاتمة، وكل تقسيم يعكس التطور النفسي والفكري للشخصية الرئيسية، وكل عنوان يحمل دلالة رمزية: مدينة الملاعين، النور الأبدي، لعبة الملاك، خاتمة 1945.

 تدور أحداث الرواية في مدينة برشلونة خلال عشرينيات القرن الماضي، قبل اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية في العام 1936-1939، وتتكون من شبكة موضوعات يتداخل فيها الأدب كعنوان رئيسي إلى جانب متلازمة الإيمان والشيطان والطموح والثمن الذي ندفعه مقابل ذلك، إلى جانب الوحدة المدمرة “الوحدة رفيقة من يكتب أكثر مما يعيش.”

يحيلنا الكاتب في هذه الرواية إلى القدر والأدب كلعنة من خلال بطل الرواية ديفيد مارتين، الكاتب الشاب المهووس بالكتابة منذ نعومة أظفاره، تشغله الكتابة إلى الحد الذي تستهلك فيه روحه وجسده معاّ، ومع ذلك يعتبرها خلاصاً من الفقر والضياع، يكتب ليعيش ثم يعيش فقط ليكتب، حتى يصبح أسيراّ للكلمات. تتغير حياة ديفيد مارتين بدخول شخص في حياته، اندرياس كوريللي ليعرض عليه صفقة تتمثل في كتابة كتاب غامض ديني – روحي، له القدرة على التأثر في عقل الناس، يصفه كوريللي بأنه كتاب “القدرة على التحكم في البشر” أو كتاب “الإيمان والخوف معاّ” مقابل ثروة ضخمة تخلده كأديب معروف لا يضاهيه أحد من كبار الكتاب.

عند هذا الحد لا يوضح لنا الكاتب من يكون كوريللي: هل هو ملاك، أم شيطان، أم شيء آخر قد يكون وهماً. “الشر لا يصرخ، أحياناّ يهمس بلطف.”، ما يصيب القارىء بغموض حول طبيعة هذه الشخصية، للتوالى الأحداث ويصل الكاتب في سرده لحوار فلسفي يتعلق بالتشكيك في المؤسسات الدينية، ليطرح سؤالاّ تعجيزياً خطيراّ: هل الإيمان يولد من النور أم من الخوف؟

بعد كثير من العناء يكتشف القارىْ بأن الكتاب الذي يطلب من ديفيد مارتين كتابته ليس بريئاّ، بل قد يغير كثيراً من اليقينيات في عقول البشر، وقد يقلب حياتهم إلى جحيم من التساؤلات المشروعة وغير المشروعة، يزرع في قلوبهم الخوف، لأن المعرفة أحياناّ أخطر من الموت نفسه وقد تعود بك إلى التهلكة، فيصبح الكتاب كائناً حيّاً يتفاعل مع الكاتب والقارئ على حدٍ سواء، من خلال تداخل الواقع بالخيال: “كل حرف أقوم بكتابته يصبح صدىّ يتردد في أزقة برشلونة المهجورة، في المكتبات التي لم تلمسها الشمس منذ عقود، كل كلمة أكتبها تحمل صرخة لا يسمعها إلا من يقرأ بين السطور.”

مطلوب من الكاتب ديفيد مارتين أن يجعل الكتاب المطلوب مثيراّ للدهشة والفضول والخوف في آن واحد، ليكون إذا فشل ديفيد في السيطرة عليه “سلاحاّ بين اليدين الخاطئتين.”، كأن مؤلف الرواية كارلوس زافون يودّ أن يبين لنا شخصية ديفيد مارتين، فكل ما يكتبه يعكس صراعاته الداخلية: “الكتب مرايا: لا ترى فيها إلا ما بداخلك.” ما يكتبه يقوده خطوة نحو التحول أو الهلاك لدرجة أنه يبدأ بالشك في واقعه وفي نفسه، واستخدام هذا الكتاب أيضاّ كأداة سردية تظهر صراع البطل بين الطموح والخطر.

تحمل “لعبة الملاك” رسائل رمزية عديدة، عميقة من حيث المحتوى إحداها بأن الكتابة سلاح ذو حدين، أي قد تكون نعمة أو لعنة، من خلال تصويره إياها كقوة هائلة قادرة على الخلود أو قد تدّمر صاحبها، ومن هنا يسوق لنا مثلاّ، ديفيد مارتين ككاتب يكتب ليحيا، ليكتشف أن ما يكتبه يستهلكه، بل يلتهمه ويقضي عليه ببطء “الكتابة وعدّ بالخلود… قد يكون ثمنه الحياة نفسها”، ومن رسائل الرواية أن للطموح ثمن ويحذرنا بالخصوص من الطموح الأعمى، والسعي وراء الشهرة  الذي قد يدفع بالكاتب إلى عقد صفقات خفية خاسرة تطيح بإنسانيّته في نهاية المطاف.

يمكن أن نستخلص من الرواية أيضاً أن الشر لا يأتي في صورة شيطان وشخصية أندرياس كوريللي مثال على ذلك، فقد صوّره كارلوس زافون بأنه مهذب، مثقف، فالمعرفة أيضاّ تعتبر سلاحاً ذا حدين، كلما عرف ديفيد أكثر غاص أعمق، وبأنّ الخلود وهم إذا ما ارتبطت بالحالة النفسية للكاتب، فما الفائدة من أن تبقى كلماتك حيّة إذا ما كانت نفسك هامدة وميتة.

كما أن الكاتب يحذرنا من أن الحب لا يأتي بالمستحيل أو كحل سحري، بل أحياناّ يصبح مرآة عاكسة لهشاشة الإنسان وعجزه، ومثال على ذلك علاقة الحب بين ديفيد مارتين وكريستينا ساغريدو حيث تقوم على الحب من طرف واحد لتصبح من أكثر العلاقات تعقيداً وإيلاماّ: “بعض القصص لا تُكتب بالحبر، بل بالألم”، فكرستينا تظهر كرمز تمثل العالم النظيف، الحياة التي لم تكتب لديفيد، ووجودها يُذكره دائماً بما ينقصه، ولهذا فإن حب ديفيد لكرستينا يزيد من وحدته بدل أن يخففها، ولهذا يبلغنا زافون: “أحياناّ نحب أشخاصاً ليسوا قدرنا … مهما كان حبنا نقياّ”، ولهذا كانت كرستينا تمثل لديفيد الخلاص، النقاء، والحياة الطبيعية التي يتمنى أن يعيشها، لكنها لا تراه بالطريقة نفسها، هو بالنسبة إليها، صديق، أخ روحي أكثر منه حبيباّ، يعرف في داخله هذه الحقيقة لكنه يختار التمسك بالأمل، يعيش الوهم لأن الحقيقة مرّة وقاسية جدا: “أحببتها لأنها لم تكن لي.”

في المحصلة، تكشف “لعبة الملاك” عن رؤية نقدية عميقة لفكرة الطموح الإبداعي وحدود الكتابة بوصفها وسيلة للخلاص. فمن خلال شخصية ديفيد مارتين، تبرز الرواية الثمن الباهظ الذي يدفعه الفرد حين يسعى إلى الخلود الأدبي على حساب توازنه النفسي والإنساني والأخلاقي. إنها رواية عن الحُلم حين يصبح فخاّ، وعن الحب حين يكون من طرف واحد وعن الكتابة حين تطلب أكثر مما تعطي، فالرواية لا تقدم إجابات حاسمة بقدر ما تفتح مجالا للتأمل في العلاقة المعقدة بين الإبداع والوحدة والاختيار الحرّ، مما يجعلها نصاّ أدبياّ غنياّ بالرموز والدلالات، وقابلاّ لقراءات نقدية متعددة، حيث تبدو “لعبة الملاك” بوصفها عملاّ أدبياّ غير تقليدي، طموحاّ يجمع بين الغموض والبعد الفلسفيّ.