أعاد التصعيد العسكري المتبادل في المنطقة طرح ملف حقوق العمال في أوقات الأزمات إلى واجهة الاهتمام، خصوصًا في منطقة الخليج التي تتعرض لاعتداءات إيرانية سافرة وكونها تعتمد بصورة كبيرة على العمالة الوافدة، وتضم قطاعات شديدة الحساسية مثل الطاقة، والموانئ، والطيران، والخدمات اللوجستية، والإنشاءات. ومع اتساع نطاق المخاطر الأمنية وتعطل بعض مسارات الملاحة والطيران، لم يعد السؤال مقتصرًا على أمن الدول والمنشآت، بل امتد إلى سلامة العمال، واستمرار الأجور، والحق في بيئة عمل آمنة، والحماية الاجتماعية، والوصول إلى الإجلاء أو الممرات الآمنة عند الضرورة.
وتؤكد منظمة العمل الدولية أن الحق في بيئة عمل آمنة وصحية أصبح من المبادئ والحقوق الأساسية في العمل، فيما تشدد توصيتها رقم 205 بشأن العمالة والعمل اللائق من أجل السلام والقدرة على الصمود على أن الاستجابة للأزمات لا ينبغي أن تقتصر على الأمن والإغاثة، بل يجب أن تشمل حماية سبل العيش، واستمرار العمل اللائق، وتدابير لحماية الفئات الأضعف، وفي مقدمتها العمال المهاجرون. كما يوضح مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن النزاعات المسلحة والأوضاع الطارئة تقوض الحق في العمل، وتؤثر في شروط العمل الآمنة، والصحة، والوصول إلى الخدمات الأساسية.
وتكتسب هذه المبادئ أهمية مضاعفة في الخليج، حيث تفيد منظمة العمل الدولية بأن العمال المهاجرين يشكلون ما بين 76% و95% من القوى العاملة في دول مجلس التعاون، كما أن بيانات التعاون بين مجلس التعاون ومنظمة العمل الدولية تشير إلى أن العمالة الوافدة تفوق العمالة الوطنية عدداً في القطاع الخاص عبر المنطقة. وهذا يعني أن أي اضطراب أمني أو لوجستي أو اقتصادي واسع النطاق ينعكس مباشرة على ملايين العمال، لا سيما في القطاعات منخفضة الأجر أو ذات المخاطر المرتفعة، وفي الوظائف المرتبطة بالسكن الجماعي أو العمل الميداني أو التنقل عبر الحدود.
وعلى الأرض، تعطلت فيه عمليات في قطاع الغاز وتزايدت المخاوف على البنية التحتية الحيوية. كما أغلقت مؤقتاً المجالات الجوي، وتعطلت أو إعيدت جدولة رحلات، بينما اتجهت بعض الشركات إلى السماح لموظفيها في الخليج بالعمل عن بُعد أو المغادرة المؤقتة. وبالنسبة للعمال، فإن هذه التطورات لا تعني فقط ارتفاع المخاطر الأمنية، بل تعني أيضًا احتمالات توقف العمل، أو خفض الساعات، أو تعثر الانتقال إلى مواقع العمل، أو صعوبة العودة إلى بلدانهم.
وفي المقابل، تشير تقارير رسمية وتصريحات صادرة عن جهات حكومية في دول مجلس التعاون إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات الاحترازية لحماية العمال في ظل التطورات الأمنية الراهنة، شملت تفعيل خطط الطوارئ في مواقع العمل الحساسة، وتأمين مساكن بديلة للعمال في المناطق القريبة من نطاقات الخطر أو المتأثرة بشكل مباشر، إلى جانب تعزيز خدمات الرعاية الصحية وتوفير الدعم الاجتماعي للمتضررين. كما عملت بعض الجهات على تحديث إرشادات السلامة المهنية، وتكثيف التواصل مع العمال بلغاتهم الأصلية لضمان وصول التعليمات بوضوح، إضافة إلى التنسيق مع أصحاب العمل لتفادي انقطاع الأجور أو الإضرار بالعقود الوظيفية في الحالات التي تتطلب تعليق العمل أو تقليصه مؤقتًا. وتندرج هذه الإجراءات ضمن توجه أوسع لتعزيز جاهزية أنظمة العمل والحماية الاجتماعية في مواجهة الأزمات، خصوصًا في القطاعات التي تضم كثافة عالية من العمالة الوافدة.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الحقوق العمالية التي تصبح أكثر إلحاحًا في زمن الأزمات: الحق في السلامة والصحة المهنية، والحق في المعلومات الواضحة عن المخاطر، وعدم تشغيل العمال في ظروف تهدد حياتهم دون حماية مناسبة، واستمرار دفع الأجور أو تسوية مستحقاتهم عند توقف النشاط، وضمان الإخلاء أو العودة الآمنة، ومنع التمييز ضد العمال الأجانب، وتأمين الوصول إلى الرعاية الصحية والسكن اللائق والخدمات الأساسية. كما تشير أدبيات منظمة العمل الدولية الخاصة بحقوق العمال المهاجرين إلى أن هذه الفئة تتعرض غالبًا بصورة أكبر لمخاطر التمييز، والعمل القسري، وسوء ظروف العمل والسكن، وضعف الحماية الاجتماعية، خصوصًا في أوقات الطوارئ.
وبالنسبة لدول الخليج، فإن التحدي لا يقتصر على حماية الوظائف، بل يمتد إلى إدارة الأزمة بمنطق حقوقي ومؤسسي. فالمطلوب في مثل هذه الظروف، وفق المعايير الدولية، يشمل خطط طوارئ واضحة للمنشآت، وآليات تواصل متعددة اللغات للعمال، وخطوط مساعدة فعالة، وتفتيشًا على أماكن العمل عالية الخطورة، وضمانات بشأن الأجور والسكن والرعاية، إلى جانب تنسيق أقوى بين الحكومات وأصحاب العمل والسفارات والمنظمات الدولية، خاصة في القطاعات التي تضم كثافات عالية من العمالة المهاجرة.
خلاصة المشهد أن الحرب الجارية لا تهدد فقط خرائط النفوذ والطاقة والملاحة، بل تختبر أيضًا مدى قدرة الأنظمة القانونية وسوق العمل في المنطقة على حماية الإنسان العامل حين يصبح الأمن هشًا وسلاسل الإمداد مضطربة والحدود أقل يقينًاً ما يتعين تأمين الحماية والحقوق للعامل، مواطنًا كان أم وافدًا.

