
وسط الركام تمشي الطفلة جنان مبتسمة، ممسكة بقفص عصفورها، وكأنها تحمل معها قطعةً من عالمها الذي دُمر، بعد أن اضطرت لمغادرة منزلها الذي انهار من جراء القصف. الجدران مشققة، السيارات مدمرة، تلتفت إلى الخلف لترى إن كان الدخان ما زال يطارد ظلها الصغير. لا تبكي. الدموع صارت أغلى من أن تُهدر على بيوت تموت. يشاركها عصفورها الصمت مدارياً خوفه، ربما لشعوره أن أمامهما طريق يقودهما نحو الأمان.
حين أصرّت جنان السيد حسن على أخذ العصفور كانت تعرف، بفطرتها الصغيرة، أنّ هناك أشياء لا تُترك خلفنا: صوتٌ اعتدناه، ريشةٌ صفراء، ارتعاشةُ جناح.
المشهد كله لا يشبه شيئاً. طفلة بحجم بندقية، تحمل عصفوراً بحجم وطن، تهرب من نار صنعها كبار لا يعرفون أنّ الأرض تحت أقدام الصغار لا تحتمل إلا الحكايات الجميلة. تسأل العصفور همساً: “هل سنعود يومًا؟” فيُغرد: “نعم” سنعود.
العصفور في القفص رمزٌ للحياة التي تصرّ على الاستمرار رغم القصف والدمار. أما جنان فتعلمنا أنّ الأمل يمكن أن يكون أصغر الأشياء، ابتسامة، عصفور، أو حتى خطوة واحدة إلى الأمام بين الركام. في وسط الدمار، تُذكّرنا هذه اللحظات الصغيرة أنّ الحياة مهما كانت قاسية تجد دائماً طريقها إلى النور.
كأن الطفولة الصامتة في الصورة تقول لنا: يمكن أن تدمّر الحرب البيوت والطرق، لكنها لا تستطيع تدمير الحياة، ولا الأمل، ولا القلب الذي يريد الطيران.
وفي رسمه للمشهد جعل الفنان خالد الهاشمي المنقار الهائل الممدود نحو الطفلة أسود كثقل السماء حين تغضب، ولم ترتعب كما يُتوقع من طفلة. فقط حدّقت. كأنها تسأل: لماذا تريدون كل هذا؟ لماذا لا تتركون لي عصفوري على الأقل؟
قطرة الدم التي تسيل من طرف المنقار لم تكن تخيفها بقدر ما كانت تُحيّرها: من أين تأتي كلّ هذه الدماء؟


