عودة إلى عبد الوهاب المسيري .. احذروا الصهاينة الجدد!

0
5

نتحدث عن الصهاينة الجدد، وما أكثرهم اليوم في واقعنا العربي. ليسوا الصهاينة المعروفين، بل الذين نجدهم بيننا، في أوساطنا، يظهرون بصور شتى، ويُقدَّمون أنفسهم عبر الفضائيات والمنصات بصفات متعددة مثل محلل، مفكر، اقتصادي، خبير استراتيجي، إعلامي، وغيرها من الألقاب التي تُفصَّل أحيانًا حسب الطلب والدور والمنطلق، كلٌّ من زاويته، وقد يبدو بعضهم وكأنه يدلّنا على الطريق بينما يجد من يتمعن في طرحهم أنهم لا يؤدون فقط الي طريق بل طرق ولكنها طرق مسدودة، وبذلك فإنهم يمارسون أخطر الأدوار التي تصب في مجرى التشويش، وتفكيك الوعي من الداخل. 

هؤلاء لا يرفعون راية العدو، لكنهم يتقنون لغته، ولا ينتمون إليه ظاهرًا، لكنهم يعيدون إنتاج خطابه بشكل أو بآخر، قد يُخففون من وطأة الجرائم والانتهاكات باسم الواقعية، ويُفرغون القضايا الحيوية من مضمونها تحت لافتة العقلانية، وقد يحوّلون الضحية إلى متهم، والجلاد إلى طرفٍ صاحب “وجهة نظر”،  يتسللون إلى وعينا بهدوء، يزرعون الشك في الثوابت، ويعيدون تعريف البديهيات، حتى يصبح ما كان واضحًا محل جدل، وعلى هذا الأساس يشكلون “صهاينة جدد”، وفق وصف المفكر الراحل وعالم الاجتماع المصري الدكتور عبدالوهاب المسيري، صاحب أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، ومن مؤلفاته المهمة “الصهيونية والحضارة الغربية”.

حذّر المسيري قبل سنوات من هذه الظاهرة، حين قال: “سيأتي صهاينة ليسوا يهودًا، بل مسلمون، يلعبون دور الصهاينة، ويمثلون إسرائيل خير تمثيل، صهيوني قد يصلي معنا، ويزور مجالسنا، ولكنه يجعل كل شيء قابلًا لإعادة التأويل، حتى الذي لا يحتمل التأويل، وهذه مشكلة كبرى، لأنه سيقوم بالوظيفة التي يقوم بها الجنرال الإسرائيلي”، وهو بذلك  يتحدث عن أخطر ما في الصراع حين  لا يعود صراعًا على الأرض فقط، بل صراعاً على الوعي، يعيد تشكيل المفاهيم، ويخلخل المسلّمات، ويزرع الشك في كل ما نعتقد أنه ثابت، وفي زمن الحروب والتوتر، تزداد هذه الظاهرة وضوحًا، وهنا لا تكون المشكلة في الاختلاف – فالاختلاف صحي – بل في تفريغ معنى الصراع حتى لا يظل العدو عدوًا، علينا إعادة صياغة صورته في وعينا، وحتى لا يظل العدو عدوًا، يُخفَّف من توصيف جرائمه، ويُقدَّم لنا كطرف يمكن تفهّمه، وتُستبدل لغة الإدانة بلغة “التوازن”، وهنا لا يُبرَّأ العدو بقدر ما تُربك البوصلة، فيفقد اسمه، وتتلاشى حدوده، وتصبح الحقيقة نفسها قابلة للمساومة.

التركيز الأساسي للصهاينة الجدد على العقول؛ زرع الشك، وإعادة تعريف البديهيات، وإثارة الالتباسات، حتى تصبح الحقائق نفسها قابلة لتفسيرات شتى، أخطرها ما يصب في اتجاه جعل الجلاد طرفًا، والضحية رواية قابلة للنقاش، والتطبيع مصلحة عليا لا مفر منها، وأخطر ما في هذا الملف أن غالبية هؤلاء لا يظهرون بصورتهم الصريحة، لا يحملون راية، ولا يعلنون انتماء، بل يتسللون عبر الخطاب بمظاهر عديدة كتلك التي أشرنا اليها، يعيدون إنتاج سردية العدو بحرفية لافتة، وقد رأينا بعضهم يقلل من حجم جرائم الكيان المحتل، ويروّج للتطبيع معه، ويلبسه ثوب “الحكمة” و”العقلانية”، والمفارقة حين لا يتوانى هؤلاء في ترداد  عبارات مثل “لنكن واقعيين”، أو  “لننظر إلى المصلحة”، أو “العالم تغيّر، وعلينا إعادة ترتيب أولوياتنا”… وهي عبارات قد تبدو مشروعة في ظاهرها، لكنها تُستخدم  لتفريغ مضمون موقفنا الثابت من الصهيونية والصهاينة، وجعله موقفاً ضعيفاً، ملتبساً، إلى درجة تشعرنا بالتواطئ.

وأسوأ  هؤلاء هم من يبررون للمحتل جرائمه، ويُسطّحون القضية الفلسطينية، ويحوّلون هذه القضية إلى ملفٍ عادي بين ملفات كثيرة، يُنزع عنه طابعه الوجودي، ويُختزل في سياقٍ سياسي مناسباتي، يفرغون هذا الملف من رمزيته، ويقدّمونه كعبء يجب تجاوزه، لا كقضية عدل وحق يجب الدفاع عنه، وهكذا، تنتقل القضية من موقعها المركزي في الوعي العربي إلى موقع هامشي يتساوى بغيره، ويعامل كخيارٍ قابلٍ للتأجيل أو التهميش، ومن أخطر ما يُروَّج له اليوم أن الكيان الصهيوني لم يعد العدو الأول، أو لم يعد الخطر الأكبر وهي نغمة تتكرر بكثافة مقلقة خاصة، في الآونة الأخيرة على خلفية الحرب في منطقتنا. 

 نعود إلى تحذير المسيري، الذي يجد اليوم صداه بوضوح ليس من باب الريبة أو التشكيك، بل من باب الوعي والدعوة إلى الانتباه  لما يُقال من قبل الصهاينة الجدد، ومن يخدم في النهاية، فيصبح لزامًا علينا أن نراقب بعقل متيقظ كل ما يدور حولنا،  فالمخاطر لا تأتي كلها من بعيد، بل قد تصدر من بيننا، بكلمات لا تعبّر عنا،  دون أن نخفف من وطأة المحاولات التي استهدفت ولازالت  شق صفنا الوطني، وبث الفرقة، وإضعاف اللحمة الوطنية، والانشغال عن قضايانا الحيوية، وقد بات ملحا ادراك  أن هناك محاولات دؤوبة لا تتوقف لإشغالنا في الخلافات، وبث ما يباعد بيننا، على نحو ما نشهد اليوم. 

نحن اليوم أمام أشخاص يؤدّون أدوارًا تشبه أدوار “الصهيوني التقليدي”، لكن بأدوات أكثر تأثيرًا تبنّوا جوهر الخطاب الصهيوني، ودافعوا عن روايته، وأعادوا إنتاج منطقه، وسوّقوا روايات محددة وكأنها الحقيقة المطلقة، وشككوا في كل ما يخالفها، بل إن بعضهم امتلك الجرأة على تجريم كل صوت ناقد، وتحويل القضايا الواضحة إلى جدل رمادي، والمساواة بين الضحية والجلاد، وإذا كان تحذير المسيري قد صدر قبل سنوات، فإن الصورة اليوم أكثر وضوحًا، تبين لنا أن الخطر ليس فقط في العدو الظاهر، بل في من يقوم بوظيفته من بيننا، ممن لا يحملون سلاح الاحتلال، لكنهم يتقنون لغته، يبررون جرائمه باسم الواقعية، ويطعنون في ضحاياه باسم العقلانية، ويشككون في الحقوق الثابتة تحت لافتة “تعدد وجهات النظر”، هم الذين يُطبعون الوعي قبل أن تُطبع العلاقات، ويحوّلون القضية إلى عبء، والمقاومة إلى تهمة، والذاكرة إلى عبث، فنرى بعضهم يتحدث عن “الأمن” لتبرير القمع، وعن “الواقعية” لتبرير الاستسلام، وعن “التوازن” لإخفاء الانحياز، وعن “التطبيع” بذريعة المصلحة.

هنا، علينا أن نعيد التأكيد على خطورة “الصهاينة الجدد”، الذين يتسللون إلينا بأقنعة الانتماء، ويتحدثون بلغتنا، ثم يفرغونها من مضمونها. لا يحملون راية الاحتلال، لكنهم يمارسون منطقه، ولا ينتمون إليه شكلاً، لكنهم يخدمونه مضمونًا ووظيفة، هؤلاء ليسوا بالضرورة يهودًا، ولا إسرائيليين، ولا حتى مرتبطين رسميًا بأي جهة، لكنهم يتقنون لعبة أخطر تتمثل في إعادة إنتاج خطاب العدو داخل وعينا نحن.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا