الأستاذ

0
84

منذ أن عرفت المناضل محمد حسين نصر الله، وأنا تلميذ في نهاية المرحلة الابتدائية، بداية المرحلة الإعدادية في مدرسة الخميس حيث كان نائباً لمدير المدرسة يومها، ونحن نسميه “الأستاذ”، واستمرّ هذا الوصف على ألسنتنا جميعاً كلما التقيناه، حين نرحب به أو نحييه، وكلما أتينا على ذكره الطيب، فلا يمكن أن يرد اسمه دون أن يسبقه وصف “الأستاذ”.

هذا الوصف، أو اللقب، الذي لازمه طوال حياته أكثر من ذكرى بعيدة للمهنة التي بدأ بها مشواره المهني في سلك التدريس بعد تخرجه من الجامعة الأميركية في بيروت عام 1966، وأكثر من عادةٍ درج الناس على استخدامها عند مخاطبته، إنّه أقرب إلى تعريف كامل لشخصيته، وإلى تحديد دقيق للدور الذي أداه في حياته منذ شبابه وحتى رحيله. فالرجل الذي بدأ حياته معلماً ظلّ معلماً بأخلاقه وتمسكه بمبادئه ومواقفه، وهو يخوض غمار العمل الوطني، ويواجه السجن والاعتقال والملاحقة، كونه واحداً من الوجوه البارزة في الحركة الوطنية البحرينية التي قدّمت الكثير من التضحيات على مدار عقود.

في العادة، يكتسب الناس ألقابهم من المناصب التي يشغلونها أو المواقع التي يصلون إليها، لكن محمد حسين نصر الله اكتسب لقبه من رسالة آمن بها وعاش من أجلها، فإذا كان التعليم بالنسبة إليه إيماناً بقدرة الإنسان على التغيير، وقناعة بأن بناء المجتمع يبدأ من بناء وعي أبنائه، فإنّ القناعة نفسها تجسدت في انخراطه في العمل العام والنضال الوطني، فاستطاع الجمع بين قاعة الدرس وساحة النضال، كأنّه رأى لهما رسالة واحدة، وكأنّ الواحدة منهما امتداد طبيعي للثانية. فالمعلم الحقيقي لا يكتفي بتلقين المعرفة، وإنما يسعى إلى غرس قيم العدالة والكرامة والحرية والمسؤولية، والنضال في سبيلها والدفاع عنها بتفانٍ وإخلاص.

هكذا كان الأستاذ محمد جامعاً بين النضال كواجب أخلاقي تجاه شعبه ووطنه، والتربية كمهمة وطنية.  من تجربته النضالية نعلّم الصبر والثبات والتضحية، حيث تعرض للاعتقال أكثر من مرة، وأمضى سنوات من عمره في السجون، وفصل من وظيفته بسبب مواقفه وتمسكه بقناعاته، وإذا كان السجن، بالنسبة إلى كثيرين، تجربة تكسر الإرادة وتدفع إلى التراجع أو الصمت، فإنّه بالنسبة إلى أصحاب المبادئ الراسخة يتحوّل إلى امتحان للثبات. وكلّ من يعرف سيرة الأستاذ محمد حسين نصر الله يدرك أن سنوات السجن لم تنل من إيمانه بالقضية التي ناضل من أجلها، ولم تدفعه إلى التخلي عن التزامه الوطني، هو الذي أدرك منذ البداية أنّ العدالة حق لا تكتمل كرامة المجتمع من دونه، وأن سعادة الناس تقوم على المشاركة والعدالة والشعور بالمواطنة الكاملة، والحقّ في حياةٍ كريمة وآمنة وحرة.

أكثر ما يميز المناضلين الحقيقيين أنهم لا يفصلون بين ما يقولونه وما يعيشونه. فالأفكار التي كانوا يدافعون عنها في العلن هي نفسها التي توجه سلوكهم في الحياة اليومية. ولهذا لم يكن احترام الناس لمحمد حسين نصر الله وتقديرهم له نابعين فقط من تاريخه النضالي وسنوات الاعتقال التي قضاها، بل أيضاً من الصورة الإنسانية التي عرفوه بها: رجلاً متواضعاً، قريباً من الناس، مؤمناً بالحوار، ومتمسكاً بقيمه مهما تبدلت الظروف.

لقد مرت البحرين خلال العقود الماضية بمحطات سياسية واجتماعية مهمة، وشهدت أجيالاً متعددة من المناضلين والناشطين، ممن لعبوا أدواراً في الحياة السياسية والاجتماعية في وطنهم، وبين هؤلاء جميعاً كان للأستاذ محمد حسين نصر الله مكانة خاصة، لأنّه جمع بين صلابة الموقف وهدوء المربي، وبين روح المناضل وحكمة المعلم، وعلى هذا يشهد الجميع، حتى من اختلفوا عنه في الرأي أو الموقف، حيث كان قدوة في التمسك بالمبدأ دون أن يكون أسيراً للتعصب والانغلاق.

واليوم، بعد رحيله، يبقى هذا اللقب أجمل ما يمكن أن يختصر سيرته. فالأستاذ الحقيقي هو من يترك أثراً يتجاوز حضوره الجسدي، ومن تتحول حياته نفسها إلى درس للأجيال القادمة. ومحمد حسين نصر الله كان واحداً من هؤلاء. غاب الجسد، لكن الدرس ما زال حاضراً: إنّ من يدافع عن الحرية يجسدّ أنبل معاني إنسانيته، ومن يخلص لوطنه وشعبه يكون وثيق الصلة بالناس ومحل اعتزازهم.

لهذا كلّه سنظلّ نتذكره بالاسم الذي أحببناه وأحبّه الناس من خلاله: الأستاذ، هو الذي لم يدّعٍ الأستذة أو يمارسها على أحد، فالناس هم من منحوه الوصف، لما عرفوه عنه من تواضع ونكران ذات قلّ نظيرهما.  إنه الأستاذ لأنّه جعل من حياته كلها درساً في الوفاء للمبادئ، والإخلاص للوطن والإيمان بحق الناس في الحرية والكرامة والسعادة. مثله لا يغيبون عن الذاكرة، كونهم وجهها المضيء، وكون اسمائهم وأدوارهم اقترنت بذاكرة الوطن الحاضرة دوماً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا