ورحل الأستاذ نصر الله

0
83
محمد حسين نصر الله

إنها لمهمة ثقيلة وصعبة أن تكتب عن مناضل بقامة محمد حسين نصر الله الذي بارح هذا العالم، رحل ونحن في أمسّ الحاجة إلى هؤلاء المناضلين الأشدّاء الذين لم يبخلوا عن تقديم جلّ ما يملكون في سبيل تقدّم وطنهم ونصرة شعبهم والأخذ بيد الأجيال التي قاموا بتدريسها والسهر على تعليمها أبجديات حبّ الوطن والوطنية الجامعة.

حين أشرع في الكتابة عن الأستاذ لابد من تذكر الأيام الأولى بمعرفتنا به ونحن في الصفوف الإعدادية بمدرسة جدحفص، كنا نتابع بكثيرٍ من الاهتمام والشغف سيرة الأستاذ ذائع الصيت ذا الشخصيّة الاستثنائية الرفيعة لما كان يتمتع به من مهارات قيادية وهو في منصب رفيع، نائب مدير المدرسة.

خطف منظره المتواضع بصري منذ اللحظة الأولي وبقت صورته في ذاكرتي حيّة نضرة منذ تلك الأيام البعيدة عندما كان يغيب طويلا وبصورة متكررة عن المدرسة، لنعلم بعد حين باعتقاله، حتى حظيت بالإلتقاء به بعد التخرج من الجامعة في العام 1984م بعد غياب طويل.

إنه بين من عرفتهم أصدقهم قولاّ، وأرهفهم شعوراّ، وأقربهم إلى الناس، فمن يضارعونه في هذه الصفات يعدون على أصابع اليد. رجل فاضل طاهر حقاّ، يشرق طيبة، غاية في التواضع، جميل بنبل نفسه وعظمة روحه، كان قلبهُ سماءّ زرقاء صافيةّ لا أثر فيها لأي غيمة، رجلاّ يتصف بصبر ودأب لا متناهيين، وقف حياته كلها على النضال من أجل إسعاد شعبه.

ظلّ كما هو لم يتغير في تواضعه ومحبته للناس، يفتنك بلطفه وطيب قلبه، بسيط، عالي الأخلاق، ذو ذمة وضمير، على جانب عظيم من الوقار والمهابة، صلب الإرادة، سخي، يتميز بنُبل عظيم، مستعدّ للتضحية حين تجب، يدخل إلى النفس بسرعة. مسالم وهادئ قليل الكلام لكنه يمتلك من الأسرار التنظيمية ما لم يمتلكه أي من الرفاق الذين عاصروه، وهذا ما لحظته عندما شرعنا في تدوين سيرة مناضلي جبهة التحرير، حيث كان هو من يقودنا إلى معرفة دقائق الأمور وخصائص أوضاع كل رفيق من الرفاق لما لديه من فراسةّ ومعلومات واسعة عن الجميع، بل يصحح المعلومات والتواريخ أثناء السرد ليعطيك فكرة عامة عما كان عليه الوضع في تلك الفترة من الزمن، حيث كان حاضر الذهن، ويعرف كيف تطرح الأسئلة والردود بما يكفل للراوي أن تتدفّق سرديّته بسهولة.

يُبهرك بما يمتلكه من معلومات دقيقة ومحطات مهمة عن تاريخ البحرين وأوضاع المعتقلين والعمل السري والتنظيمي الذي كان هو المحرك الأساسي والرئيسي له دون أن يؤثر نفسه به، بل أنّ ما يذكره عن تلك الفترة محاط بمقدار العمل المضني الذي أخذه على عاتقه حيث كان لديه رسالة يؤديها، ولذلك كان نصيبه من الاعتقالات والملاحقات وافراّ.

شخصية الأستاذ محمد تثير الإعجاب حقًّا. إنّه رجلّ يفكر في أمور عديدة. متّقد الذّهن لا تفوّته التفاصيل، ومع ذلك يحمل داخله أسراراّ كثيرة لا يفصح عنها، فقد تحمل طاحونة الحياة الصعبة وأخذ على عاتقه كل المسؤوليات وسط ظلمة قاسية، كلّها مكابدات تحتاج لمن يخرجها من دوائر الظلّ والعتمة، كانت تلك أياماّ لا تُنسى، عندما كان قانون أمن الدولة مسلّطاً على الرقاب والرفاق غيّبتهم المنافي والسجون.

فيض نشاطه السياسي يتجاوز البحرين حيث كان على تواصل مع رفاقه المبعدين في الخارج فكان حلقة الوصل معهم، يرسم لهم الصورة الواقعية الواضحة عن أوضاع البلد وأحوال الناس ومعيشتهم والمشاكل التي يعاني منها المواطنون بواقعية شديدة.

لذا بوسعنا إدراك ذلك من خلال ما كُتب أو قيل عنه أثناء حياته وبعد رحيله، فأقلام العديد من رفاقه وأصدقائه أخذت تكتب جزءاً يسيراّ من سيرته العطرة، هذا إلى جانب ما حظي به من جنازة مهيبة، حيث غصّ المكان بالمشيعين من كل أطياف المجتمع مما يدلل على محبة الناس له ووفاءهم لدوره الوطني البارز.

إن نصر الله كمناضل اتجه بكل كيانه إلى مستقبل وطنه رغم ما عاناه من سنوات السجن الطويلة مقيداّ بالأصفاد، ولكنه لم ينحنِ أو ينكسر في يوم من الأيام، فلديه من القوة والعزيمة الصلبة والشجاعة ما جعله يصمد لضربات القدر دون أن يشتكي من المصير ولا حتى من الواقع الذي آل إليه بعد فصله من التدريس، ومع ذلك حرص كل الحرص على إخراج جيل يعي معنى الوطنية الحقة التي لا تعرف الطائفية ولا تساوم على تقسيم الوطن ولهذا نجد كل من كتب عنه يشيد به كمناضل وطني عابر للطوائف.

ظلّ وفياّ لمبادئه حتى آخر رمق في حياته متواصلاً مع رفاقه، مشاركاّ مشاركة فعّالة في لجان المنبر التقدمي وهو في عمر متقدم ليعطي درساّ لنا في أهمية العمل الوطني في مستقبل الوطن، فكان محلّ إعجاب وتقدير رفاقه لما يقوم به من أدوار نضالية.

ولا بد من الإشارة هُنا إلى أن الأستاذ كان نائباّ للرئيس عند تأسيس المنبر التقدمي واليد اليمنى للمرحوم المناضل أحمد الذوادي في أول إدارة تشكلت لما لذلك من دلالات.

وفي المرحلة الأخيرة من حياته بدا واضحاّ أن التعب يستولي عليه، وأن قواه تبارحه شيئا بعد شيء، إلا إنه ظلّ على سابق عهده وفياّ لمنبره التقدمي، حريصاً على التواجد في مقرّه مع رفاقه مقدما نصائحه القيمة باثاّ فيهم نفحات من أفكاره النيرة، مانحاّ إياهم إلهاماّ وعزيمة وقوة لمواصلة الطريق الذي بدأه الأوائل المؤسسون على الرغم من مرضه، كأنه يريد أن يقول كل ما كان يزخر به قلبه، وأن يفصح مرة أخيرة عن أعمق خطرات نفسه.

ثمة من يقول إنّ المناضل يموت كغيره من البشر، بيد أن هذا الموت الجسدي ينطوي على الأساس الوحيد لخلوده الشخصي، فإرثه النضالي هي كلمته المتجسدة، التي أصبحت منارة وثمرة للأجيال اللاحقة لما قد يتركه من أثرٍ بليغ على الآخرين ولما يمتاز به من معارف وأدوار لا يمتلكها إلا هو.

ولا بد لنا أن نقول إن قلب هذا الإنسان الكبير على صله قرابة بنبض كل رفيق من رفاقه بما يفيض به من حب لهم، فقد كان بحراّ من الخير، وشلالاّ من الحب، فأعطانا دروساّ في الكبرياء والتفاني، وعلمنا كيف نقرأ عمق الأشياء. وأن نتوفف أيضاّ عند كل التفاصيل، وأن نحب الحياة رغم ما نواجهه من صعوبات بالإصرار والصبر والأمل.

ذكراه ستظل قائمة في أعماق قلوبنا جميعاً، حاضرةً أمامنا ما حيينا، فله منا الحب والعرفان وله المجد والخلود ولروحه السكينة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا