النخلة والجيران.. حكاية حي بغدادي

0
4
حميد الملا

لقيتُ في هذه الرواية التي لا يتعدى عدد صفحاتها 216 صفحة، في طبعتها الصادرة عن دار الفارابي في العام 1988 ما لم أجده من روايات أخرى قرأتها على مدار هذه السنين الطويلة من حيث لغة الكتابة، فما يميز هذه الرواية هو كاتبها العراقي غائب طعمة فرمان قد كتبها باللهجة العراقية المحلية المحببة لديّ حيث أعادني للزمن الجميل أيام الدراسة في بغداد، وهي مع ذلك عسيرة الفهم على من لا يتحدثون اللهجة العراقية المحلية.

ومن تلك العبارات: “قابل دا احچي بالكردي؟، حقچ عيني حقچ، مرة اللوخ تندلين كلش زين، على بختك أبو إبراهيم، يا معود لحلك السبع؟، آني اعرف ديچي الصفاح٠٠ أحسن منها ماكو، شكو وره هالصفنه؟، وباچر عگب باچر توگع من كيفها، بلاكت هم لگت شرابه، لو يشوفه صاحب چان تخبل… الخ”، وما هذا إلا جزء يسير من الجمل باللهجة العراقية.

على الرغم من صعوبة متابعة السرد القصصي لهذه الرواية كون بعض الكلمات باللهجة العامية قد غابت عن الذهن، الاّ إننيّ استمتعت أيما استمتاع بتلك اللهجة الجميلة لما لها من خفة ورقة ورتم يختلف عن بقية اللهجات العربية الأخرى، والهدف من هذا الدمج بين الفصحى والعامية هو أن يقرب الكاتب للقارئ الأحداث والحوارات التي تدور بين الشخصيات والتي تتطلب أحياناّ كلمات أو تعبيرات من اللهجة المحلية لإظهار طبيعة البيئة الشعبية، لذلك أراد أن تبدو تلك الشخصيات حقيقية كما تتكلم في الحياة اليومية في بغداد، وبهذه الخاصية جعل الكاتب من الرواية أكثر صدقاّ في تصوير تلك الحياة الواقعية، ولأن الرواية تدور في في حيّ شعبي فقير، فإن استخدام اللهجة المحلية يساعد على نقل أجواء الحيّ والمشاكل التي يعاني منها أهله من خلال طريقة كلامهم اليومي.

صدرت (النخلة والجيران) أول مرة في العام 1966 واختيرت ضمن أفضل 100 رواية عربية في القرن العشرين، كما إنها تُصنف من أهم الروايات الواقعية في الأدب العربي الحديث، وتدور أحداثها في أحياء بغداد القديمة إبان فترة الحرب العالمية الثانية والاحتلال البريطاني للمنطقة ومدى تأثير هذا الاحتلال على الشعب العراقي وبالخصوص الفقراء والمهمشين منهم، حيث تصوّر حياة مجموعة من الجيران الذين يعيشون في بيئة فقيرة، يعاني معظمهم من البطالة والحرمان، لكنهم يحاولون الاستمرار في حياتهم رغم الظروف الصعبة.

في أحد الأحياء الشعبية تعيش سليمة الخبازة في بيت قديم متهالك، به نخله عاقر، وسليمة امرأة فقيرة  وقوية، تعيش صراعات قاسية في حياتها، تعمل في صنع الخبز وتعاني من شظف العيش ومن حياة صعبة مليئة بالتعب والحرمان بعد أن مات زوجها عنها وترك ابناً له من زوجة أخرى لكنها تحاول الاستمرار في الحياة وتكافح لتعيش بكرامة رغم كل تلك الظروف القاسية، تعبت من تراكم التعب وألسعة نار التنور والنهوض فجراّ لتلبية متطلبات الناس، من الخبز فهي امرأة من تعب وحزن وحرمان، فالجفن غليظ والعين كليلة، أكلت منهما نيران الموقد شيئاً، والثوب أسود سميك وغبار الأيام ينفش العين وجدران الغرفة الحائلة”، وهي هنا حبيسة بيتها، تقضي النهار واقفة على التنور، وتسهر الليل في تحضير العجين، ولا تذهب أبعد من سوق الصدرية.”

ومن أجل أن تجد طريقاّ تخرجها من هذه المأساة، الفقر والواقع القاسي الذي تعيشه، تتخذ قرار جريْ حتى لو بدا مثيراّ للجدل في نظر المجتمع بالزواج من مصطفى الحالم بالنجاح في تسويق بعض من مهربات الإنجليز القليلة فيأخذ ما تحصلتّه من نقود قليلة ويعطيها الأوهام، ويقنع نفسه بأن الاستعمار الإنجليزي باقي أبد الدهر.

حسين وهو إبن زوج سليمة الخبازة يعيش معها، لا يملك عملاّ، يعيش في حالة ضياع حيث لا مستقبل له في تلك المعيشة، يتكئ على ما بقي له من ميراث والده وهو البيت التي يعيش فيه مع زوجة والده، سليمة الخبازة “هذا الحوش ملكي” موجهاّ الكلام لزوجة أبيه، إلاّ إنه ينتهي قاتلا لمحمود بن الحولة “وبحركةٍ واحدة لا تدبير فيها رفع السكين وأنزله بقوة على الجسم المنكفئ على الحائط في مكان ما أسفل الرقبة …الخ”

ومن الشخصيات الرئيسية في الرواية، تماضر، وهي فتاة شابة، جميلة نسبياّ، تعيش في حيّ فقير وسط مجتمع محافظ، بأحلامٍ بسيطة لكنها تصطدم بواقع اجتماعي قاسٍ، تتمنى الاستقرار والزواج والحياة الهادئة وتنجذب لفكرة الحبّ والرومانسية وترى بأن الزواج هو السبيل الوحيد للخلاص من ظروفها الصعبة، ولذلك تعيش بين الخوف من كلام الناس والرغبة في عيش حياتها، ولذلك تعيش صراعاّ نفسياّ بين الواقع والحلم، بين العاطفة والعادات والتقاليد الاجتماعية، بين رغبتها في الحرية وخوفها من المجتمع، ولذلك كانت خياراتها محدودة.

ما هو ملاحظ في هذه الرواية بأن الشخصيات تتكاثر على شكل أفراد عديدون يمثلون أدوار مختلفة، لكن في حقيقة الأمر وجوه عديدة لكائن بائس، سليمة الخبازة فهي صورة لكل تلك المخلوقات البائسة المحيطة بها بما فيهم النخلة المهجورة، القميئة العاقر والتي تتحمل المياه القذرة التي تلقى في حوضها ويمر الصيف والشتاء دون أن تحمل طلعاً، أوتخضر لها سعفة.

أراد الكاتب لروايته أن تجمع بين عنصر السرد الاجتماعي والتاريخي، مع التركيز، وهنا المهم، على أحلام الناس، معاناتهم، وأملهم الضائع في تغيير حياتهم، وبذلك عكس غائب طعمة فرمان واقع المجتمع البغدادي في زمن صعب، ولهذا يمكننا القول بأن الرواية يمكن أن تقرأ كوثيقة أدبية وفنية صيغت بإسلوب يعطي شعوراّ بأنك تعيش أحداث الرواية مع الشخصيات وكأنك بينهم، مما جعلها مرجعاّ ثقافياّ واجتماعياّ لما تمثله تلك الفترة من أهمية لأجيال ما بعد الاستعمار لتعرفهم على جذور مجتمعهم وثقافتهم وفهم كيف عاش أجدادهم والمِحن التي لاقوها.

ولقوة الرواية وجماليتها وواقعيتها تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني في سنة 2008 شارك فيه ممثلون مثل يوسف العاني، سامي عبد الحميد، سها سالم، فاطمة الربيعي، وخليل عبد القادر وغيرهم.

وكما يقول فيصل دراّج في معرض تقديمه لهذه الرواية: “إن ما يجعل (النخلة والجيران) رواية واقعية، بالمعنى الصحيح للكلمة، هو إدراكها العميق لمعنى التاريخ الحقيقي، الذي لا يقرأ في ظواهر الأشياء أو في ثنايا الإرادة الطيبة، بل في مستوى تطور العلاقات الاجتماعية، الذي يصوغ البشر فكراّ وإرادة وسلوكاً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا