في ذكرى رحيل علي دويغر

0
5
د. حسن مدن

قبل أيام قليلة، في السادس من سبتمبر/ أيلول، مرّت الذكرى السنوية لرحيل القائد الوطني علي دويغر، أحد رجالات البحرين الوطنيين الذين شكلوا بوعيهم المتقد وعملهم الدؤوب، سمات مرحلة كاملة من الكفاح الوطني من أجل الاستقلال الوطني والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، فدويغر هو أحد مؤسسي جبهة التحرير الوطني في البحرين؛ وأحد قادتها الكبار الذين اضطلعوا بدور مهم في بناء تنظيمها وفي صوغ وثائقها البرنامجية ورؤاها السياسية وفي نشر الوعي التقدمي في البلاد، كما اضطلع بدور مهم في تأسيس علاقتها الكفاحية بقوى ومنظمات التقدم والسلم والتضامن في العالم، وفي سبيل ذلك دفع ضريبة مواقفه الوطنية بالسجن والنفي، ولم يفت ذلك من عضده أو يضعف إرادته.

بصمات علي دويغر واضحة في صوغ أول برنامج سياسي للحركة الوطنية والتقدمية التي تشكلت وناضلت بشكل سري بعد قمع هيئة الاتحاد الوطني في خمسينيات القرن الماضي من قبل سلطات الحماية البريطانية، ونعني به أول وثيقة برنامجية لجبهة التحرير الوطني التي عرفت بـ”برنامج الحرية والاستقلال الوطني والديمقراطية والتقدم الاجتماعي والسلم” الذي صدر في عام 1962، بعد مناقشته في منظمات وخلايا الجبهة يومذاك، كما أن علي دويغر بالذات كان من وضع مسودة برنامج كتلة الشعب لانتخابات المجلس الوطني في مطالع السبعينات، حيث كان مقرراً أن يكون أحد مرشحي الكتلة، لولا أن إيان هندرسون أمر بنفيه من البلاد إلى دولة الكويت، نظراً لدوره المحوري في جهود تأسيس الكتلة وفي مجمل العمل الوطني في البلاد.

وكان علي دويغر أحد أبرز قادة جبهة التحرير الوطني في انتفاضة مارس 1965، حيث تمّ اعتقاله بعد قمع الانتفاضة، وكان آخر من خرجوا من المعتقل بين المناضلين والوطنيين الذين طالتهم الاعتقالات والسجن في تلك المرحلة، وبعد خروجه من السجن استمر في نضاله الوطني، قبل أن يسافر لمواصلة دراساته العليا في السويد التي نال منها شهادة الدكتوراه، وهناك كانت له مساهماته في العمل الطلابي والوطني، وكان هذا دأبه بعد عودته للبحرين مجدداً، حيث بقي فيها إلى حين اشتداد المرض عليه في السنوات القليلة الماضية مما اضطره للالتحاق بعائلته في السويد مجدداً، حيث وافاه القدر المحتوم هناك إلى جانب دوره الوطني.

دويغر باحثاً

كان علي دويغر باحثاً نابهاً قدَّم دراسات مُهمة عن خصائص التطور الاجتماعي السياسي في البحرين، بينها الأطروحة التي نال عنها درجاته العلمية في جامعة لوند بالسويد، ومن أبحاثه المهمة بهذا الصدد: “تحليل مقارن للإدارة العامة في البحرين”، “تأثيرات اللؤلؤ والنفط على العمل في البحرين”، و”الرأسمال الأجنبي والنمو السكاني”، فضلاً عن دراسات أخرى تتصل بقضايا الإصلاح الزراعي.

في دراساته اتبع علي دويغر منهج التحليل العلمي، المادي التاريخي، في رصد وتحليل البنية الاجتماعية والطبقية في مجتمع البحرين في الفترات التي غطاها في بحوثه، فهو على سبيل المثال يقدم في بحثه عن آثار صناعة اللؤلؤ والنفط توصيفاً للتركيب الطبقي في المجتمع
البحريني، ملاحظاً أن المظاهر الإقطاعية ظلت فاعلة رغم تقدم علاقات الإنتاج الرأسمالية مع مجيء النفط، مما أوجد تركيبة طبقية غريبة، أو حالة خاصة، وهو بهذا كان يتلمس مبكراً ما يتركه النفط من تأثيرات في بنية اجتماعية محافظة.

في دراسته عن: “تأثيرات اللؤلؤ والنفط على العمل في البحرين”، تنبه دويغر إلى أن صناعة النفط أوجدت طبقة عاملة صناعية، إلا أن الكثرة الكاثرة من العمال غير الماهرين بسبب ضعف مستويات التعليم، وغير المنفصلين عن البيئة المحافظة التي أتوا منها، يجعل منهم بروليتاريا رثة تعيق تبلور وتماسك الطبقة العاملة الحديثة، ويلاحظ، في الآن ذاته، وجود قطاع لا بأس به من العمال يعملون في مؤسسات صغيرة ومتوسطة، وهذا التشظي يحمل تأثيراً سلبياً على تشكيل الوعي الطبقي.

وفي تلك الدراسة رأى علي دويغر أن البرجوازية الوطنية، آنذاك، صغيرة العدد وهي تجارية الطابع، وتعاني من اختراق السوق من قبل الرأسمال الأجنبي والشريحة المتنفذة من البرجوازية المتحالفة معه والمستفيدة من مزايا هذا التحالف.

أما في دراسته المهمة الأخرى عن: “الرأسمال الأجنبي والنمو السكاني” التي وضعها عام 1972، فقد انطلق دويغر من حقيقة أنّ صناعة النفط في البحرين لم تأتِ جراء النمو الطبيعي للصناعة المحلية، وإنما جراء التوسع الدولي للرأسمالية والرغبة في الحصول على مصادر طاقة رخيصة، ليناقش الآثار المختلفة لنشوء صناعة النفط على النمو السكاني، وليحلل أوجه التركيبة السكانية في مجتمع البحرين.

ينقل الباحث عن أحد الدارسين أن صناعة النفط تعدّ من أكثر الصناعات كثافة، وهذا ليس نابعاً من استخدام الحرفيين وبالطبع ليس من جراء استخدام ميكانيكيين مهرة، بل من جراء استخدام التكنولوجيا والإداريين ومجموعات المبيعات وما شابه ذلك.

وتُعد هذه الدراسة، فيما نرى، مصدراً جيداً للباحثين الراغبين في تتبع تطور التركيبة السكانية في المجتمع البحريني منذ العقود الأولى للقرن العشرين، لأنّها دراسة كتبت بمنهجية، واستعان فيها الباحث لا بنظريات النمو السكاني وتحليل آليات التخلف في المجتمعات النامية فحسب، وإنما أيضاً بمادة إمبريقية ثرية من الإحصائيات والبيانات ذات الصلة بتطور النمو السكاني في البحرين آنذاك.

من أكثر فصول الدراسة تشويقاً الفصل الذي نظر فيه علي دويغر في ما أسماه “المسألة المدينية – الريفية”، التي يذهب فيه إلى أنه ليس من الضروري رسم خطوط بين ما هو مديني وما هو ريفي في حال البحرين، فالمدن هي مراكز تجمعات سكنية في بلدٍ لا تتجاوز مساحته (آنذاك)عشرين ميلاً، خاصة وأن الإحصائيات الرسمية، كما تشير الدراسة، لا تقدم تصنيفات مختلفة للسكان من وجهة النظر هذه، في غياب مفهوم المدينة الصناعية على النحو الدارج في الغرب، وهذا عائد إلى التضارب في توزع الثروات الطبيعية والقدرات البشرية، التي تُلاحظ في أغلب الاقتصاديات العربية.

يعقد علي دويغر، وهو يبحث التركيبة السكانية، مقارنة بين قانوني الجنسية في البحرين،  القديم الصادر عام 1937، والذي صدر بعده في عام 1963، وهي مقارنة مفيدة، ليلاحظ أنّ التوزع العمري يتأثر، مباشرة، بثلاثة عوامل متغيّرة هي الهجرة والولادات والوفيات، مشدداً على أنّ عامل الهجرة هو المتغير الذي يلعب الدور الأكبر.

وهو استنتاج يظل صحيحاً اليوم أيضاً في صورته العامة، ولو قدر لعلي دويغر أن يواصل تحليله هذا على ضوء التطورات الراهنة لأعاننا على فهم مظاهر التحولات الاجتماعية السياسية الراهنة.

دويغر وتاريخنا الوطني

رحيل علي دويغر، وقبله، وبعده أيضاً، رحيل قادة وطنيين ومؤسسين لجبهة التحرير الوطني والتنظيمات الوطنية الأخرى في البحرين وكوادر مرموقة فيها، يطرح مجدداً مسألة تدوين التاريخ الوطني للبحرين، فعلي دويغر كان من ضمن الحلقة الريادية الصغيرة التي تبنت الأفكار اليسارية والتقدمية، في خمسينيات القرن الماضي، وهو وقت مبكر نسبياً بالقياس للطبيعة الخاصة لمستوى التطور الاجتماعي والسياسي في هذه المنطقة.

ودويغر الذي درس في كلية التجارة في جامعة بغداد وانخرط في الحياة الطلابية النشطة التي نشطت في إطار النهوض الوطني في العراق عشية وبعد ثورة الرابع عشر من يوليو/ تموز 1958، وبسبب تسارع التطورات السياسية هناك حيل بينه وبين البقاء في العراق، حيث عمل بعد ذلك في قطر، قبل أن ينتقل للكويت ليصبح مديراً لتحرير جريدة “الهدف”، لكنه لم يمكث هناك طويلاً بسبب تناوله للأوضاع السياسية في مقالاته.

ومن طبيعة الوثائق البرنامجية التي ساهم الفقيد في وضعها لتنظيمه وللحركة الوطنية عامة، ومن مستوى دراساته وتحليلاته التي أشرنا أعلاه على عجالة سريعة، لعينات منها، نجد أنفسنا أمام قائد ناضج ومثقف، ومثل هذه الصفة نجدها عند قادة آخرين من النواة القيادية المؤسسة لجبهة التحرير الوطني، ممن رحل منهم مثل الفقيد أحمد الذوادي، وممن لا يزالون على قيد الحياة، أطال الله في أعمارهم، ورغم أن المنبر التقدمي اعتنى في نشرته الشهرية التقدمي”، على مدار سنوات، بإجراء حوارات مع بعض هؤلاء وتدوين ما تيّسر من معلومات عنهم وعن دورهم الكفاحي وذكرياتهم عن العمل الوطني في البحرين، كما قامت شبيبة التقدمي” بإجراء مقابلات مصوّرة مع بعضهم، عرض بعضها في مناسبات سابقة، إلا أن ذلك يظلّ أقل بكثير من الجهد الكبير المطلوب لتدوين هذا التاريخ الحافل.

وأسباب ذلك متعددة، بينها عدم ميل هؤلاء الرفاق لكتابة مذكراتهم، خاصة مع صفة التواضع ونكران الذات لديهم التي تجعلهم غير ميالين للحديث عن أدوارهم النضالية في تلك الفترات الصعبة، فضلاً عن أن مثل هذه المهمة لا يمكن أن تكون عملاً فردياً، وإنما يجب أن يضطلع بها فريق جماعي مهتم، وفي المنبر التقدمي، كما في التنظيمات الوطنية الأخرى، تشكلت لجان لهذا الغرض، وقامت على مدار سنوات ببعض الجهود، ومن بينها إصدار “التقدمي” لعينات من كتابات وذكريات بعض مناضلي جبهة التحرير الوطني كالقائد الوطني أحمد الذوادي والفنان المناضل مجيد مرهون والمناضل عبدعلي الخباز رحمهم الله، الذين دوّنوا شذرات من سيرتهم النضالية، وذكرياتهم عن البحرين في سنوات الجمر في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وما تلاها، وقامت الأستاذة فوزية مطر زوجة المناضل الراحل أحمد الشملان الرئيس الفخري للمنبر التقدمي بتدوين مفصل لسيرة رفيق دربها، وصفحات من تاريخ الحركة الوطنية، لكن لا يزال الكثير من الصفحات المضيئة والصعبة للتاريخ الوطني في البلاد غير مدوّنة ومجهولة من الأجيال الجديدة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا