
هناك أعمال فنية لا يكتمل معناها لحظة ولادتها، بل تظل تنمو مع الزمن، حتى تجد قدرها الحقيقي في لحظة لم يكن يتوقعها مبدعوها. هكذا تبدو لي قصيدة “امتنان”، للدكتور خليفة بن عربي، التي لحنها وغناها زوجي، الفنان والمؤلف الموسيقي محمد المرباطي، عندما كان طالبًا جامعيًا. يومها، كانت تجربة فنية وُلدت بين أستاذ وتلميذ، تحمل شغف البدايات الأولى، قبل أن تأخذ طريقها إلى المستمعين وتصبح متاحة عبر مختلف المنصات الموسيقية المعروفة. أما اليوم، فقد غدت هذه القصيدة بالنسبة لي رسالة حب تمتد من قلب أبٍ إلى ابنه الذي لم يولد بعد.
تستهل القصيدة بمطلع يختزل رؤيتها الفلسفية والإنسانية:
في كلِّ ذرَّةِ حبٍّ من خلايانا
قد أنبتَ اللهُ في الإنسانِ إنسانا.
إنها صورة شعرية كثيفة، تجعل الحب أصل التكوين الإنساني، لا مجرد شعور عابر. فالإنسان الحقيقي، في تصور الشاعر، لا يولد من الجسد وحده، بل ينبت من بذور المحبة التي أودعها الله في الخليقة. ويأتي فعل «أنبت» ليضفي على الإنسانية معنى النمو المستمر، وكأن الرحمة والأخلاق والإحساس بالآخر نبات يحتاج إلى رعاية دائمة حتى يزهر.
ثم يتسع أفق النص ليخرج من حدود الذات إلى رحابة الكون:
وقال للكون كن في قلب كوكبه
نجمًا يمد له الأرجاء شطآنا.
ولا يكتفي الشاعر بالاحتفاء بالإنسان، بل يربط الأحلام بالعطاء الإلهي:
أحلامنا أودع الباري بها نعمًا
وأسكن الروح من نجواه ألحانا.
وتواصل القصيدة دعوتها إلى الأمل، والنور، والارتقاء، حتى تبلغ خاتمتها التي تجعل الامتنان قيمة وجودية لا تنفصل عن الإيمان:
بالشكر نسمو امتنانًا من خوالجنا
لله، كي نحصد الطاقات ألوانا.
لقد أحببت دائمًا فكرة أن بعض الأعمال لا تصل إلى أصحابها الحقيقيين إلا بعد سنوات. فهذه القصيدة التي رافقت مرحلة من مراحل تكوين زوجي الفني، تعود اليوم بمعنى جديد تمامًا؛ لم تعد فقط عملًا موسيقيًا أو قصيدة مغناة، بل أصبحت ذكرى عائلية تُكتب قبل أن تبدأ حكاية طفلنا مع العالم. وكأن الزمن كان يحتفظ بها حتى تصل إلى اللحظة التي ستكتمل فيها رسالتها.
ومنذ أسابيع، أصبحت هذه القصيدة جزءًا من طقوسي اليومية. أضع يدي على بطني، وأدع اللحن يعبر إليّ، ثم إلى طفلي، وكأن الموسيقى تجد طريقها إلى قلبه قبل أن يتعرف إلى العالم. ولم يكن غريبًا أن أطلب من زوجي أن يهدي هذا العمل إلى مولودنا، ليكون أول إرث فني يحمله، وأول لغة يخاطب بها قلبه قبل أن تنطق شفتاه، مع إن زوجي يفضل أن يؤلف أغنية أخرى خاصة بمولودنا القادم.
وربما أجمل ما في هذه الرحلة أن «امتنان» لم تعد مجرد عمل فني يُستمع إليه، بل أصبحت تجربة تُعاش. فالكلمات التي كُتبت عن الحب والنور والشكر وجدت طريقها إلى حياتنا اليومية، وكأن القصيدة اختارت أن تصبح جزءًا من قصتنا الخاصة.
تنبض القصيدة منذ مطلعها بروحٍ من التفاؤل والإيمان، وتنسج علاقة متينة بين الإنسان وخالقه، وبين الحب والوجود، وبين الحلم والشكر. لا تلجأ إلى التعقيد، بل تترك صورها الشعرية تنساب بهدوء، فتجعل الامتنان قيمةً تُعاش قبل أن يكون كلمةً تُقال. وربما لهذا جاءت موسيقاها منسجمة مع روحها؛ فكلاهما يسير بالمتلقي نحو شعور من السكينة والطمأنينة.
ولعل أكثر ما يلامس القلب فيها أنها لا تحتفي بالنعمة بوصفها غاية، بل تجعل الإنسان نفسه نعمة، وتجعل الأمل فعلًا يوميًا، والشكر أسلوبًا للنظر إلى الحياة. لذلك بدت كلماتها قادرة على تجاوز زمن كتابتها، لترافق كل من يجد فيها جزءًا من حكايته.
إن الشكر هنا ليس استجابةً بعد تحقق النعمة، بل حالة داخلية تُنتج النعمة نفسها. فالإنسان الممتن يرى في الحياة إمكانات لا يراها غيره، ويحصد من طاقاته ألوانًا من الخير والجمال والإبداع. ولذلك اختار الشاعر كلمة «ألوانًا»، لأن النعمة لا تأتي في صورة واحدة، بل تتجلى في صور لا حصر لها.
وربما لهذا السبب بالتحديد أصبحت هذه القصيدة الأقرب إلى قلبي في هذه المرحلة من حياتي. وأنا أترقب ولادة طفلنا، لا أجد كلمة أصدق من الامتنان لوصف ما أشعر به. امتنان لله على نعمة الحياة، وامتنان لأن الفن يستطيع أن يحفظ اللحظات التي تعجز الكلمات العادية عن احتوائها، وامتنان لأن طفلي يبدأ رحلته مع الدنيا وهو محاط بصوت أبيه، يحمل بين نغماته رسالة تدعوه إلى الحب، والأمل، والشكر.
ما يلامسني في هذا العمل أن الزمن أعاد تشكيل معناه. فما كان في الماضي تلحينًا لقصيدة كتبها أستاذٌ وأبدع فيها طالبٌ، أصبح اليوم ذاكرة عائلية تُنسج قبل الميلاد. لقد انتقلت القصيدة من فضاء الجامعة إلى فضاء البيت، ومن منبر الثقافة إلى حضن الأم، ومن تجربة فنية إلى إرث وجداني سيكبر معنا.
وفي موعدٍ أترقبه بكل الحب، من المقرر أن يأتي ميلاد طفلنا في شهر آب، في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه ميلادي أنا قبل سنوات. وكأن الحياة اختارت أن تهديني في هذا التاريخ ميلادًا آخر؛ ميلاد أمٍّ جديدة، وقلبٍ جديد، وروحٍ تُكتب لها بداية مختلفة.
ففي اليوم الذي سيحمل فيه طفلي أول أنفاسه، سأستقبل أنا أيضًا ولادة جديدة لنفسي؛ لن أكون فقط المرأة التي انتظرت طفلها، بل الأم التي ستبدأ معه فصلًا جديدًا من الحكاية. وكأن قدومه سيعيد تعريف معنى الميلاد لديّ، ليصبح يوم ميلاده امتدادًا ليومي، ونورًا جديدًا يُضاف إلى عامي.
ولعل هذا هو الانتصار الحقيقي للفن؛ أن يظل حيًّا، قادرًا على اكتساب معانٍ جديدة كلما عبر إلى قلب جديد. وها هي “امتنان” تواصل رحلتها، لا بوصفها قصيدة أو لحنًا فحسب، بل بوصفها وعدًا بأن تكون أول ما يهمس به الجمال في أذن طفلٍ لم يولد بعد، وأول درس يتلقاه في أن الحياة تبدأ بالحب، وتسمو بالأمل، وتكتمل بالامتنان.


