محطّات جمعت أحمد حميدان بأحمد الشملان

0
102

كان الراحل المناضل الدكتور أحمد حميدان أحد من التقت بهم الباحثة فوزية مطر، لاخذ شهادتهم، فترة إعدادها كتابها البحثي والتوثيقي المهم عن زوجها ورفيق حياتها الفقيد المناضل أحمد الشملان، والذي صدر بعنوان “أحمد الشملان.. سيرة مناضل وتاريخ وطن”، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في العام 2009، ومن هذا الكتاب ننقل بعض ما ورد فيه عن محطات العلاقة التي جمعت بين المناضلين الفقيدين، حميدان والشملان، خاصة في الفترة بين بداية ونهاية عقد الستينات، ويمكن للقارىْ العودة إلى كتاب الباحثة للوقوف على العرض التفصيلي لتلك العلاقة منذ بداياتها إلى المرحلة التي جمعتهما في السجن بالبحرين. • يتذكر د. أحمد حميدان لقائه الأول بأحمد الشملان بقوله” أذكر أنني التقيت بأحمد الشملان لأول مرة في البحرين سنة 1963 وكان قادماً من الكويت، وقد أُعطي اسمي كي يتصل بي لمتابعة النشاط. التقيت مع الشملان لكني لم يحصل بيننا عمل تنظيمي، فقد كانت الحركة في البحرين حينها في وضع مربك وكنا نمرّ بفترة اعتقالات. وأذكر أنني تكفلت بتوصيله لجهة ما أو ربطه بشخص ما أظنه كان الأستاذ محمد خليفات، ثم غادرتُ البحرين في مايو 1963 الى بيروت”.- • يضيف حميدان: “عندما غادر أحمد الشملان البحرين العام 1967 إلى بغداد كان لا يزال في أطر فكر حركة القوميين العرب ولم يدخل في طور الماركسية، كان لا يزال يتحدث في إطار اليسار الذي يمثله محمد كشلي ومحسن إبراهيم وأطروحاتهما، وحتى هذه كان عليها خلاف فحسب معلوماتي ظلت عناصر البحرين معزولة لفترة طويلة وكانت متمسكة بالفكر القومي الكلاسيكي ودخلت بصعوبة في طروحات اليسار، وأحمد الشملان حينما ترك البحرين كان في هذا الطور في وقت بدأنا نحن ننتقل للماركسية بل مضى علينا فترة طويلة نقرأ الماركسية وبدأنا نتحدث بالطروحات الماركسية”. • بعد مرور شهر على قبول أحمد الشملان في جامعة بغداد بدأت إجازة منتصف العام الدراسي فبراير 1968، فقرر أحمد السفر إلى بيروت بدافع شغل فكره إلى درجة القلق والتشوش وهو رغبته في الوقوف عن قرب على التحولات الجارية بحركة القوميين العرب في أعقاب مؤتمر الحركة الذي عقد في ديسمبر 1967 في بيروت. وصل الشملان إلى بيروت براً وهناك التقى بالبحرينيين من القيادات القومية المركزية مثل عبدالرحمن كمال وأحمد حميدان، وعن هذه الزيارة قال د. أحمد حميدان: “التقيت مع أحمد الشملان في بيروت شتاء العام 1968، ولا أذكر أنه كان لقاءً تنظيمياً فحينها لم تكن الحركة الثورية الشعبية قد أعلنت بعد، كانت بداية التحرك لجمع العناصر التي سعت لتأسيس الحركة الجديدة، إلى ذلك الوقت لم يكن هناك ما يربط الفروع بأي علاقة ولم تكن الصورة قد تبلورت بعد، وحينما جاءنا أحمد إلى بيروت في ذلك الشتاء كان قد نشط في المجال الطلابي وكنت أعرف عنه من العناصر المركزية التي كانت حلقة الوصل بيننا وبين بغداد”. • بقي أحمد الشملان في بيروت مدة أسبوع عاد بعدها إلى بغداد لينشط في الوسط الطلابي البحريني والعماني بين الطلبة المنتمين لليسار الجديد في حركة القوميين العرب. يقول د. أحمد حميدان:” أذكر أن أحمد الشملان نشط في إطار العمل الطلابي في بغداد، كان هناك تحرك على استيعاب العناصر وكان أحمد نشيطا فيه، وحسب معلوماتي أنه نشط بشكل خاص في صفوف الطلبة العمانيين الذين كانوا من أنشط العناصر الموجودة وبحاجة إلى توجيه نشاطهم”، وكان هناك ربط تنظيمي مركزي لأحمد الشملان مع بيروت من خلال علاقته مع عضو الأمانة العامة المركزية أحمد حميدان، حيث يشير الشملان الى أن اتصالاته ولقاءاته التنظيمية في بيروت كانت تتم فقط مع حميدان. لقد قام أحمد حميدان بدور قيادي على مستوى ربط الأقاليم، وكان كلّ العمل بيده. • بتاريخ 19-21 يوليو 1968 عقد مؤتمر قطري استثنائي لتنظيم حركة القوميين العرب- إقليم الخليج في دبي. حضر المؤتمر مندوبون عن قطر، البحرين، الكويت، عمان الداخل وظفار. اعتبر المؤتمر منطقة الخليج إقليماً موحداً والسعودية منطقة تنظيمية مستقلة، وأقرّ إستراتيجية الكفاح المسلح رغم تحفظ وفدي الكويت وقطر، كما أقرّ العمل الجاد والسريع لتفجير النضال المسلح في عمان الداخل وخلق بؤر ثورية في عموم المنطقة ترتبط مع بعضها البعض لتصعيد النضال الوطني ضد الاستعمار وعملائه، وأعلن تبنى الماركسية اللينينية وانتخب مكتباً سياسياً كُلف بتسمية التنظيم الجديد، وعن هذا المؤتمر يقول حميدان: “في نهاية العام 1968 وما بعد ذلك بدأنا ننشط في اتجاه جمع العناصر بهدف الانشقاق عن حركة القوميين العرب وتشكيل الحركة الثورية الشعبية، فباشرنا الاتصال بالعناصر العمانية في الساحل وعناصر عمان والعناصر الطلابية وتداعينا لعقد المؤتمر الاستثنائي في دبي الذي عُدّ فيما بعد المؤتمر الثاني للحركة الثورية، والمؤتمر الاستثنائي هو الذي حسم رسمياً إيديولوجية الحركة التي أصبحت الماركسية اللينينية، وبعده أعلنا قيام الحركة الثورية الشعبية”. • في نهاية يناير 1969 اجتمع المكتب السياسي واتخذ قراراً بتسمية التنظيم بمسمى “الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي”، وانتخب أحمد حميدان سكرتيراً للمكتب السياسي وعبدالرحمن كمال مسؤولاً للجنة العلاقات الخارجية وأصدر أول بيان باسم الحركة نشر في مجلة “الحرية”. وهكذا أطلق يسار حركة القوميين العرب في إقليم الخليج الذي التزم الماركسية والكفاح المسلح على نفسه “الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي”. • في أوائل فبراير 1969 سافر أحمد الشملان ضمن وفد بغداد إلى اجتماع التنظيم الطلابي للحركة الثورية الشعبية الذي عُقد في بيروت فبراير 1969. يقول الشملان:” حضرتُ في بيروت اجتماعاً تنظيمياً استمر ثلاثة أيام مع كوادر تنظيمية طلابية من بغداد، بيروت والقاهرة من البحرينيين والعمانيين. وحضر الاجتماع من أعضاء المكتب السياسي للحركة الثورية القياديان البحرينيان عبدالرحمن كمال وأحمد حميدان، ولم يمض شهر على عودة أحمد الشملان الى بغداد حتى وصله استدعاء من أحمد حميدان سكرتير المكتب السياسي للحركة الثورية الشعبية للذهاب – على وجه السرعة – الى بيروت. غادر أحمد الشملان الى بيروت في أبريل 1969. وهناك التقى بسكرتير المكتب السياسي للحركة الثورية الشعبية أحمد حميدان الذي أخبره أن مكتب الحركة في عدن يطلبون حضوره إلى هناك حالاً. قال د. أحمد حميدان:” كان أحمد الشملان عضواً في مكتب(لجنة) العلاقات الخارجية وكُلف بالانضمام إلى وفد الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل الذي سافر في أول زيارة إلى موسكو”. • بعد تأسيس الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي وقيام الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل، بُذلت محاولات لتوحيد هيئات ولجان العمل بين الطرفين الحركة الثورية والجبهة الشعبية في ظفار. قال د. أحمد حميدان:” بعد المؤتمر الاستثنائي(المؤتمر الثاني للحركة الثورية) بدأت عملية اللقاءات بالجبهة الشعبية في ظفار ومحاولة التوحيد، أصبحت أولى المهام أمامنا هي الاتصال بالظفاريين والدخول في حوارات لتوحيد العمل وإعادة النظر في الإستراتيجية. بذلنا محاولات للحوار، وقد ذهبتُ شخصياً الى الداخل في الفترة ما بين 1968 و 1969 ضمن مساعي الحوار باتجاه التوحيد، وبالرغم من الاتصالات التي تمت لم تنجح المحاولات لأن الظفاريين كانوا متمسكين بوجهة نظرهم ورؤيتهم”.• دخل أحمد الشملان ظفار أول مرة ضمن وفد على رأسه أحمد حميدان وعبدالرحمن كمال للحوار حول مسألة التوحيد. يتذكر أحمد الشملان تفاصيل زيارته الأولى لظفار بقوله”: وصلتُ ضمن الوفد الذي زار الاتحاد السوفيتي الى عدن، وهناك كان الرفيقان أحمد حميدان وعبدالرحمن كمال موجودان وعرفت بالمهام التي تنتظرنا.• يقول د. أحمد حميدان:” جمعني لقاء بأحمد الشملان في دبي بعد عودتي النهائية لها صيف 1969 وكنا بصدد الإعداد للدخول الى عمان الداخل لتفجير الكفاح المسلح. كان هناك توجه لدعوة كل العناصر الممكن دخولها فالقيادات في المناطق بما فيها قيادات العمل الطلابي كانت مكلفة بمهمة دفع العناصر للمجيء، كان مطلوباً منها أن تبعث بالعناصر الى دبي لدخول المنطقة، وأحمد الشملان جاء الى دبي في إطار هذه المهمة. وصل أحمد وأقام معنا في بيت واحد لفترة، وكان بيتا للتنظيم تجري فيه عدة عمليات من ضمنها إعداد العناصر التي ستدخل الداخل، وكان يجري حينها حوار بيننا وبين حزب العمل العماني للمشاركة في تفجير الكفاح المسلح في عمان”.• تحدث د. أحمد حميدان عن حالة الصراع التي مرّ بها أحمد الشملان في تلك الأيام، مؤكداً المناقشات التي دارت بينهما فقال: “حالة الصراع الفكري والنفسي التي عاشها أحمد الشملان هي التي أوصلته للوضع المرضي الذي صار عليه، كان الوضع السياسي ملتبساً على الكثيرين. الشملان سافر في تلك الفترة إلى موسكو مع الشباب الظفاريين ضمن وفد رسمي يمثل الجبهة، وفي ذلك الظرف كانت الالتباسات بين الجيفارية والماوية والخط السوفيتي الذي سمّوه التحريفية والخط المستقل من الناحية النظرية والسياسية، كانت التباسات متداخلة. ومن المحتمل أن أحمد الشملان تأثر بزيارته للاتحاد السوفيتي لأن ذلك كان مطروحاً، الشباب الظفاريون كانوا يطرحون أن أحمد بعد أن سافر موسكو ضمن وفد الجبهة الشعبية عاد وقد أصبح من الخط التحريفي، هذا الكلام سمعته في آخر فترة لي معهم. يضاف الى ذلك قضية الكفاح المسلح الذي كان مطروحاً على مستوى الجبهة بقوة، وأنا أتذكر أنه كانت لي نقاشات مع أحمد الشملان في تلك الفترة حول هذا الموضوع.• يواصل د. أحمد حميدان حديثه قائلا: “هنا شيء أذكره للحقيقة والتاريخ وهو أن فهم الماركسية ربما هو الذي أثر في أحمد الشملان كثيراً لأنه كان يعيش الحالة بعمق، فقد كان هناك خلط وعدم وضوح، هناك حديث عن يسار وحديث عن الماركسية وعن اللينينية وحديث عن الجيفارية، كانت هناك خلطة والجميع لم يكن يتحدث ضمن طرح واحد. وكنا نحن عناصر قليلة – أنا أعتبر نفسي ولا أعرف الى أي درجة كان الآخرون منسجمين في الخط نفسه – كنا نسعى لإيجاد خط ماركسي لا هو سوفيتي ولا ماوي ولا جيفاري، كانت محاولتنا هي التمسك بالماركسية كمنهج وخلق شيء جديد، إلا أنه بين الطموح وبين الموجود كان الفارق كبيراً. نقلاً عن كتاب: “أحمد الشملان.. سيرة مناضل وتاريخ وطن”