من يسعى لفكر نيّر بقصد أن يؤسس بنية اجتماعية عليه أن يتجاوز الاكتفاء بالتحاور مع النخب، فمن الضروري أن يتحاور مع العامة لكي تكون بنيته الفكرية مبنية على أسس سليمة وقريبة من الجميع، ولكي يكون الفكر سليماً عليه الخروج من الدائرة الضيقة للأدلجة لكي لا يكون ضمن قيود محصورة تفرض عليه بحكم ضيق أفقها وعدم سعة الطرح المستنير، حيث أنه يحمل رسالة العموم، كما تقع على عاتقه مهمة التزام نشر الوعي والمعرفة الحقة بناء على أسس رحبة ركيزتها الأساسية الديمقراطية والسلم والعدالة الاجتماعية لكي لا يهضم حرية الكلمة والرأي النابعة من منارات جادة وصادقة من مناهج سامية لها جذورها التاريخي الراسخ في بواطن الثقافة الأممية التي تنشدها الحداثة والتقدم وتجسيد الانتماء لمبادئ تعالج واقعنا الراهن الذي يعاني القسوة والوجع.لقد أهملنا كثيراً الجوانب السياسية التي لا تخدم ثقافة الإنسان المغلوب على أمره بغير قصد وابتعدنا كثيراً عن العقلانية والحقيقة والجرأة، لأننا صرنا نخاف، فصارت الظروف الراهنة تخذلنا من حين إلى حين، وبات الخروج من الدوائر الضيقة مهما كان توجهها عقائدياً أو قومياً ضرورياً وراهناً لأنه لا يخدم العموم أممياً.من هنا علينا الخروج من الدوائر متجاوزين التقوقع بداخلها متخذين المبادئ الأساسية السلسة للانتقال إلى الدائرة الأكثر رحابة (الأممية)، بذلك نحطم المفهوم البالي، ونسير على طريق الحرية والانعتاق من المفهوم الانعزالي الضحل، ونسير دوماً إلى الأمام نحو مجتمع عصري يقارع من يصرون تثبيت نهج الرجعية، معززين بعملنا النضال في سبيل الحرية والوطنية، وحتماً فإن النصر حليفنا مهما طالت العثرات المبيتة، لأن الإنسان الواقعي الذي يدافع عن كرامته وعزة وطنه ووجوده الإنساني النابعة من مبادئه بالطبع يبتعد عن الواقع الذي يفقدنا القوة المؤثرة التي تمتلكها مبادئنا التي تجسد الحقيقة العلمية والعملية الإنسانية الخالدة.نحن ننظر إلى أن سعادة الإنسان تكمن فيما يحققه من انجارات في الحياة وهذا مبدؤه، ليكون فاعلاً يدرك ويعي العالم من حوله مؤسساً ومغيراً في مجتمعه كما أنه يغير ذاته وطبيعته، فكلما توسع في مضمون الوعي، أدرك التناقضات التي تدور حوله وتعرف على مفاتيح خطى المسار الذي يرسم المنهج المستقبلي الواسع، أي الايمان بالقناعات التقدمية بعد الخروج من الدوائر المغلقة وبالطبع تصبح الرحابة بعد الخروج حتماً مؤدلجة تحمل صفة الحداثة والتحضر في التحول التدريجي نحو المادية الديالكتيكية فهي النظرية التي تقود الإنسان نحو التطور الفهمي السلس لا بقفزات أو تخطي مراحل.أخيراً لابد لنا إلا أن نقول إن الوعي الذي اكتسبناه ليس عبثاً، بل جاء عبر صراع مع الذات، عبر انتصارنا وتغلبنا على المفاهيم البالية التي تمكنت في نفوسنا عبر ثقافة متخلفة فرضت علينا بقسوة ولم نتمكن من إزالتها إلا بنضالنا ضدها وبصمودنا، حين رأيناها غير مجدية لمجتمعنا.


