قبيل الهجوم الاسرائيلي الصهيوني على إيران، كانت تصريحات الطرفين المتفاوضين، وكذلك المتابعين لجلسات التفاوض الأميركي الإيراني، يدور في جوانب مهمّة منها حول تفاهمات وعمل إيجابي يلقى التشجيع والدعم من كليهما، ظاهرياً على الأقل، على الرغم من أن الطرفين كانا على علم أن التفاوض غير المباشر بينهما، والذي استضافته العاصمة العمانية مسقط، يواجه مصاعب وتحديات جمّة خلال جولاته المنتظرة، إلا أن لغة التفاؤل كانت هي السائدة حينها بشكل عام!
وبكل تأكيد كانت تطلعات الطرف الأميركي تنظر بعيداً إلى حيث الاستثمارات الضخمة الموعودة والمنتظرة من السوق الإيراني، والتي قدّرت بأكثر من تريليون دولار، لسوقٍ متعطش لكلّ شيء تقريباً، نتيجة حصار اقتصادي وتجاري محكم امتدّ لسنوات، تراجع فيها الاقتصاد الإيراني والعملة الإيرانية “التومان” إلى مستويات غير مسبوقة، لذلك انتعشت آمال رجل الشارع العادي قبل النخب الإيرانية، وبالمثل روّجت إدارة ترامب في دورتها الرئاسية الجديدة بعد غياب أربع سنوات إلى أنها ستستعيد مكانة وعظمة أميركا واقتصادها عبر مشاريع واستثمارات ضخمة تنطلق، أساساً، من استثمارات وأموال خليجية ضخمة تحصلت عليها للتو وبلغت أكثر من خمسة تريليونات دولار، تمّ تحصيلها خلال ساعات قليلة، كما تفاخر بذلك الرئيس ترامب مراراً أمام عدسات الإعلام، إضافة إلى وعود بفتح السوق الإيراني على مصراعيه، عقب توقيع الاتفاق الذي كان مأمولاً مع إيران بكلّ ما يحمله من وعود للشركات الأميركية العابرة للقارات.
وفي الوقت الذي كانت فيه دولة الكيان الصهيوني تتربص بعدم توقيع اتفاق، أو حتى تفاهم، أميركي- إيراني، مهما كلف ذلك من أمر، كان سيدخلها في حسابات غير واضحة أو لا ترغب فيها، تسندها في ذلك سطوة الدولة العميقة صاحبة القرار الحقيقي في الولايات المتحدة الأميركية بدون منازع، وهي التي تجثو على الركب أمام طموحات ومخططات اللوبي الصهيوني هناك، تفاجىء دولة الكيان العالم بعدوانٍ غاشم على إيران عبر محاولة إنقلاب داخلي محكمة الخيوط، نسجت بعناية، وتمّ التخطيط لها مع دوائر استخباراتية أميركية وعالمية وربما إقليمية، لم تتضح معالمها حتى اللحظة، لتتوقف بعدها جلسات الحوار والتي كان أقربها على بعد يومين فقط من موعد اندلاع شرارة الحرب الدائرة حالياً بين إيران والكيان الصهيوني.
وعلى الرغم مما قيل حول خداع ترامب المتعمد لطهران بشأن توقيت وطريقة العدوان على إيران، إلا أن ذلك لا ينفي، بل يعزز من حضور ودور الدولة العميقة في الولايات المتحدة وما تخطط له من سيناريوهات على مستوى المنطقة وإعادة رسم الجغرافيا السياسية عالمياً، تحضيراً لمشاريعها التي باتت معروفة للجميع وعلى رأسها إضعاف تحالفات الصين وروسيا بالدرجة الأساس، وليس بعيداً عنا أبداً ما جرى قبل ذلك من حرب قصيرة قبل أقلّ من شهرين، لكنها ذات مغزى سياسي كبير بين باكستان والهند، على خلفية إتفاقية المياه بينهما في منطقة كشمير المتنازع عليها، والتي سرعان ما تمّ إطفائها ربما بسبب حسابات جيوسياسية مستجدة، أو بفعل قوّة الرد الباكستاني الذي فاجأ العالم، وهذا هو الأمر المرجح، بالإضافة إلى ما أظهرته تلك الحرب من قدرات دفاعية وحربية باكستانية كان وراءها بكل تأكيد التسليح الصيني والاستخباراتي السيبراني الرهيب لباكستان!
وإسقاطاً لكل ذلك على أسباب ومجريات الحرب الدائرة حالياً بكل قسوة بين الجارة إيران والكيان الصهيوني، والتي يتابع العالم فصولها، وما تحدثه من دمار وتحوّلات كبرى قادمة للمنطقة والعالم ولخريطة التحالفات القادمة فيها، يجدر بنا القول إنّ من الخطأ أن تبقى دولنا الخليجية والعربية مكتفية بدور المتابع المتفرج المحتسب لنتائج تلك الحرب المدّمرة، وتلك التحولات، خاصة وأن مؤشرات عدّة برزت للسطح، وهي تمسّ بالدرجة الأساس مصالح دولنا الخليجية وشعوبها بشكل مباشر وغير مباشر.
وأولّ تلك المؤشرات يكمن في التهديدات الواردة من إيران بضرب المصالح والقواعد الأميركية المنتشرة على رقع جغرافية متقاربة في دول الخليج العربية، وبالتالي ادخال دولنا رغماً عن إرادتها في حربٍ ليست حربها، إضافة لما ينتظر أن تحدثه من دمار وتحديات جمّة يصعب توقعها، وإمكانية وتوقيت التعافي من كل ذلك، في حال تنفيذ تلك التهديدات، أو استمرار تلك الحرب وتبعاتها على دولنا، علاوة على التلميح المتكرر بغلق مضيق هرمز الذي يمرّ من خلاله أكثر من 20% من إنتاج النفط العالمي المصدّر للأسواق العالمية، في حال دخول أطراف خارجية للحرب الدائرة، إضافة إلى ما قد تحدثه الحرب وعدم أخلاقية دولة الكيان الصهيوني في إشعال المنطقة برمتها، وتبعات التلوث النووي والبيئي، لا سمح الله، فيها جرّاء هجماتها المتكررة على المفاعلات النووية الإيرانية وما يعني ذلك من تعطيل محتمل لكلّ وجوه الحياة وثرواتها وبيئتها الملوثة أصلاً، بفعل حروب وتفجيرات لم تتوقف على مدى عقود ولا زالت، برز من بينها ضرب المفاعل النووي العراقي في العام 1981، وما أحدثه زلزال غزو نظام صدام حسين للكويت مطلع التسعينات وما تبعه من حرب أكلت الأخضر واليابس لدول المنطقة، وأحدثت تلوّثاً بيئياً صارخاً في منطقتنا بعد حرق آبار النفط الكويتية، والذي لم تتعاف المنطقة من آثاره بعد بحسب الكثير من الخبراء!
خلاصة القول إنه بات واضحاً حجم التآمر والتخطيط المراد لاستدامة إشعال المنطقة، وإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية فيها حفاظاً على مصالح دول القرار العالمي وهيمنتها، وما يدور من حديث جدي حول متغيرات محتملة قادمة للمنطقة، تتطلب من شعوبنا وحكوماتنا اليقظة والوعي بما يخطط لمنطقتنا وشعوبها ونهب خيراتها، الأمر الذي يتطلب تحركاً خليجياً وعربياً موحداً وسريعاً، لا يحتمل التأجيل أو التردد أو حتى الخوف غير المبرر، لإنقاذ المنطقة وشعوبها ومقدراتها من تلك المخططات، ولو تطلب ذلك إعادة النظر أو حتى مراجعة تحالفاتنا الإقليمية بمسؤلية وتجرد، والنظر بعيداً بدلاً من الاتكاء على قوى دولية مصلحتها تكمن فقط في تكريس تبعية المنطقة وإذعانها لمشاريعها المشبوهة، والتي لن تكون لصالح ما يروج له من سلام أو استقرار أو إزدهار كاذب!


