ما من شعبٍ على وجه الأرض يواجه ما يُواجهه سكّان قطاع غزّة اليوم من قتل وتدمير وتهجير وتجويع متعمّد، بدعم وتواطؤ مكشوفين من قبل إدارة ترامب وحلفاء غربيين آخرين، داعمين للمخطط الصهيوني – الأميركي الرامي إلى إخلاء القطاع من سكّانه بمختلف السبل بما في ذلك القتل عبر التجويع، ورغم أنّ المأساة الفلسطينية الممتدة عقوداً طويلة تتوالى فصولاً من الدم والتشرد والوجع، إلا أنّ ما يطلق عليه، زيفاً، المجتمع الدولي ما زال يقدّم للجلاد الصهيوني مختلف أشكال الدعم غير القادر على مواصلة جرائمه بدونها.
يافطة “المجتمع الدولي” هي تمويه على الحقيقة الساطعة، فإرادة هذا المجتمع مسلوبة ومصادرة من الدول التي صار الكثيرون يجدون حرجاً في تسميتها بتوصيفها الحقيقي: الدول الإمبريالية، التي هندست تسليم فلسطين للعصابات الصهيونية، والتي أمّنت لإسرائيل كل أسباب البقاء كل هذه العقود، هي التي لا تملكها في محيطٍ هي دخيلة عليه وعلى تاريخه .
أحد الأدلة يأتي من أرض غزّة المحروقة بنيران الصهاينة وتوحشهم، فالجيش الذي يتباهى بأنّه لا يقهر يتكبد الخسائر البشرية بشكلٍ يكاد يكون يوميّاً بفضل المقاومين الأبطال الذين يخوضون حرباً غير متكافئة، ولكنّهم يصرون على ألا يرفعوا الرايات البيض أبداً، ويصممون على القتال والموت دفاعاً عن أرضهم وقضيتهم العادلة، وفي هذا يكمن الفرق بين أصحاب هذه القضية وعصابات مستوطنين مستجلبة من أقاصي الدنيا لتقيم “دولة” على أرضٍ ليست لهم.
أهالي غزّة الذين يواجهون وحدهم، ويصدور عارية، جيشاً غازياً مُدججاً بأشدّ أنواع الأسلحة فتكاً، ويُهجرون من منطقة إلى أخرى، وينال منهم الجوع والحصار حتى الموت، يقدّمون، اليوم، البرهان على أنّ إرادة شعب فلسطين المقاوم، وعلى مدار العقود التي مضت حتى قبل أن تتشكل الدولة الصهيونية، أقوى من الغزاة، لأنّه صاحب قضية ستنتصر مهما طال الزمن، شأنها شأن كل القضايا العادلة للشعوب، فالهمجية مهما تغوّلت وزادت شراسة لن تقوى على هزيمتها.
وغزّة لا تقدّم البرهان على صمود أهلها وصبرهم فحسب، بل إنّها، أيضاً، تضع كلّ الضمائر الحيّة أمام مسؤوليتها في نصرة الحق، والهبة ضد ما يفعله الغزاة الذين يتمادون في غيّهم، لا في داخل القطاع وحده، وإنّما في كلّ الأرض الفلسطينية التي يجاهر الصهاينة بنيتهم الشريرة في ضمّها إلى كيانهم المصطنع، وهذا ما أفصحوا عنه بتصويت “الكنيست” مؤخراً على قرار بضمّ الضفة الغربية.

