الفراغ المدني

0
67

بالتزامن مع اليوم الدولي للشباب، الذي يصادف الثاني عشر من أغسطس، تُعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول واقع المشاركة المدنية للشباب في البحرين. ففي الوقت الذي تُرفع فيه الشعارات حول التمكين والانخراط المجتمعي، يعاني الفضاء المدني من فراغ آخذ في الاتساع، ليس فقط على مستوى المؤسسات، بل في عمق علاقة الشباب بالحياة العامة.

ومن أبرز مظاهر هذا الفراغ المدني في وطننا:

 *الغياب شبه التام الذي لا يقتصر على الجمعيات الشبابية، بل يشمل معظم منظمات المجتمع المدني، باستثناء قلة محدودة لا تزال تجاهد للبقاء في المشهد. فبالرغم من تنامي الوعي لدى الشباب، وامتلاكهم لأفكار وخطابات متقدمة، إلا أن المساحات المتاحة لتنظيم أنفسهم في كيانات أهلية فاعلة تبقى محدودة، إن لم تكن مغلقة.

*البيئة القانونية الناظمة للمجتمع المدني في البحرين لا تزال تُعاني من القيود، سواء في شروط تأسيس الجمعيات، أو في متطلبات الترخيص، أو في القيود التي تُفرض لاحقًا على التمويل والأنشطة والتواصل مع الجهات الدولية. هذه القيود جعلت من تأسيس جمعيات شبابية مستقلة أمرًا شبه مستحيل، وأفقدت كثيرًا من المبادرات الشبابية العفوية حيويتها، إما بسبب تعقيد الإجراءات أو بسبب الإحباط من عدم الاعتراف الرسمي بها.

في المقابل، لم تقدّم الدولة بدائل جدّية لدعم العمل الشبابي المدني، ولم تتبنَّ سياسات ممنهجة لبناء بيئة تشاركية حقيقية تُمكّن الشباب من التعبير عن أنفسهم ضمن إطار قانوني حرّ وآمن، فالجمعيات القائمة حاليًا، سواء الرسمية أو شبه الرسمية، غالبًا ما تكون إما بعيدة عن هموم الشباب الحقيقية، أو تُدار وفق منطق الوصاية لا الشراكة، ما جعل الكثير من الشباب يشعرون بأن هذه الكيانات لا تمثلهم ولا تنطق باسمهم.

في ظل هذا الواقع، لم يجد الشباب في تلك الجمعيات منصات تعبّر عن أصواتهم، ولا آليات لصياغة مبادراتهم، ولا فضاءات للحوار الجاد والتأثير المجتمعي، الأمر الذي أسهم في تفكك العلاقة بين الشباب والعمل الأهلي، وعزّز مشاعر العزوف أو الانسحاب من المجال العام، بل وأفرز حالة من التوجس العام تجاه أي تنظيم غير رسمي.

إن غياب الدعم المؤسسي الفعلي للجمعيات الشبابية، وتقييد الفضاء المدني، لا يحرم فقط الشباب من حقهم في التنظيم والتعبير، بل يحرم المجتمع نفسه من طاقة خلاقة يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في التجديد والتغيير والمساءلة. فدون أطر حرة ومستقلة، سيبقى الشباب خارج معادلة التأثير، وستبقى العلاقة بين الدولة والجيل الجديد قائمة على الاستهلاك لا المشاركة.