لماذا نعجز في البحرين حتى الآن عن إيجاد حلول ومعالجات مقنعة لمعضلة البطالة المستشرية في صفوف شباب وشابات الوطن بمختلف تخصصاتهم وخبراتهم ومستوياتهم التعليمية؟! ولماذا على البحريني أن يستمر في حالة من التذمر والشكوى والإحباط، وهو الذي لم يعد في وارد المقارنة بينه وبين أقرانه في دول مجلس التعاون الخليجي، مع تفاوت وتباين الأوضاع بين دولة وأخرى؟! فالشاب البحريني أضحى مكتفياً، بل ومقتنعاً بكل أسف بكيفية ايجاد فرصته في الحياة وأن يحظى بشيء من الكرامة والتقدير!، ولماذا تعجز الحكومة باستمرار، ويحبط أعضاء مجلس النواب جرّاء انعدام الإجابات الشافية لتساؤلاتهم المستمرة، التي لم تتوقف يوماً وفي كل جلسات ومطارحات المجلس تجاه قضية البطالة التي كبرت وتضخمت خلال العقدين الأخيرين خاصة، بفعل الإهمال الرسمي وغياب الحلول او حتى الإيمان بأهمية معالجتها؟!
أسئلة عديدة تتوالد منها تساؤلات تتسع باتساع وتشعب هذه القضية المعضلة، والتي يعلم الجميع أن لها تداعيات تنذر على الدوام بمخاطر اجتماعية ومعيشية وحتى أمنية، بكل أسف!!
إننا في البحرين بحاجة للمصارحة بشكل أعمق مما اعتدنا عليه خلال الفترة الماضية بشأن معضلة البطالة، التي بتنا نتلمس فعلياً مخاطرها الداهمة، وهي تكاد تحرق أعمار ومستقبل شبابنا بمختلف انتماءاتهم، علاوة على أنها باتت توّلد معها وجوهاً متعددة من الفساد المستشري، واليأس الذي يقود حتما نحو ممارسات غير مقبولة مجتمعياً، كالتحايل على القانون والالتفاف على المسلمات والقيم، وبروز نزعات غير مسبوقة من الأنانية في المجتمع وعدم الاكتراث كثيرا بالحالة الوطنية، والتركيز بدلاّ عن ذلك على الانتماءات الفرعية والمصالح الضيقة، وضيق الأفق وعدم الوضوح في الرؤية والأهداف، والتخندقات الضيقة، ونشر وجوها من الكراهية تجاه الآخر المختلف، مما أضحى معززا لتلك الانتماءات الفرعية، والعمل على تجذيرها في نظرات وممارسات الفرد والجماعات المختلفة، ومن منطلقات إما أن تكون طائفية أو قبلية أو شللية أو مذهبية.
مثل هذه الأمور لم تكن قد خرجت للسطح بمثل هذا الوضوح، لكنها اليوم أصبحت معلومة للجميع، وإن تبقى لدى القلة شيء من الخجل عن الإفصاح عنها، إلا أننا سرعان ما نجدها في ممارسات البعض وحتى في ممارسات بعض النخب والشخصيات التي باتت تجد في مثل تلك التوجهات والسلوكيات المريضة دافعاّ لبروزها الآثم في محيطها النفعي الضيق!!
هل تساءلنا لماذا تنتشر ممارسات مرفوضة كالمخدرات والضياع والانفلات في أوساط الشباب؟! المسألة لا يجب ان تنحصر في استسهال القول إن هذه ضريبة المدنيّة ودخول وسائط التواصل الاجتماعي، فهذا الطرح هو تبسيط لحالة أعقد تحتاج بالفعل لمعالجات سياسية واجتماعية واقتصادية أعمق من كل ذلك بكثير.
فمثلا علينا الاعتراف أن هناك تشظيّات وترسبات وتقسيمات مجتمعية وسياسية في عقول بعض المسؤولين والتجار ولوبيات المصالح والنخب وحتى العامة من الناس، جراء الكثير من التحديات والمصاعب التي عشناها ونعيشها لفترات، وآن الأوان للاعتراف بها أولاً ومن ثم الشروع في إيجاد حلول عاجلة لها مهما كلفنا ذلك من جهود وتضحيات ومصارحة.
كذلك هناك غياب واضح لأي سياسات ورؤى تنتشل مجتمعنا من حالة السكون والمراوحة والتناسي والمشاغلة بقضايا هامشية إلى حالة أخرى أكثر إيجابية وعطاء واستنهاضاً للقيم والوازع الوطني والأخلاقي الذي به تستقر النفوس وتهدأ، ولو قليلاً، مشاعر الإحباط، والتسيب ونزعات الأنانية المريضة، والعودة، ولو تدريجياً، لروح المجتمع المتسامح المتعايش، القادر بوعي أن يستعيد دوره مع الدولة وبقية شرائح المجتمع ضمن نسق وطني لا يعطي وزناً إلا لمسألة النهوض والبناء، والتراحم الفعلي بين مكونات المجتمع.
نحن في حاجة ماسة للاعتراف أن نهجنا الاقتصادي الذي فرضته أجندات ليست أجنداتنا، بل هي سياسات تلقائية فرضها النهج النيو ليبرالي الذي أضحى متحكماً في عجلة اقتصادنا بكل أسف، وأضحى مُولداً لمعضلة البطالة المتعاظمة وتراجع المستوى المعيشي لشرائح واسعة في مجتمعنا، وحجم اقتصادنا الصغير الذي لو قُيظّ له أن يستمر على الأقل على ما بدأناه منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي باتجاه بعض وجوه الاقتصاد المنتج، الذي تعززت معه عجلة الاقتصاد الوطني وشهدنا معها طفرات تنموية مهمة، استدعت توظيفاً مقبولاً لمواردنا وعمالتنا الوطنية في مختلف القطاعات الإنتاجية والصناعية والمصرفية وبعشرات الآلاف من الشباب البحريني، والذي بسببها عمرت المدن وشيدت الجامعات والمعاهد وتطورت البنية التحتية، وازدهر اقتصادنا الوطني حينها بتنوّعٍ مقبول نسبياً، وزادت صادراتنا للعالم من حولنا إلى آخر ذلك من قول.
قادنا النهج النيو ليبرالي إلى بيع الكثير من أصولنا التي بُنيت بجهود الدولة وعرق العاملين فيها، كما حدث بالضبط في قطاعات المال والصيرفة والبنوك والطاقة ومحطّات الكهرباء والألومينيوم والبتروكيماويات والخدمات المتنوعة وغيرها، لنشهد بعدها تراجعات جمة، وعرقلة واضحة لاقتصادنا الوطني، وتقلص تنافسيته وتراجع إيراداته، وزيادة حدّة الفصل التعسفي في صفوف عمالتنا الوطنية كنتيجة فعلية فرضتها مقاييس التنافسية الجديدة المطلوبة لسوق عمل صغير لا يحتمل كل تلك التشوهات، التي لا يزال البعض يكابر في الاعتراف بها رغم أنها ظاهرة كالشمس!
يُضاف إلى كل ذلك غياب القرارات الحاسمة والرؤية والاستراتيجيات المدروسة، التي تابعنا كيف سارعت إليها العديد من دول الجوار وفعلتها على الأرض، فيما تخلفنا نحن مكتفين بأرقام ونسب ربما تصلح للترويج لكنّها في أغلبها لا تمت لواقعنا الاقتصادي والمعيشي بصلة، بكل أسف، وترددنا كثيرا حيال حسم أمور لا تحتمل التأجيل!
خلاصة القول وأمام كل ما يجري في سوق العمل من أوضاع غير مستقرة ومن ممارسات وتشوهات وفصل تعسفي لعمالتنا الوطنية في الشركات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، كما يحدث الآن تحديداً، في مقابل جموح غير مبرر للاعتماد على العمالة الأجنبية التي كانت يوما تعتبر رخيصة التكلفة، إلا أنها لم تعد كذلك، بل أضحت تمثل لنا كابوساً يلاحق ما تبقى لاقتصادنا الوطني من مقوّمات كما يلاحق أعمار شباب الوطن في أرزاقهم ومستقبلهم وآن الأوان لقرارات عاجلة تقودها الدولة، ويعززها القرار الوطني الحاسم الذي حتماً سيجد تجاوباً من قبل الجميع حتى نستعيد شيئا مما خسرناه ونوقف تراجعاتنا الاقتصادية والمعيشية عبر رؤية وطنية متوازنة لا تقبل المراهنة على مستقبل الوطن وأبنائه.


