ليف تولستوي في رواية “البعث”

0
154

من باستطاعته الكتابة بهذا النفس المغرق في الطول والصبر والجلد على كتابة روايةً أشبه ما تكون بمجموعة روايات، غير تولستوي، الأديب العبقري صاحب “الحرب والسلام” و”آنا كارينا”.

تقع “البعث” في 868 صفحة، وصدرت ترجمتها، عن “دار المدى”، وهي آخر رواية كتبها تولستوي وأكملها في العام 1899. صممت على قراءتها، مستمتعاً بهذا السرد الروائي الممتع الجميل.

 يبهرنا تولستوي بمقدرته في أن يأخذنا إلى عالم روسيا القديم، روسيا القرن التاسع عشر، بكل ما فيه من مآسٍ؛ النظام القضائي الفاسد، الرشوة، الفقر، الفساد المستشري، الإنـحلال الأخلاقي، السجون، الإذلال، النفاق الاجتماعي، وبالضرورة إنـحطاط المجتمع جراء كل ذلك، حيث يخبرنا الكاتب عن الأحوال المريضة لروسيا القيصرية، ومعاناة أهلها وعلى الخصوص الفلاحين وهم يعيشون في حالة مزرية، وحيث تكتظّ السجون مكتظة بالمعتقلين سواء أكانوا جنائيين أو سياسيين، مظهراً إسراف الطبقات الغنية في الملذات على حساب الشعب الفقير المغلوب على أمره.

يبدأ تولستوي روايته عن أحوال السجناء والمجتمع الروسي من خلال البطلين الرئيسيين في الرواية: كاتيوشا ماسلوفا والأمير ديمتري إيفانوفيتش نيكليودوف الذي أغوى كاتيوشا عند زيارته لعمتيه وسافر، لتكتشف بعد ثلاثة أشهر من سفره بأنها حامل، ونتيجة لذلك طُردت من منزل العمتين، ماريا وصوفيا إيفانفنا بسبب حملها منه سفاحاً، أما ابنها، وكان صبياً صغيراً مريضاً، فقد أُرسل إلى ملجأ لم يكد يصل إليه حتى مات، على الرغم من أنها كانت فرحة بذلك الوليد، وعلى الرغم من تلك الفرحة إلا أنها وفي حالة يأس فكرت في الانتحار (سيمر قطار، وسأتمدد على السكة، وينتهي كل شيء).

يصف تولستوي حال الأمير نيكليودوف ومشاعره المتناقضة: (وقد تصادمت فيه عاطفتان متناقضتان: كان الشاب، من جهة يطرب لذكرى اللذة التي جناها – وهي لذة أدنى كثيراً مما قدر – وكان يحس من جهة ثانية بأنه ارتكب عملاً شائناً، وأن من واجبه أن يتداركه، لا في مصلحة كاتيوشا، بل في مصلحته هو نفسه)، فقد أدى تصرفه مع الفتاة إلى صراع نفسي قلب حياته رأساً على عقب: (كانت هذه الذكرى تؤلمه أشدّ الإيلام، وتذلّه أشد الإذلال، وتُريه أنه، وهو الفخور باستقامته، قد تصرّف بجبن ودناءة مع هذه المرأة).

أصبح الأمير نيكلودوف بعد ذلك  يلاحق الفتاة أينما حلت أو ارتحلت لمحاولة إصلاح غلطته بالزواج منها بعد أن دمرّ حياتها وقضى على مستقبلها، وبعد أن يأست في الحصول على عمل لائق لتنتهي في نهاية المطاف للعمل في دار للدعارة لتدبر أمور حياتها المعيشية (كان على ماسلوفا أن تختار بين أمرين، فإما أن تختار عمل الخادمة المُذل، فتعاني لجاجة الرجال وتنخرط في بغاء سري ومؤقت، وإما أن تختار وضعاً مضموناً وهادئاً، هو البغاء العلني الذي يحميه القانون ويكافأ عليه بسخاء. فاختارت الأمر الثاني بطبيعة الحال).

هذا الوضع الذي آل إليه حال كاتيوشا، بإنـحدارها إلى أسفل قاع المجتمع أوصلها إلى أن تتهم بجريمة تسميم أحد زبائنها، بأن دست مسحوقاً في كأس (فيرابونت سميلكوف) وهو تاجر سيبيري مما أدى إلى موته، وتشاء الصدف أن يكون الأمير نيكليودوف واحداً من اثنى عشر شخصاً محلفاً من جميع الفئات في هذه القضية التي حُوكمت فيها كاتيوشا مع اثنين آخرين، رجل وامرأة، (ياكارتنكين، وبوتشكوفا) وهنا يقول تولستوي على لسان نيكليودوف: “بدأ يعترف بدناءة فعلته وخُيّل إليه أن يداً قوية جاءت به قسراً ليشاهد غلطته. ومع ذلك فهو لم يشأ أن يرى الدلالة الحقيقية لما فعل، ولا أن يفهم ما تريد منه تلك اليد التي تدفعه. لقد أبى أن يصدّق أن عملها الشرير كان من صُنعه، لكن اليد الخفية كانت تمسك به، وتضغط عليه، وأخذ يحسّ مسبقاً بأنها لن ترخيه بعد الآن”.

بعد مداولات المحكمة وقرار المحلفين حُكم على كاتيوشا، بالحرمان من الحقوق المدنية والشخصية، وأمرت المحكمة أن تُرسل إلى الأشغال الشاقة لمدة أربع سنوات، وفقاً لأحكام المادة 28 من القانون الجزائي، وبهذا الحكم الذي أتى بخلاف الواقع على اعتبار من أن المحلفين عند توصلهم لتلك النتيجة لم ينتبهوا إلى مسألة في غاية الخطورة وهي أن كاتيوشا لم تسرق مال القتيل وبالتالي لم تقصد القتل، إلا أن هذا الخطأ لم تتداركه المحكمة أيضاً.

وبناء على الحكم المذكور أصبح الأمير نيكليودوف مشاركاً مشاركة فعليه على الحكم على كاتيوشا ليضيف إلى إجرامه بحقها جرماً آخرأً، وليحاول تدارك أخطاءه عيّن لها محامياً معروفاً ومشهوداً له بالكفاءة (فانارين) لتمييز الحكم المذكور، وسعى بكل الطرق إلى محاولة العفو عنها لدى السلطات العليا مستعيناً بمعارفه العديدين دون جدوى، فأقصى ما حصل عليه في مسعاه هو أن تحوّل للسجن مع السياسيين مما أدى لتغيير عقليتها كلياً ولتصبح امرأة أخرى، وأن يلتقيها في السجن ومساعدتها مادياً رغم رفضها المستمر لهذه اللقاءات والمساعدات ورفضها الزواج منه رغم حبها له، وكان لقسوة الحكم الذي صدر ضدها، وهي قسوة لم تتوقعها سبباً في ذلك.

حال رجوعها من المحكمة إلى السجن، وعند سؤالها من قبل النساء المسجونات معها: قالت بين شهقتين:

  • حُكم علي بالأشغال الشاقة!

فصاحت إحدى السجينات (كورابليوفا)

  • هؤلاء الجلادون الغاشمون، لا يخافون الله إذن! إنها لم تفعل شيئا؟ لم يحكمون عليها؟

يصف لنا تولستوي حال السجينة كاتيوشا من خلال لقاء نيكليودوف بها في السجن: (استطاع أن يلاحظ بأناة وجه السجينة. رأى الغضون حول عينيها وفمها، رأى تورّم الجفون، رأى المظهر العام للبلاء المبكر وللتقهقر. فأحسّ بالحزن يتغلغل فيه، واشتدت شفقته عليها).

ونتيجة لتأنيب الضمير، أخذ نيكليودوف بالدفاع عن كل المساجين وملاحقة قضاياهم مع المسؤولين محاولاً إطلاق سراحهم وتخفيف آلامهم بمختلف الطرق، فنسج علاقات معهم ووطدها، خصوصاً مع السجناء السياسيين منهم: (ينبغي ألا يُسمح بالإبقاء على الأبرياء في السجن). وكان يقدّم المعونات للسجناء الذين أخذوا يلتمسون عونه بأعداد لا تني تتزايد يوماً بعد يوم.

شغلت بال نيكليودوف قضايا أخرى: (أن يتوصل إلى معرفة: لماذا ألقي بهؤلاء الناس في السجن فعُذبوا بشتّى السبل، بينما يظل آخرون، من أمثالهم أو ممن هم أدنى من بعضهم أحراراً).

قسّم تولستوي الرواية إلى ثلاثة أقسام مترابطة بشكل دقيق، بحيث لن تستطيع إلا أن تنبهر بكيفية هذا الترابط والتداخل بين مجموع تلك الشخصيات العديدة ودور كل واحد فيها. كل شخصية من تلك الشخصيات تعبر وبشكل لا لبس فيه عما يعتمل في المجتمع الروسي من تفاعلات ناتجة عن الفساد الأخلاقي والتهتك المجتمعي والغبن والإجحاف والظلم بحق المستضعفين، فكانت هذه الرواية صرخة تولستوي الأخيرة ضد هذه الأوضاع وكانت أيضاً نقداً لاذعاً للمؤسسة الدينية والسياسية على حد سواء.

يمكن القول بأن رواية (البعث) تمثل صوت الضمير الإنساني حين يستيقظ والتكفير عن الذنوب ومواجهة الذات الأمّارة بالسوء.