كتاب “في مديح الأشياء وذمّها” للكاتب البحريني حسن مدن هو عمل أدبي وفكري يجمع بين السرد الشائق والتحليل العميق؛ إذ يتناول الكاتب علاقة الإنسان بالأشياء والأفكار التي تقع على طرفي نقيض من حيث الصفات أو الخصائص، مثل: الخير والشر، والنور والظلام، والضحك والبكاء، والقوة والضعف. ويُعتبر الكتاب محاولة لفهم الحياة بمتناقضاتها من خلال الأشياء – المادية والمعنوية – التي تُحيط بنا، وتأثيرها في تفكيرنا وسلوكنا.
ويلحظ القارئ منذ البداية أن الكاتب يقترب من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة والعابرة ليضعها تحت مجهر التأمل، فيستخرج منها ما يتجاوز سطحيتها، ويحوّلها إلى معانٍ فلسفية ووجدانية عميقة.
يقوم الكتاب على ثنائية المديح والذم، الشيء ونقيضه، لا بالمعنى التقليدي للثناء والهجاء، وإنما بالمعنى التأملي الذي يقول عنه مدن: “إن ما نُخالُه متضادّات ليس بالضرورة كذلك في كل الأحوال، وأن للحقيقة وجوهاً مختلفة لا تتيسر معرفتها دون التبصّر في هذه الثنائيات، وفي كيفية تجلّي المنطق الجدلي في العلاقة بينها”. من هنا يصبح الكتاب رحلة في فلسفة الأشياء، حيث يُعيد الكاتب اكتشاف المحيط العادي: الكتب، والمقاهي، والموسيقى، والأمكنة، وحتى التفاصيل الصغيرة كالنافذة أو مقعد الانتظار.
اعتمد حسن مدن في هذا العمل أسلوباً يقوم على المقالة القصيرة التي تجمع بين جمال اللغة وعمق الفكرة. فهو لا يكتب بطريقة أكاديمية جافة، بل يقترب من القارئ عبر لغة أدبية سلسة، تتخللها لمسات وجدانية وتأملات فلسفية، تجعل النصوص أقرب إلى البوح منها إلى التنظير.
ومن خلال هذه الثنائية، يحاول الكاتب أن يذكّر القارئ بأن الأشياء ليست محايدة تماماً؛ فهي تحمل في داخلها قدرة على الإلهام أو الإزعاج، والإغواء أو النفور. فالمكان الذي يمنح الدفء قد يتحوّل في ظروف أخرى إلى فضاء خانق، والموسيقى التي تُبهج الروح قد تستدعي الحزن أحياناً. هكذا يصبح العالم شبكة متناقضة من الدلالات. “ففي حديثه عن الإحساس بالزمان، فهو تارةً يمر سريعاً فلا نكاد نحسّ به، ونتمنى لو كان بمستطاعنا إيقافه في لحظةٍ معيّنة، وتارةً أخرى يكون ثقيلاً بطيئاً خانقاً، فنتمنى لو أنّ باستطاعتنا دفعه بقوة كما ندفع صخرةً من أعلى جبل نحو أسفل الوادي”.
وتكمن قيمة الكتاب في أنه يُعيد الاعتبار إلى التفاصيل الصغيرة التي كثيراً ما نهملها، ويُثبت أن في هذه التفاصيل جوهراً إنسانياً عميقاً. كما يذكّر القارئ بأن الحياة ليست مكوّنة من الأحداث الكبرى فقط، بل أيضاً من الأشياء البسيطة التي تُشكّل في مجموعها نسيج الذاكرة الفردية والجماعية.
يأتي هذا الكتاب استمراراً لخطّ واضح في تجربة حسن مدن، حيث تتداخل الثقافة والفكر والأدب في نصوصه، بما يعكس اهتمامه بالإنسان ومحيطه. وإذا كانت بعض أعماله الأخرى أكثر مباشرة في الطرح الفكري والسياسي، فإن هذا العمل يقترب من الحميمي واليومي، فيمنح مساحات أوسع للتأمل الجمالي والفلسفي.
يمكن القول إن “في مديح الأشياء وذمّها” هو كتاب في فلسفة اليومي، يعيد الاعتبار إلى العادي والمألوف، وينقله من دائرة التكرار والنسيان إلى فضاء التأمل والدهشة. وبهذا المعنى، يفتح حسن مدن نافذة على جماليات الحياة في بساطتها، لكنه لا يغفل عن وجوهها المظلمة، فيجمع بين المديح والذم، والألفة والنقد، في لغة أنيقة وشفافة.


