هل هناك غير زياد في الجرح، والسخرية، والضحكة السوداء؟
ونسأل: من أي رحم وُلد زياد؟
الإجابة تقول؛ بأن لبنان هي إمتداد لولادة هذا الحزن الطويل، وكونها راية الجرح، خُلق زياد من هذه الكوميديا السوداء التي صعد بها إلى المسرح، لتفيض عن الشارع، ومسرح الحياة وترسم ملامح النقد ليكون قهوة الصباح، لكنه بجرعة أمل، “أيه فيه أمل! “.
كيف وصل زياد إلى مسقط، كيف وصل إلى جرح ليلنا، وصل كما وصل الشيخ إمام وقصائد مظفر النواب المهربة عبر الكاسيت، كنا نتداولها كحشيشة، وعندما نسمع: “هي بلد/لا مش بلد/ هي قرطة عالم”، نعيش حالة نشوة، كأنه يعبر عنا، يخاطب العالم عن حالتنا المكسورة، ويتشابك أسلوبه عند الشيخ إمام في السخرية وهو يغني، ونمضي نحن نردد ونقلد سخرية زياد كما كان يفعل معلم الليل بدر النعماني الذي تمرد على الألوان وثار على حياته.
زياد ابن اللحظة، ابن الشارع، ابن الموقف، لأنه خرج مبكراً من عائلته، من قمرها، من بستانها، من قريتها، من الطفولة ومرحها، من نبعها، كل هذه التفاصيل المزهرة في مخيلتنا، لدرجة الصباح العربي لا يطاق من دون فيروز وثنائيها في القصيدة واللحن، الذين ارتبطا في ذاكرتنا ب”الأخوين”، كرسوا تراثهم في مخيلتنا في زمن مبكر عندما أستيقظنا في بلادنا السمراء بلا أغنية.
زياد يغني الألم الخاص ويدفعه للعام، يحترق من الداخل لكنه يسكبه في الخارج، يجمع دموع الشارع في أغنيته التي أخذت مساراً آخر، في النص واللحن، وهذا ما جعله خالدا في دم المعذبين، دم المقهورين، دم البسطاء، دم الفقراء، دم العمال، دم المجروحين، دم الناس البسطاء، حتى في “سألوني الناس” التي قدمها لأمه فيروز، نلمس الفقد، لكن بأسلوب لم يصدم الجمهور، كما حدث في ما قدمه لاحقاً لفيروز عندما صدم جمهورها واعتبروه في مجمل ما قدمه هدم معبد الأخوين وبينهما قديّسة الغناء فيروز.
نستمع إلى زياد في أوقات ألمنا، قهرنا، احباطنا، غليان دمنا، إذا ارتفع السكر والكوليسترول، وفي حالة الصداع من البلاد، نسمعه في التيه والتشظي، في جحيم السؤال، نحبه أكثر في الليل، حين ينزف في علبه البارده وعدم مقدرتنا في دفع الفواتير، نسمعه وهذا ما تندر في صباح يقظ وجميل، حالماً ما نفيق على التفكير في الفواتير الشهرية وكأنها طقسنا اليومي.
حدث مرة كنت في تاكسي المدينة مع صديق لي، طلبنا منه أن يضع كاسيت زياد لنستمع إليه لحظة السحق، فكانت أغنية “أنا مش كافر”، صرخ صاحب التاكسي في وجهنا، وقال؛ “إيش هذه السفالة” يقصدنا نحن، وغضب منا، وطلب بأن أن نذهب إلى الصلاة، كان الوقت مغربية مسقط الثملة ب”الساعة السعيدة” في معجم الإنجليز.
زياد كان ظلنا في مدينة مسقط عندما تتكسر في دواخلنا وتغضب وتتعرى من الحب.
أحببنا زياد في تمرده، في كسره للمألوف، في نقده، في موقفه، في صراحته حتى أصبح صديقنا، كما هو ولد ليكون صديق الله في الشعر، زياد لا يقدم أغنيته للزينة، بل يقدم الندبة. يعرّي القبح، يشرح الخراب، صحيح زياد خرج من ظل فيروز ووهج الرحابنة، لكنه قال: “كل شي كذب”، ولأن كل شيء لحافة الانهيار، كان زياد. وكان صديقنا الدائم بالخسارة: “ما رح يرجع اللي راح… وما في شي جايي غير الأسوأ”، وأخيراً “مش غلط نحلم… بس ما تغمّض عيونك كتير”. لأن البلاد غابة، والناجون قلة.


