نبيل سليمان في “ليل العالم”: حكاية المأساة السورية

0
104

هي رواية للكاتب السوري نبيل سليمان تقع في 461 صفحة، تدور أحداثها حول ما عاشته سوريا منذ العام 2011، وما أطلق عليه “الثورة السورية” وما رافقها من قتل وتنكيل وتدمير من قبل النظام السوري والمعارضة المسلحة.

على لسان بطلي الرواية منيب حسين الخلف، المثقف ومدّرس اللغة العربية وهفاف حبيبته، يشعرنا المؤلف بأسلوبه الشيق بأن كلا الطرفين؛ النظام والمعارضة على حدٍ سواء ارتكبا بحقّ الشعب السوري جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وضد الطبيعة البشرية. النظام بقصفه بالبراميل المتفجرة وبالطيران والأرض المحروقة والمعارضة بقطع الرؤوس والتدمير الممنهج للنسيج الوطني باسم الإسلام وفرض الشريعة كما يتصورونها قبل 1400 سنة.

بسبب تلك الأفكار الإسلاموية الدخيلة تناسلت تلك الجماعات وأصبحت كل واحدة تحارب الأخرى باسم الإسلام، فظهرت عدة فصائل: “النصرة”، “أحرار الشام”، “جند الإسلام”، “داعش”، “غرباء الشام” “أنصار الشريعة”، “كتائب الفاروق”، “صقور الشام”، “جماعة الأنصار”، “الطليعة المقاتلة”، “لواء العباس”، “جيش القادسية”، “جند العزيز”، “عاصفة الشمال”، “أبناء الشام”، “الإخوان المسلمين”، إلى جانب الجيش الحر .ومقاتلو هذه “الفصائل” جميعاً متشابهون: لحاهم، نظراتهم، عمائمهم، حتى وحشيتهم وفنون قتلهم للأبرياء والمختلفين معهم في الرأي أو العقيدة .

تبدأ أحداث الرواية من مدينة الرقة وخنق هفاف المتمردة على هذه الحركات المتعصبة “جزاء على ما عدّوه مروقها”، ” المرأة عورة، ليس للمرأة أن تزغرد أو تنوح، قتلوها بسببي أنا وابني باسيل وزوجته ميرا بسببنا نـحن المسيحيين.

بتوافد هذه المنظمات المتوحشة من جميع أصقاع العالم أصبح العيش مستحيلاً، فقد فرضوا رؤيتهم على الشعب السوري بالحديد والنار، فرضوا على النساء النقاب والعباءة الفضفاضة والقفازات وأضافوا من الممنوعات ما أنزل الله بها من سلطان. “الكعب العالي حرام. الكعب العالي يجعل قفاك يبدو أكبر مما هو عليه ويرجرجه. المناكير حرام. المناكير يمنع الماء عن الأظافر في الوضوء”. حتى البنطلون حرام، وكل لباس ضيّق حرام، الأغاني والأفلام والمباريات.

دوريات الحسبة تجوب الشوارع، تتصيد المخالفين لتعاليم الشريعة كما يدعون “تحجبي قبل أن تنظري من نافذة أو من الشرفة، أنت تثيرين الشهوات، بالإبتسامة”، ويزينون للمرأة لبس النقاب ويدغدغون عواطفها بشعارات مثل “مثل اللؤلؤة في احتشامك”. الجلد في الطرقات، “جلدوا المصوّر أمام المتحف، التصوير حرام، سجن النساء من قبل المسلحين “جزاء من لا تتنقب”. على المتاجر أن تغلق قبل عشر دقائق قبل النداء بالصلاة والتوجه إلى المسجد “وُمن وجد أثناء الصلاة فاتحاً متجره أو خارج المسجد في الطرقات فإن متجره سوف يغلق ويُطلب للمساءلة الشرعية وستتم المحاسبة”. يأمرون بعدم الاختلاط بين الطلاب والطالبات من قبل رجال الحسبة، فابتدعوا أسماء لهذه الكتائب، مثل كتيبة الخنساء وغيرها من الأسماء بهدف ترويع الناس وإذلالهم باسم الدين والشريعة.

يسلط الكاتب أيضا الضوء على ممارسات الحزب الحاكم، حزب البعث في علاقته مع المواطنين السوريين في مجال التوظيف، والفساد المستشري والمحسوبية: “الرفيق محسن لا يخفي علويته ولا رعايته لمن في الرقّة من العلويين. ومن ثم يعرج على علاقة الحزب ببقية الأحزاب والمنظمات: “منيب ليس معادياً ولا في حزب آخر، ولكن لن يكون في حزبنا. ما التقيناه مرة إلا وفلقني: ما من طريق عربي إلى الاشتراكية، ولا من تطبيق عربي للاشتراكية. إما الاشتراكية العلمية أو لا اشتراكية”، وكلّ من ينتسب إلى اتحاد الطلبة يُعطى مهمة التجسس على باقي زملاؤه: “يريدون الواحدة منا أن تتجسس على زميلاتها وعليكم يا أستاذ. قرفت يا أستاذ. ما عدت أريد هذا الاتحاد حتى لو…”. وللمدرسين دور، مطلوب منهم أن يجمعوا المعلومات للمخابرات وما يسمونه بالمسح السياسي، يقول منيب: “لستُ أهلاً لهذه المهمة الوطنية. ابحثوا عن غيري”.

يسترسل الكاتب شارحاً كيف أن الشيوعيين يعتقلون ويعذبون على الرغم من وجود وزير لهم في الحكومة وهم حلفاء للنظام فما بالك بالأحزاب المعارضة ؟، وعن الجيش العقائدي، هذا المسمى الذي لم ينتج شيئاً إلاّ الإستئثار بالسلطة، وهنا يتسائل الكاتب “أين صارت القنيطرة؟ أين هو الجولان؟”، ليقول هذا حزب لا أمل منه.

يتناول الكاتب تاريخ مدينة الرقة والتحولات التي شهدتها أثناء غيابه عنها مع التركيز على الأحداث السياسية وتأثيرها على المواطنيين والصراع بين التيارات الفكرية المختلفة: القوميين، الشيوعيين، الإسلامويين وغيرهم، وعلاقة كل ذلك مع بطل الرواية منيب حيث يعيش بين مختلف هذه التيارات محاولاً التكيّف مع هذا الواقع المتغيّر والمعقد حيث يشعر بالضغط من انتشار المنظمات الإسلامية المتشددة.

“ليل العالم” عمل أدبي بأسلوب غني وعميق وبسرد يتراوح بين الواقعية والتأمل الفلسفي، استطاع الكاتب عبرهما أن يعكس تحولات المجتمع السوري سياسياَ واجتماعياً، في فترة مصيرية من تاريخ سوريا، انفجرت فيها التراكمات بشكل دموي.